المقالات
السياسة
سجال الديمقراطية والسلام عند حزب البعث
سجال الديمقراطية والسلام عند حزب البعث
07-25-2016 10:00 PM


من السجال القيم الذي يثيره مناضلو حزب البعث، بتحريك البرك الساكنة، بإلقاء حصى النقاش الموضوعي، بخاصة في الأسافير الإلكترونية، سعيا باتجاه تكوين رؤية متكاملة حول قضايا الوطن المصيرية، لا سيما المتصلة بموضوعات السلام والديمقراطية، وبشكل خاص مناقشة موضوع (جدوى التفاوض مع النظام من اجل بناء السلام). جاءت أهمية المشاركة والكتابة في هذا السجال، بعزم إدامة الحوار الديمقراطي الشفاف.
من خلال النقاش، أثير تساؤل حول أسبقية (إحلال السلام من خلال التفاوض مع النظام) على (بناء الديمقراطية) في استراتيجية البعث السياسية.
هناك نقطتان جوهريتان، لابد من الإشارة اليهما دائما حين يكون الحديث عن موقف السياسي لحزب البعث. النقطتان تتشابكان، نتيجةً لتشابك (السياسي والعقائدي) لدى حزب البعث.
الأولى، أن حزب البعث قد رسم خطه الاستراتيجي في قضايا المرحلة السياسية الراهنة من خلال بيان وتعميم صدرا عن قيادة الحزب في أغسطس 1993، نادى من خلاله إلى (أسقاط النظام الديكتاتوري) من خلال العمل الجماهيري الشعبي بإعادة إنتاج تجربة الاضراب السياسي والعصيان المدني، من خلال تكوين ما أطلق عليه وقتها (التحالف الوطني الصحيح). ويبدو أن كلمة (الصحيح) قد وضعت بعناية شديدة في سياق ذلك البيان، في ذلك التاريخ المبكر. وعبارة أخرى مهمة لابد من الوقوف عندها، ألا وهي ان الحزب قد ذكر في تعميمه ذلك، انه يسعي مع غيره من القوى الوطنية نحو تكوين تحالف وطني صحيح للخروج من (الحلقة المفرغة) ديكتاتورية/ديمقراطية/ديكتاتورية، بما يعني أن الحزب يدعو إلى تغيير جوهري وليس شكليا أو مرحليا.
النقطة الثانية، وهي مقتبسة من الأولي، أن حزب البعث في سبيل إنجاز برنامجه السياسي في المرحلة الراهنة، وفق اشتراطات تعميم اغسطس، فانه يعتمد بشكل رئيسي على الطبقات الشعبية ذات المصلحة الحقيقية في التغيير نحو الديمقراطية والسلام والتنمية، وهي الطبقات التي تم ذكرها في دستور الحزب بـ (الطبقات الكادحة)، وبالتالي فإن حزب البعث ينظر للنتائج النهائية لأي عملية أو إجراء او موقف سياسي يتبناه، ويتحقق عما اذا كان ذلك الإجراء يصل بالحزب الى النتائج النهائية المرجوة، ألا وهي تحقيق غايات الطبقات الكادحة، ونتيجة ذلك التحقق هي المعيار الأساسي في تبني الموقف/ الاجراء/ العملية. وأن حزب البعث يعتقد بأن الرأسمالية العالمية ومن خلفها القوى الطفيلية المحلية، يعملان بصورة تهدم على نحو منظم ومنهجي، مصالح الطبقات الكادحة، مستغلة عوامل التجزئة والتخلف والتبعية السائدة في المنطقة.
من هذا الاستعراض المبسط، يمكن أن نفهم بكل وضوح أي موقف يعلنه حزب البعث، بخصوص قضايا الراهن السياسي السوداني.
أما فيما يخص موقف البعث من إجراءات بناء السلام التي يقودها الاتحاد الافريقي من خلال آلياته، والتي انخرطت فيها القوي المعارضة المسلحة في دارفور وجنوب النيل الازرق وجنوب كردفان، وموقع ذلك التفاوض في أجندة العمل الوطني من أجل السلام والديمقراطية والتنمية، فان موقف البعث، وبدون ان نكرر أنفسنا نستصحب معنا دائماً النقطتين الجوهريتين أعلاه لتجنب أي إطالة غير مبررة، فسنجد ان الموقف يتأسس على ما يلي:
أولا- التفاوض والحوار هو أقرب الطرق لإيجاد سلام دائم: إن حزب البعث، كتنظيم سياسي، يعتمد العمل المدني في نضاله، يعتمد اسلوب العمل مع الشعب ومؤسساته المدنية، من أحزاب ومنظمات مجتمع مدني وأي قوى أهلية، عبر التفاوض والحوار السلمي الديمقراطي، وفي أكثر من مرحلة سياسية كان هذا المنهج سائداً في خطاب حزب البعث العربي الاشتراكي، فهو أحد الداعين لعقد المؤتمر الدستوري لمناقشة قضايا مستقبل السودان. ولكنه أيضا ضد استغلال ذلك التفاوض من أجل تجسير وصول القوي الانتهازية إلى السلطة بالتشارك مع القوى الديكتاتورية، ولأن التفاوض او الحوار ليس غاية في حد ذاته، وإنما وسيلة نتوسلها لتحقيق غايات المواطنين؛ لذا يرى حزب البعث في التفاوض الجاري بخصوص قضايا السلام في السودان في المنابر الدولية، هو عملية فوقية معزولة وغير مؤثرة في سياق بناء السلام في السودان، وأن السلام الحقيقي، ينتجه حوار سلمي ديمقراطي، يشمل كافة قطاعات الشعب عبر وسائل مختلفة وتناسب كل قطاعات الشعب. وإن القوى المنخرطة في تلك الإجراءات غير مستندة على ارادة شعبية، تؤهلهم للتحدث باسم الشعب، بقدر ما أنهم في أفضل الأحوال ينطلقون من أجندة حزبية خاصة او مناطقية/ إقليمية، أما في الغالب الأعم، فهم يعبرون عن تكامل الأهداف الرأسمالية العالمية مع اهداف القوى الطفيلية المحلية. ومثلما لم يكن الشعب هدفا في تلك الحروب، فانه اليوم غائب تماماً في طاولة التفاوض في أديس ابابا وغيرها، وهو أيضا ليس جزءً من أهداف ذلكم (السلام المزعوم) وان تم حشر اسمه في كل فقرة.

ثانياً- حرية الشعب وانعتاق ممثليه من التبعية: إن قيادة حزبنا تؤكد في كل مناسباتها السياسية، حق الشعب السوداني في دارفور وكردفان والنيل الازرق في العيش في سلام دائم، في ظل تنمية متوازنة ودولة ديمقراطية. إلا أن حزبنا حينما يتحدث عن مظالم تلك المناطق، بوصفها جزء من المظالم التي يشهدها المواطنون جميعا، بل هي تعكس أقسى صور المظالم والانتهاكات على مر تاريخ السودان الحديث. ولكن يجب الانتباه دائما، أنه يجب على اي تنظيم أو حركة بصورة منفردة أو مجتمعة الا يعتبر نفسه مفوض من جماهير الشعب في تلك المناطق، وبالتالي لا يعتبر حزب البعث الحركات المنخرطة في الحوار ممثلة له، مثلما لا يعتبر حكومة المؤتمر الوطني ممثلة عن الشعب السوداني.
وبقراءة ما يجري حاليا، يمكن ان نرى طبيعة التفاوض الذي تم تصميمه وطبيعة المشاركين فيه، وسنرى بوضوح الطبيعة الاقصائية والفوقية، بل قد نرى بأم اعيننا الديكتاتورية التي تمارسها الآلية الإفريقية والحركة الشعبية وحكومة المؤتمر الوطني من خلال فرض الإجراءات واختيار الممثلين وغير ذلك. فهذه الإجراءات والأجندة لم تخرج من توصيات مؤتمر جماهيري تمت فيه نقاشات عبر الطرق الديمقراطية الحرة، بقدر ما هي مخرجات اجتماعات مغلقة بعيدة عن الشعب وأحزابه الوطنية.
ومن جهة اخرى، نرى غياب الديمقراطية في الحياة السياسة والحياة العامة، بسبب وجود القوانين المقيدة للحريات، وتفشي الأحكام العرفية وقوانين الطوارئ، لم تجعل هنالك فرصة متاحة لحزب البعث أو غيره من الأحزاب أن تقول رأيها في ذلك التفاوض أو موضوعاته، كما ان القوى الامبريالية والطفيلية المحلية لن يسمحا لصوت الشعب (المغاير موضوعيا) ان يعلو وان يعلن عن نفسه من خلال المنابر المختلفة، فضلا على أن ذلك الصوت لم ولن يجد له منفذا للخروج.
إن القوى المهيمنة على منابر التفاوض تستخدم آلتها المالية والسياسية والمنظمات والمؤسسات القابضة على المال، لتدفع بعناصرها للانخراط في التفاوض المزعوم، وبالتالي تعمل على إقصاء من تريد إقصائه. إذن الحوار مطلوب ومهم، ولكن بعد توفر شروط شعبيته وجماهيريته. وفي هذا على القارئ ان يتذكر الخطاب السياسي الذي ظل يدعمه حزب البعث، وسط شركاؤه في قوى الاجماع الوطني، حين بدأ الحديث عن الحوار من خلال آلية أمبيكي، والخاص بتوفير مطلوبات الحوار من الغاء القوانين المقيدة للحريات والسماح بالنشاط السياسي للأحزاب والافراج عن المعتقلين السياسيين... الخ. لقد وجد ذلك الصوت صداه، حتى ان لجنة أمبيكي وضعت ضمن إجراءاتها (اللقاء التحضيري) لإضفاء نوع من الديمقراطية وتداول الآراء، ولكن بفضل ارادة القوى المهيمنة، تم تجاوز تلك المرحلة. وحتى يتجاوز المهرولون نحو الحوار، مشكلة افتقارهم للبعد الشعبي والجماهيري، تم اقناع الدكتور امين مكي مدني ودكتور بابكر وآخرون، بأن يعتمروا طاقية المجتمع المدني (ويسرقوا اسمه) وان ينخرطوا في هذه الإجراءات دون تفويض منه. وعليه، ألا يشرح هذا الامر مدى أهمية دور الشعب في أي تفاوض او حوار؟ لذا ان حزب البعث لا يريد ان يذهب إلى طاولة يشعر بانه الغريب الوحيد فيها، بدون أنصار وجمهور.
ثالثاً- مصالح الطبقة المتحكمة في الحكم والموارد: بالنظر الى الأسباب والنتائج، الخاصة بأزمة السلام في السودان، لا يمكن إغفال عامل (غياب الحرية وانتهاكات حقوق الإنسان وسوء الحكم) كعوامل فاعلة في خلق الازمة، وتصعيدها، وتفعيل تداعياتها. وهذا حديث ظل يكرره رفيقنا، عضو القيادة القطرية، والناطق الرسمي الاستاذ محمد ضياء الدين. أن الازمة في دارفور هي من خلق سياسات النظام الديكتاتوري الحاكم، وبالتالي من السهل جداً القول أن وجود هذا النظام هو السبب المباشر في تنامي حالة الحرب وتفشي ثقافة الكراهية بسياسات النظام الاقصائية الداعية الى التمييز بين المواطنين بسبب انتمائهم السياسي او الديني او الجهوي او القبلي، وبسبب رغبتها في السيطرة على حكم البلاد ومواردها لصالح الطبقة الطفيلية الصغيرة المتحكمة في البلاد. وبالتالي أيضا من السهل جدا استخلاص، ان النظام الديكتاتوري الحاكم لا يستند استراتيجيا الى أي رغبة أو استراتيجية لبناء سلام عادل وحكم ديمقراطي وتنمية متوازنة، وأي افتراض خلاف ذلك يكون فيه مجافاة للواقع.
إن النظام يعبر عن مصالح متباينة في مجملها ضد مصالح الشعب، النظام معبر عن طبقات انتهازية رجعية رأسمالية تقوم على استغلال الشعب وسرقة موارده بالتحكم على كافة مصادر القوة. وهو، أي النظام، مدعوم من قوى اقليمية ذات مصلحة في وجوده، لاسيما الاتحاد الافريقي ودولة اثيوبيا، وهو أيضا مستغل بصورة متناهية بواسطة القوى الرأسمالية الدولية والتي تجلس في طاولة المفاوضات تحت لافتة (دول الترويكا). إذن، فاقد الشيء لا يعطيه، فلا يمكن ان ننتظر من سلطة البشير ونافع وبكري حسن صالح أن تتوافق مع الشعب من أجل سلام عادل وديمقراطية وتنمية متوازنة.
رابعاً- الموقف من القوى المعارضة المنخرطة في التفاوض مع النظام: إن موقف حزب البعث من تلك القوى، ومن تدابير اجتهادها في سبيل التوصل لاتفاق مع النظام الديكتاتوري، يتأسس بغرض تفادي الاطالة على الاعتبارات التالية:
1- ان حزب البعث العربي الاشتراكي يتشارك مع القوى المعارضة المسلحة هموم أجندة بناء الديمقراطية من خلال إزالة النظام القمعي القائم، مع اقرار تباين الوسائل المتبعة للوصول لتلك الغايات. أن المناطق الاقليمية التي تشهد نزاعا مسلحا، تعيش أوضاعاً غير مسبوقة موسومة بانتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان ويغيب في إطارها مبدأ سيادة حكم القانون وبالتالي هي قضية مركزية يجب أن تحتل أجندة العمل الوطني في السودان لكل الأحزاب السياسية المعارضة للدكتاتورية.
2- إن حزب البعث يمايز بين الاحزاب الوطنية عموماً، بقدر انسجام برامجها مع غايات الشعب والنأي عن استغلال طاقات الجماهير وإهدارها بغرض الوصول لغايات نفعية ذاتية، وبالتالي تتأسس علاقة البعث مع القوى المنخرطة في التفاوض مع النظام الديكتاتوري وفق معيار تعبيرها عن مصالح الجماهير، وفي ذلك يحرص على ان يبني علاقات موضوعية، مع كافة الفصائل السياسية والحاملة للسلاح، وفق قاعدة الندية والاحترام المتبادل، وان يؤكد متى ما كان ذلك ضروريا، أن العمل المعارض المسلح يشجع الحكومة على المزيد من الانتهاكات ضد الشعب، ويسهم في فرض شروط اكثر صعوبة على البيئة السياسية والاجتماعية. وفي ذات الوقت يؤكد على ضرورة بناء شراكة وطنية عريضة من أجل عزل النظام وإسقاطه، وعدم إتباع سياسات ومواقف قصيرة المدى، تسهم في تدعيم وجود الديكتاتورية وإطالة أمدها.
3- إن النقطة الابتدائية التي قادت تلك القوى الى تبنى العمل المسلح، والتواجد خارج اقليم السودان، واعتمادها على حلفاء دوليون، جعل تلك القوى المسلحة تتبنى معايير سياسية تختلف في معظمها عن رؤية القوى السياسية المدنية، وبالتالي أصبح من غير اليسير (وليس المستحيل) النظر للقضايا الوطنية بمنظار واحد، إذ أي موقف تأخذه تلك القوى يستوجب مراعاة العامل الدولي الذي (يدعم/ يمول/ يستضيف/ ..) تلك القوى. وبالتالي ان استيعاب هذا الوضع يجعل من الضروري لحزب البعث استيعاب تلك القوى في أجندته السياسية، دون اغفال للظروف المحيطة مع تلك القوى.
4- أي موقف من أي تفاوض مع النظام الديكتاتوري (لطالما رفض البعث الانخراط فيه) يعتمد على النتائج التي يفضي اليها، مع الاقرار بان ذلك التفاوض سيكون قاصرا من حيث أثره وإلزاميته على الاطراف التي تفاوضت، ووقعت عليه لافتقاره جانب مشاركة كل فصائل الشعب السوداني، ولافتقاره المشاركة الشعبية، وهذا كان موقف البعث من اتفاقية نيفاشا في عام 2005.
ختاماً: كل الرجاء أن تضئ هذه المساهمة الرد على التساؤل: لماذا وقف حزب البعث دون المشاركة في تحالف "نداء السودان"؟، وكذا ان تشرح جانبا من موقفه من العمل السياسي المسلح، أو موقفه من العمل السياسي المعارض من خارج السودان.



[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 974

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1493263 [سيزر]
0.00/5 (0 صوت)

07-26-2016 05:25 AM
((( ختاماً: كل الرجاء أن تضئ هذه المساهمة الرد على التساؤل: لماذا وقف حزب البعث دون المشاركة في تحالف "نداء السودان"؟، وكذا ان تشرح جانبا من موقفه من العمل السياسي المسلح، أو موقفه من العمل السياسي المعارض من خارج السودان. )))))


يا خي تشاركوا ولا ما تشاركوا كم واحد إنتو ؟؟؟؟

وبعــــــــــــــــــدين


((( أن حزب البعث قد رسم خطه الاستراتيجي في قضايا المرحلة السياسية الراهنة من خلال بيان وتعميم صدرا عن قيادة الحزب في أغسطس 1993، نادى من خلاله إلى (أسقاط النظام الديكتاتوري) من خلال العمل الجماهيري الشعبي بإعادة إنتاج تجربة الاضراب السياسي والعصيان المدني،))))


وينو الاثر بتاع الخط الاستراتيجي في قضايا المرحله ؟؟؟؟ تثبيط للهمم و إتهامات فارغة،،، خطكم عاجز وعاطل

[سيزر]

علي إدريس علي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة