المقالات
السياسة
عبد الخالق محجوب: الجزيرة وثأر البحيرات
عبد الخالق محجوب: الجزيرة وثأر البحيرات
07-28-2016 04:50 AM

اكتنف موت أستاذنا المرحوم عبدا لخالق محجوب ملابسات سياسية تكتيكية من العنف الإنقلابي المضاد، والإنكسار السياسي والاجتماعي، جعلت أكثر الاهتمام به يتجه إلى أسئلة تريد فض ألغاز وخفايا تلك الملابسات. وهي أسئلة مشروعة وواجبة. فلا سبيل إلى العلم بتاريخ الرجل، أو بتاريخنا بغير معرفة مدى تورط عبد الخالق والحزب الشيوعي في انقلاب 19 يوليو ذي العواقب الوخيمة. ولن يهدأ خاطر حسنيِّ النية من كل فج بغير بيان مقنع حول سلامة عقيدة عبد الخالق في المنهج الانقلابي الذي زكى لنا معارضته أول قيام البكباشي جعفر محمد نميري بانقلابه في مايو 1969. وقد بدا للناس أن أستاذنا لا يعارض الانقلاب إذا قام به شيوعيون "صرف" من مثل انقلاب 19 يوليو.

وهذه أسئلة يراها الناس طاعنة في مبدئية الرجل ومصداقيته. وقد فاقم من حرج هذه الأسئلة أن أكثر تاريخ الرجل بعد موته مما كتبه خصومه الذين استولوا على الميكرفون في عبارة مناسبة اشتكى فيها الرئيس كلينتون من جور الجمهورين الذين خلفوه في الحكم، وراحوا يُذيعون عنه ما أرادوا. ومما زاد الطين بلة أن حزب عبد الخالق الشيوعي نفسه قد اختلط عليه الأمر بشأن تلك الملابسات التي أدت إلى قتل صاحبهم وحار في الأمر حيرة عامة الناس وخاصتهم. وضرباً للمثل: فلم يفتح الله على الحزب ببيان للناس عن ملابسات انقلاب 19 يوليو إلا في عام 1995، بعد نحو عقدين من وقوع الانقلاب. وهي فترة كافية لتستشري المعرفة المغرضة بالمرحوم عبر ميكرفونات خصومه الذين تعاقبوا على الحكم.

لن تصلح سيرة هذا الرجل المجاهد بمجرد دفع الافتراءات عنه. والخطة المثلى لاسترداد بهاء الرجل هو أن نخرج به من نفق وأضابير خاتمة حياته التراجيدية، وكيد خصومه، وتضاؤل أنصاره. والسبيل إلى ذلك هو توسيع نظرنا إليه كقائد لحركة تغيير اجتماعي ناهضة ذكية نحو العدالة الاجتماعية. وقد وقعت حركته في سياق قرن الجماهير، القرن العشرين، وهبَّاته الثورية الكثيفة. وقد أصاب تلك الهبَّات ما أصابنا ومنها من لم يرتكب انقلاباً أو انقلاباً مضاداً. فقد تعددت أسباب اغتيال حركات العدالة الاجتماعية والموت واحد. يحاول علم الحركات الاجتماعية على أيامنا هذه استنقاذ هذه الحركات، التي قصدت التغيير الاجتماعي، من أن تدفن نهائياً في ركام أخطائها المختلفة صغيرها وكبيرها. فإن تم إسدال الستار على مغازي وأهمية تلك الحركات على النحو اللئيم الذي نراه فستنحرم تيارات الاحتجاج الاجتماعي المعاصرة من عِبَر واعتبارات حركات مثل التي قادها عبد الخالق وغيره.

من نافلة القول إن "كَسرة" (والمصطلح من أدب الثورة المهدية التي يقال لعام هزيمتها على يد الإنجليز في 1898 أنه "سنة الكَسرة") حركات التغيير الاجتماعي أمر دارج ومعلوم في التاريخ. ويقول منظرو علم الحركات الاجتماعية إن هذه الحركات تفشل بالطبع لعاهة في نظرها وفعلها. غير أنهم يسارعون بالقول إن أكثر فشلها يأتي من فرط قسوة العادات الاجتماعية والسياسية المحافظة لمجتمعاتها والشروط التاريخية المخصوصة التي حفَّت بنشاطها. ولن تغتني معرفة الناس بالوجود المغاير الذي يريدونه لأنفسهم بالمرابطة عند الأسئلة المثارة عن عاهة هذه الحركات، وكيف جنت على نفسها مثل براقش، أو كيف سار قادتها إلى حتفهم بظلفهم.

الذي سيمكث ويفيد من فعل عبدا لخالق في عصره أن ننفذ إلى الرؤى والأحلام التي غذت سيرته وحركته في أول أمره إذا أردنا لشباب أيامنا هذه أن يعتنق أحلامه السوية بالوجود المغاير ويلتزم بها. والمعلوم أن طاقة هؤلاء الشباب للحلم الاجتماعي فارغة. والفارغة لا يملأها إلا شيطان السوق والاستهلاك وشهوة التملك. فمهما قلنا عن جناية حركات التغيير الاجتماعي على نفسها فإننا لاننكر أنها قد أبقت في عاقبتها بين الناس أثراً من رؤيتها. وفي هذا الأثر شفرة ما كان الجيل يرجوه لوطنه وشعبه ولسواد الناس منهم. وقال أحد منظري علم الحركات الاجتماعية إنك إذا نضوت عن هذه الحركات ثيابها حتى بلغت نواتها، ونفذت إلى الرغائب الجمعية التي استترت في جوهرها، فستجد أن الحرية والحب هما أصل المسألة. فليس هزائم تلك الحركات هو موت الحلم. فجوهرها، وهو طلب الحب والحرية، ماكث في الأرض، وبين الناس. فلربما مات عبد الخالق في طيات ملابسات استعجل فيها أو أخطأ. وهذا موت واحد من سبل الموت المعبدة العديدة التي تلقى راكب الصعب مثله. فجريمة المرحوم الشماء الحقة، في قول المفكر الإيراني على شريعتي عن صوفي شهيد، هي الوعي والحساسية وتقحم أمهات الأمور بالفكر. وقال شريعتي أيضاً إن علو الهمة وحذاقة الفؤاد خطايا لا تغتفر في مجتمع الجاهلين. وهذا في معنى قول بوذا: "فمجتمع البحيرات يظل يرشق الجزيرة بالماء حتى تغرق."

[email protected]


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 3539

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1494643 [قنوت ميسرة]
0.00/5 (0 صوت)

07-28-2016 11:47 AM
يبدو لي أنك قلت هذا الكلام في تأبين الشيخ الترابي بعد رفع مأتمه في اليوم الثالث

[قنوت ميسرة]

#1494580 [Kan Zaman]
0.00/5 (0 صوت)

07-28-2016 10:07 AM
الإنقلاب + خطاب مباركة إبادة أهلنا في الجزيرة أبا (ضرب الرجعية)= مبرراتك لتجميل الصورة هشة رغم استشهادك بجزيرة بوذا يا رفيق.

[Kan Zaman]

#1494545 [حمر طرطور]
0.00/5 (0 صوت)

07-28-2016 09:32 AM
وان كان المطلوب الثار من نميرى فالنميرى لا يعرفه احد قبل ان ياتى به عبد الخالق رئيسا لسلطة مايو ولولا عبد الخالق لكان النميرى شخصية مغمورة لا يعرفها ولا يابه بها احد وعليه انا ارى ان عبد الخالق قد قتل نفسه برجاله الذين اتى بهم دون ميزان او حساب لحكم السودان المسكين وكانت النتيجة ان سلط الله عليه هؤلاء الرجال المغمورين ورفض حتى طلبه بالموت الرحيم بالرصاص بدلا من الحبل المهين وقد كان رد الجاهل الحاقد جعفر نميرى لا بس يعلوقك فى الحبل الذى يعلق فيه الشرموط

[حمر طرطور]

#1494503 [فاروق بشير]
0.00/5 (0 صوت)

07-28-2016 08:48 AM
قراءة بأزمة اللحظة:
مقبوسات تفيد جدال اللحظة.:
( إن أكثر فشلها يأتي من فرط قسوة العادات الاجتماعية والسياسية المحافظة لمجتمعاتها والشروط التاريخية المخصوصة التي حفَّت بنشاطها. ولن تغتني معرفة الناس بالوجود المغاير الذي يريدونه لأنفسهم بالمرابطة عند الأسئلة المثارة عن عاهة هذه الحركات، وكيف جنت على نفسها مثل براقش، أو كيف سار قادتها إلى حتفهم بظلفهم.)
----
(إذا نضوت عن هذه الحركات ثيابها حتى بلغت نواتها، ونفذت إلى الرغائب الجمعية التي استترت في جوهرها، فستجد أن الحرية والحب هما أصل المسألة. فليس هزائم تلك الحركات هو موت الحلم. فجوهرها، وهو طلب الحب والحرية، ماكث في الأرض، وبين الناس.)
---
(....فليس هزائم تلك الحركات هو موت الحلم. فجوهرها، وهو طلب الحب والحرية، ماكث في الأرض، وبين الناس.)

[فاروق بشير]

عبد الله علي إبراهيم
عبد الله علي إبراهيم

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة