تتبارك حيثما كنت أيها الشريف ( تنجل)
08-05-2016 02:52 PM

الغربة ربما أخذت منا عمرا لن يعود ، وشبابا لن تتفتح زهرته وان ظلت خضرة القلوب عزاء يعوضنا عن أوراق النضار التي تساقطت بعيدا عن منبت الجذور !
لكن رغم غلاوة ما أخذته منا من سنوات فانها أعطتنا عائدا ربما زاد من فوائد السفر التي لم تعد خمسا فحسب مثلما كانت في عهد رحلات ابن بطوطة ، نتيجة تطور الحياة واتساع دائرة المعارف وسهولة الحركة فيها وانفتاح الانسان على بعضه سلما أوحتى حربا !
ولعل أهم تلك الفوائد رغم ازديادها هي
( صحبة الأماجد )
فقد كنا قبل خروجنا منغلقين على انفسنا لانرى ذواتنا الا بأعيننا ولا نسمع بأذاننا غير أصواتنا !
فانطلقنا في زمن الشتات القسرى الى فجاج الأرض نتنسم عبق الآخرين من خلال التغلغل في مسامات حياتهم لغة وعادات وثقافات ، ومع اختلافها فهي لاشك تعني الانصهار في الآخر ، الذي اقترب منا ايضا من ناحيته ليعيد اصلاح الصورة اذ وجدنا بناة أوطان ولسنا كسالى في بلاد الأخرين ، وحتي نظرته لسمارنا من منطلق ظنه لأعجمية متوهمة فينا كما لمسنا من أقرب الأقربين الينا، لكن تلك الصورة صارت مثارا للدهشة التي سطرها لساننا بفصاحته وجمال أعماقنا الذي ينفذ الى القلوب شاقا الجلود بلمسة لاتجرح ، ودلق منا الصفاء اليهم نصاع سريرتنا في دواخلهم قبل الأعين بياضا كعمائمنا التي تميزنا ، لم تشوهه بعض الثقوب السوداء التي نثرها غثاء السيل من رذاذ تزايد وتلاطم أ مواج هجرتنا في السنوات العشرين الأخيرة التي ضربت كل الشواطيء ، القريبة منها والبعيدة !
من اولئك الآماجد في رفقة الاغتراب كان.. سيد أحمد مشهور( تنجل ) أي الشريف بلغة بلده الهند حيث يناديه الناس من أهله حتي في الغربة لانه كما ذكر لى حينما سألته عن سر تلك التسمية ، فاجابني ، وهو يحاول أخفاء فخره في تواضع ليس مصطنعا و يرمي بنظراته الى اصابع يديه وهي تتشابك في انسجام مع تلون بسمته البريئة ، انه من سلالة شريفة نزحت بتجارتها من الجزيرة العربية فنشرت الاسلام والعلم في انحاء مختلفة من اسيا واستقرت في جنوب الهند ، فحفظ لها الناس جميلها بتقديس واحترام ، واطلقوا على المتحدرين من ظهرها وأفخاذها، لقب تنجل أي الأشراف !
كان شابا رقيق الحواشي قارئا للقرآن والحديث ، ورغم وظيفته البسيطة كفراش لكنه كبير في عطائه عظيم في ايثاره ، عمل معي في دائرة واحدة على مدى ربع قرن ، منذ أن كان دون العشرين ، في خدمة انفق نصفها في سداد ( دوطة ) اخواته البنات وفقا للتقاليد الهندية التي تدفع فيها العروس المهر لسعيد الحظ العريس !
وحينما فرغ من تلك المهمة انتقل بطيبة خاطر في النصف الثاني من كد غربته لايفاء مهور بناته اللائي أصبحن هن الآخريات منذ سنوات قليلة في سن الزواج !
ورغم كل عنائه لم ينتقص ذلك من حبه للحياة والتصاقه بالناس فقد كانت سعادته في شقائه من أجل الآخرين، فما أن يرى أحدا من المراجعين لم يقوى على بلوغ نافذة الخدمات في الوزارة لكبر سنه أو مرضه او ضعفه رجلا كان أم امرأة حتي يستلم أوراقه و يركض حول المكاتب لمساعدته!
ولكونه ارتبط بي مباشرة ، فقد كون صداقات من حصيلة اصدقائي لاسيما السودانيين منهم ، فيهش لهم باسما ما أن يرى أحدهم يقصد مكتبي ، وكان منهم استاذنا الموسيقار الكبير بشير عباس ابان اقامته القصيرة بالامارات، وحينما علم تنجل انه ملحن ولديه أغنية اسمها لون المنقة ، أصبح يناديه ( عمى ابو المنقة) فيضحك بشير لخفة دم تنجل الذي يهرع لتلبية طلبه وقد بات معروفا لديه ، الماء البارد والشاى بالهبهان ، وعندما يقترب لتقديم الطلب لاستاذ بشير يمسح على رأسه ويشكره قائلا
( ياولدى يامشهور تتبارك ما تتشارك )
سالني مرة عن معني العبار ة فشرحتها له فطاب له ذلك ، وكانت مدخلا لأغنية ( تتبارك ) التي كتبتها و غنتها البلابل من الحان بشير وبايحاء من مودتنا معا للشريف تنجل وتخليدا لها!
وتعبس الايام بوجهها في غربتنا وتلعب اياد القدر برصة مقاعد الحلاق المسماة بالوظيفة الزائلة ، ونفترق !
فبكي تنجل بحرقة حينما كنت ألملم أوراقي لمغاردة مكتبي للمرة الأخيرة ، وظل يداوم على الاتصال بي في اخلاص ، على غير الكثيرين الذين انفض سامرنفاقهم بعد أن ذهب بريق المنصب الزائف!
كان ذلك منذ سنوات عدة .ثم سافرت أنا !
وعدت من السودان الى الامارات في نسخة غربتي الثانية .. فقصدت زيارة تنجل بالوزارة ، فوجدت سيف( التفنيش ) قد طال رقبة رزقه هو الأخر ، وغادر الى بلاده عسى أن يفتح الله عليه بابا أوسع للرزق هناك ، ولعله لم يجد هاتفي بالسودان وهو يحزم حقائبه ليسكب دمعته الصادقة في اذني ، مثلما تخونه دوما الكلمات التي تحترق في نار عبرته وهو يسأل عن الصحة والأوضاع و يتحسر على أيام ، أحسسنا فيها سويا بالمعنى الحقيقي لحب الانسان لأخيه الانسان ، وان اختلفت فيهما الألوان وتباعدت الاوطان ومنطوق اللسان وتفاوتت درجات الوظائف الخؤونة!
(تتبارك و ما تتشارك ) أيها الشريف تنجل سيد أحمد مشهور ، حيثما كنت ، ولا أدرى ان كنا سنلتقي أم لا رغم أن صورتك خلف غلالة الدمع في عيوني المفجوعة فيك ، تقول اننا لم نفترق أبدا.. يا حفظك الله في حلك وترحالك .وشفى الله أستاذنا بشير ذلك الفنان الذي رسمك ايها النغم الحنون بريشته الناعمة في أوتاره كذكرى ستبقى وان فنيت الجسوم ...
ومصيره الحي يلاقي.. وجمعة سعيدة على الجميع ..

bargawibargawi@yahoo.com


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 2031

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1499100 [محمد عثمان سناده]
5.00/5 (1 صوت)

08-06-2016 12:11 PM
اخوى محمد انا من الشماليه بين الدناقله والشايقيه يقال عنا بديريه دهمشيه اما كنية (تنجل )هذه لم اجد لها معنى لاننا مختلطون بالدناقله ام ابى وامى كان غالبية كلامهم رطانة دناقله لدى خالات يحملن اسم تنجل هن فاطمه تنجل ونفيسه تنجل رحمهما الله جميعا هل يوجد رابط بين الدناقله والهنود

[محمد عثمان سناده]

#1499012 [Azan Malta]
5.00/5 (1 صوت)

08-06-2016 07:57 AM
الطيب صالح فى نسخته المتجدده واقول هذا صادقا ولك كل حبى يا برقاوى وحماك الله من كل شر وتتبارك وما تتشارك وما تتشاروتعازينا لكم فى فقد شقيق تكم زينب وزوجها الدكتور البصير

[Azan Malta]

محمد عبد الله برقاوي
محمد عبد الله برقاوي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة