المقالات
السياسة
جنوب السودان.... 5 سنوات من الآمال المجهضة
جنوب السودان.... 5 سنوات من الآمال المجهضة
07-09-2016 10:24 AM

جنوب السودان.... 5 سنوات من الآمال المجهضة

بقلم: ماد قبريال

كاتب من جنوب السودان

[email protected]

يٌعد التاسع من يوليو / تموز يومًا تاريخيًا لشعب جنوب السودان، ففيه أعلن عن ميلاد الدولة بعد أكثر من خمسة عقود من حالة الحرب مع الشمال. ليسدّل الستار على تاريخ العلاقة المتوترة على مدار السنوات الماضية، التي بدأت مع سياسات الإدارة البريطانيّة للسُودان، مرورًا بفترات الحكم الوطني المتأرجحة ما بين الشدّ والجذبّ. الديمقراطية والانقلابات العسكريّة والتحالفات القصيرة.
جاءت الخاتمة هذه المرة، بانفصال سلمي وفقًا لبند حق تقرير المصير "اتفاقية السلام الشامل 2005"، لتعلن عن دولة جديدة في القارة الأفريقية، مدعومة من قوى دولية على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، إلاّ أن الحكومة في جوبا-عاصمة الدولة، سرعان ما خيّبت الآمال والتطلعات الشعبية، ودخلت في نفق مظلم، كما عبر الكاتب الفرنسي رينيه ديمون في كتابه "البداية الخاطئة"، نتيجة إخفاق النخبة في الحركة الشعبية (الحزب الحاكم) من تحوّيل الحزب من حركةٍ ثوريةٍ إلى حزب يمارس العملية السياسيّة السلمية مجابهه بتحديات إدارة دولة تفتقر إلى أبسط مقومات البنية التحتيّة. إلاّ أنَّ التجربة في السنوات الخمسة الماضية تستحق أن تضاف إلى قائمة مشاريع الدولة الوطنية الفاشلة في القارة في المرحلة ما بعد كولونيالية.
لم تكون الدولة الجديدة بالاستثناء من هذه الحلقة، ولعل أبلغ تفسير لهذ الحالة نجدها عند المفكر الجنوب أفريقي موليتسى مبيكي، الذى أرجع سبب أزمة الحكم المستعصية في القارة لعاملين هما، الأول: سوء إدارة النخب الوطنية الأفريقية الحاكمة، والثاني: عمليات السلب والنهب التي تقوم بها القوى الدولية لموارد أفريقيا، ولا أوّد في هذه المقال الأخذ بالفرضية الثانية الخاصة بالعامل الخارجيّ، فهي تحتاج إلى مقال أخر وتحليل أعمق، لكن ما أوّد الإشارة إليّه في حالة جنوب السودان، هو الفرضية الأوليّ الخاصة بالنخب الوطنية، التي تجد نفسها في قمة هرم الدولة، وإمام تحدياتٍ مُصيرية، وتطلعات شعبية كبيرة، وهي في الأساس لم تكن متهيئة لهذا الدور الجديد أو على الأقل لم تكن بمستوى الشعارات المطروحة، فبالعودة إلى طرح الحركة الشعبية " مشروع السودان الجديد" القائم على طرح وحدة السودان على أسس جديدة، لم تقوم الحركة الشعبية الحاكمة في الجنوب بمراجعات فكرية لهذا المشروع بعد تصويت شعب جنوب السودان لخيار الانفصال.
المُعضلة التي تواجه أيّ محلل في الشأن الأفريقي، هو التداخل الشديد لعدد من العوامل، في تحليل فشل الدولة أو ما يعرف في أدبيات العلوم السياسية بمصطلح الدولة الفاشلة "Failed State"، وهو في حد ذاته مصطلح إشكالي إلى حدّ كّبير، إلّا أنّنا نٌستخدمه في هذا المقال لتوصف حالة جنوب السودان. التي دخلت في نزاع مسلح وحربٍ أهليةٍ بعد سنتين فقط من نيل الدولة الاستقلال، وأذكر أنّي كنت يوم إعلان الدولة في منطقة كدوك، وهي تقع شمال ملكال، إحدى المدن الثلاثة الكبرى في الجنوب، وقد قابلت عددًا من الأهالي، عبروًا عن فرحتهم وفي نفس الوقت عن خشيتهم من انزلاق الدولة في أتون الحرب، كما كان يشير عددًا من المتابعين والمحللين لملف دولتا السودان، لوجود جملة من المؤشرات والسوابق التاريخية، فضلًا عن التركيبة الديمغرافية والحداثة السياسية في الحكم المنفرد.
بعد خمسة سنوات، لم تخرج التجربة عن مسار غيرها من التجارب الأفريقية السابقة، والسودانية بصورة خاصة، فجيل الاستقلال في السودان، رفعوا شعار "تحرير لا تعمير"، بمعني الأولوية بالنسبة للنخبة الوطنية وقتها لم يكن هو بلورة رؤية للمرحلة ما بعد الاستقلال بل كانت الرؤية تتلخص في خروج المٌستعمِر، دون وجود رؤية للمرحلة البديلة، كيفية إدارة الدولة، ما هي التحديات وشروط الاندماج الوطني واحداث التنمية والتحديث. بلا شك عجزت هذه النخب عن الإجابة على التساؤلات السابقة ودخلت في دوامة التنافس السياسي وغياب البرنامج الحاكم. بنفس الطريقة، لم تطرح النخبة الحاكمة في جنوب السودان رؤية نحو إدارة الدولة، وإن كان هنالك اتفاق قد تم بين القوىّ السياسيّة الجنوبيّة في العام 2010، أي قبيل إعلان الدولة بعدة أشهر، وسمي ذلك بالحوار الجنوبي-الجنوبي، حيث تم الاتفاق على أجندة وطنية للمرحلة المقبلة، لكن عملت الحركة الشعبية (الحزب الحاكم)، على تأسيس نظام يٌمكن الحزب من الانفراد بحكم الدولة، وذلك بوضع دستور على مقاس نخب الحزب، وبإعطاء الرئيس سلفاكير صلاحيات كبيرة، مع ضعف المؤسسات التشريعية والقضائية، لجاء الحزب لاستخدام سياسات القمع والعنف، تجاه المعارضين والمنافسين بجانب الفساد المستشري في كافة المؤسسات العامة، أسباب مجتمعة جعلت سجل الدولة يتذيل المؤشرات العالمية.
التحدي الآن، هو في الحفاظ على وحدة كيان الدولة ومنعها من الانهيار، بعد الانقسام والاصطفاف القبلي أو ما يعرف بالقبلية السياسية، وهي سياسية النخبة في الجنوب لكسب الرصيد والتأيّيد الشعبي، وللحفاظ على السلطة، فمنذ توقيع اتفاق السلام في أغسطس /آب العام الماضي، وتشكيل حكومة وحدة وطنية انتقالية (TGoNU) بموجب الاتفاقية، بين الأطراف الثلاثة الرئيسية، مجموعة الرئيس سلفاكير، مجموعة النائب الأول رياك مشار والمجموعة الأخيرة المعتقلين السابقين، وللمفارقة كلها تحمل أسم الحركة الشعبية مع اختلاف في الكلمة الأخيرة، إلاّ إنّ التباعد بين الشركاء يهدد الاتفاق وينذر بالعودة إلى المربع الأول، وهو الحرب الأهلية.
ترى القوى الدولية، أن على أطراف الاتفاق العمل على تسوية خلافاتهم، حتى تقوم بتقديم الدعم المادي واللوجستي، بالمقابل تتزايد تردي الأوضاع الإنسانية والمعيشية التي وصلت حد المجاعة بحسب تقارير المنظمات الدولية، في الوقت ذاته وصل معدل التضخم إلى أكثر من 300%، بجانب انخفاض قيمة العملية المحلية إمام الدولار (ا جنيه يعادل 50 دولار امريكي). الوضع الآن يحتاج إلى معالجة عاجلة، وتصرف يضع مصالح المواطن والوطن في الأولوية بدلًا من الخصومة والمناورات التكتيكة بين النخب، فالوطن الآن في نفق مظلم، إذا يجب الاستفادة من التجربة السابقة، تقييمها وأخذ الدروس والعبر. والبدء في وضع أجندة وطنية لتجاوز خطر التفتّت وانهيار الدولة.
الدوحة – قطر


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 3042

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1485622 [سوداني ومحب للسودان]
0.00/5 (0 صوت)

07-09-2016 03:07 PM
قلنا لهم الانفصال غلط كبير والخسران الاول هو الجنوب
والثاني هو الشمال ،
ولما كان تروج الانفصال قبل الاستغلال الحكومة الجنوبية منعت اي احد يروج للوحدة
لرغبتهم لضم اكبر عدد من الأصوات وهذا ما حصل
فالتالي انا متأكد لو حصل استفتاء جديد ستكون الوحدة هي خيار كلا الطرفين من هنا وهناك
نسأل الله ان يلم شمل ووحدة بلادنا الحبيبة

[سوداني ومحب للسودان]

ردود على سوداني ومحب للسودان
[ابراهيم محمد] 07-11-2016 07:25 AM
انا كشمالي ليست الوحده هي خياري نتوحد علي شنو وحانستفيد شنو من الجنوبيين دايرين ترجعونا تاااني لحركات الجنوبيين مواطنيين درجة تانيه ومندكورو بقتلو عيال تاننا وشمال بسرقو بترول ححق جنوب ﻻ للوحده


ماد قبريال
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة