المقالات
السياسة
اللغة النوبية القديمة 1
اللغة النوبية القديمة 1
08-10-2016 06:16 PM


أ‌- خلفية تاريخية
اللغة السودانية القديمة الأخرى التي انتشرت في السودان القديم هي لغة جماعات النوبة الذين انتشروا انتشاراً واسعاَ في غرب ووسط وشمال السودان وبالتالي انتشرت لغتهم إلى جانب اللغة الكوشية في كل تلك المناطق. ونتوقف قليلاً – قبل الحديث عن اللغة – لنتعرف بإيجاز على تحركات جماعات النوبة وعن السكان الذين استقروا بينهم في الشمال.

تحركات النوبة
يرى الباحثون أن كردفان هي الوطن الأصلي لشعب النوبة، وقد تتبع عدد من الباحثين تحركات النوبة من منطقة كردفان منذ منتصف الألف الأخير قبل الميلاد. وهذا هو التاريخ الذي حدده علماء اللغة لانفصال نوبة الجنوب عن نوبة الشمال في منطقة النيل. وقد قسم زهلرز Herr Zyhlarz وتبعه عدد من الباحثين تحركات النوبة إلى قسمين لخصهما Hillson وسامية بشير دفع الله (S. Hillson, “Nubian Origins” Sudan Notes and Records. Vol. 13 Part 1 (1930) p 137 - 138; Samia Bashir Dafa'la, “Distribution and Migration of the Nubian Tribes During the Meroitic and X-Group period” BzS,4 (1989) p 82.) ونلخصهما في الآتي:

القسم الأول وأطلقوا عليه الحرف A، تحركت من هذا القسم مجموعتان في القرون الأخيرة السابقة للميلاد إحداهما اتجهت غرباً واستقرت في جبل ميدوب، واتجهت الثانية نحو النيل واستقرت مع من سبقهم من تحركات دخلت المنطقة من الصحراء الغربية في منطقة دنقلة. وإلى هؤلاء - كما يرى زهلرز - ترجع إشارة الكاتب اليوناني اراتوثين في القرن الثالث قبل الميلاد، وقد وضح مناطقهم في الصحراء جنوب وجنوب غرب منطقة الدبة الحالية.
ومع بداية العصر الميلادي تحركت بقية المجموعة A من كردفان، ولسكان جبال النوبة رواية عن هذا التحرك، تقول الرواية: أنهم وأبناء عمومتهم النوبة (في الشمال) كانوا يعيشون سويا حتى حدثت مشكلة بينهم أدت إلى رحيل أبناء عمومتهم شمالاً. وقد سار بعض هذه الجماعة عبر وادي الملك شمالاً نحو النيل واستقر في منطقة دنقلة، واتجه بعضهم نحو واحات درب الأربعين وكانوا أسلاف النوباديين الذين دخلوا النيل في القرن الثالث الميلادي.
القسم الثاني أطلق عليهم زهلرز المجموعة B وهم بقية سكان المنطقة بعد خروج المجموعة الأولى A، وتحركوا في بداية القرن الرابع الميلادي واجتاحوا مملكة كوش الثانية في عصرها المروي. وفي القرون التالية تواصلوا مع إخوانهم نوبة الشمال بعد اعتناقهم جميعاً المسيحية. وهكذا يوضح الباحثون أن أحد المكون الرئيس لسكان الجزيرة والبطانة وكل مناطق النيل شمالا حتى أسوان هو نفسه المكون لسكان غرب السودان.
ورغم اتفاق أغلب الباحثين أن النوبة دخلوا منطقة النيل من كردفان إلا أن هنالك بعض الاختلاف حول النوباديين. فقد رأى بعض الباحثين أنهم جزء من تحركات المجموعة A أعلاه، ورأى كيروان وآدمز (In Samia Bashir Dafa'la, Ibid. p 85) وآركل A History of the Sudan, p 178, 185) ) أن النوباديين لم يدخلوا منطقة النيل من الصحراء بل دخلوا من منطقة مروي.
بينما يرى آخرون مثل جون الأفسوسي (John of Ephesus, in Giovanni Vantini, Oriental Sources Concerning Nubia, Heidelberg and Warsaw 1975, p 9 ) أن النوباديين ينتمون إلى قبائل الأمازيغ (بربر الصحراء) ودخلوا منطقة النيل من الصحراء الغربية، وكذلك رأى دي فلارد كما نقل آركل. ( . p 179, 184) وصنف بالمر - كما نقل هندرسون K. D. D. Henderson, “Nubian Origin” SNR, Vol. 14, part 1(1931) p 93 - النوباديين مع قبيلة القرعان.
وبناءً على ذلك رأي الباحثون أن نوبة الشمال من أسوان حتى دنقلة يرجعون إلى الهجرات التي خرجت من كردفان في النصف الأخير من القرن الأخير قبل الميلاد حتى النصف الأول من القرن الأول الميلادي. وقبل الحديث عن لغتهم نبدأ بالتعرف بإيجاز على سكان منطقة النيل الذين استقر معهم هؤلاء النوبة.
سكان النيل بين منطقتي دنقلة وأسوان
ينبغي أولاً ضرورة الإشارة إلى أن المنطقة الواقعة بين أسوان وحلفا كانت عبر العصور التاريخية جزءاً من السودان. ولذلك ستدخل هذه المنطقة ضمن حديثنا عن السودان. وتعتبر هذه المنطقة من المناطق المؤسسة لحضارة السودان القديمة. وقد تعاقبت عليها التحركات السكانية والثقافات والحضارات منذ آلاف السنين مثل ثقافة المجموعة أ A-Group والمجموعة الثقافية ج C-Group، وأسسوا ممالك وإمارات المنطقة مثل مملكة تاستي ومملكة وواوات وغيرهما من الامارات والممالك التي أشارت إليها الآثار المصرية في القرنين 22 و20 ق م والتي عاصرت مملكة كوش الأولى في كرمة. ثم وحدت مملكة كوش الأولى هذه المناطق حتى أسوان تحت قيادتها في القرن الثامن عشر قبل الميلاد (محمد ابراهيم بكر، تاريخ السودان القديم ص 53) حتى دخلت المنطقة تحت الاحتلال المصري بين القرنين الخامس عشر والحادي عشر قبل الميلاد. ثم دخلت هذه المنطقة ضمن حدود مملكة كوش الثانية منذ قيامها في منتصف القرن الثامن قبل الميلاد.

وتكون سكان هذه المنطقة من السكان المستقرين على النيل منذ آلاف السنين، والذين تلاقحوا وتواصلوا مع سكان المناطق الواقعة إلى الشرق والغرب من النيل، وكان أثر التحركات السكانية من مناطق غرب النيل بين الواحات السودانية شمالاً ومناطق جبل مرة وجبال كردفان جنوباً أثر واضح على تركيبة السكان ولغاتهم حتى إن تاريخها يمكن وصفه بأنه نتيجة للتفاعل المستمر بين الصحراء والنيل.

ويمكن التعرف على سكان هذه المنطقة بعد قيام دولة كوش الثانية من خلال الأقسام التالية:

أولاً: السكان الذين كونوا العناصر المبكرة للمنطقة حتى قيام مملكة كوش الثانية والذين أصبحوا جزءاً من سكانها وعرفوا بالكوشيين، ثم أطلقت عليهم المصادر اليونانية والرومانية اسم الاثيوبيين. وكانت لغتهم هي اللغة الكوشية التي سادت في المنطقة منذ عصر كرمة في الألف الثالث قبل الميلاد.

ثانياً: النوبة الذين رصدت المصادر اليونانية والرومانية دخولهم في المنطقة منذ القرن الثالث قيل الميلاد وانتشروا شمالاً في النوبة السفلى، وهم الذين ورثوا السلطة بعد انهيار مملكة كوش الثانية في القرن الرابع الميلادي. وقد تأسست على أيديهم مملكة مقرة، وعرفت لغتهم باللغة النوبية.

ثالثاً: البليميون وهم أحد أسلاف شعب البجه الذين بدأ اسمهم يتردد منذ القرن السادس قبل الميلاد في الاثار المصرية والكوشية، وكانوا يعترفون بالسيادة المروية. وتوضح السجلات المروية واليونانية أن البليميين استقروا منذ القرن الخامس قبل الميلاد على طول المنطقة الواقعة من اسوان حتى منطقة دنقلة. ويعتقد كثير من المؤرخين "أن البليميين كانوا يكوّنون السكان الأساسيين الذين عاشوا في الجزء الأكبر من النوبة السفلى [جنوب اسوان] في القرن الميلادي الأول. (كلايدي و نترز، بينة مروية عن الإمبراطورية البليمية ترجمة أسامة عبد الرحمن النور مجلة الآثار السودانية العدد الخامس مارس 2004 و Mac Michael, A History of the Arabs In the Sudan vol.1 p 38)

رابعا: النوباديون الذين دخلوا المنطقة من الصحراء الغربية في نهاية القرن الثالث الميلادي كما يرى أغلب المؤرخون، وقد أثر استقرارهم في المنطقة على التركيبة السكانية وعلى الأوضاع السياسية واللغوية. فقد قوي نفوذهم السياسي جنوب منطقة نفوذ البليميين، ثم توسع نفوذهم من مركزهم في مدينة فرس شمال وادي حلفا، وحارب ملكهم سلكو البليميين في الشمال، ثم أتجه جنوباً وحارب الكوشيين جنوب منطقة حلفا.
ولقّب سلكو في نقشه الذي نقش فيه أخبار حروبه في النصف الأول من القرن السادس الميلادي نفسه بملك النوباديين وجميع الاثيوبيين. (مصطفى محمد مسعد، الإسلام والنوبة في العصور الوسطى. ص 241. جيوفاني فانتيني، تاريخ المسيحية في المالك السودانية القديمة والسودان الحديث. ص 36) وأدى استقرار النوباديين في منطقة شمال وجنوب حلفا إلى فصل عناصر السكان الكوشيين والنوبة إلى قسمين: قسم جنوب النوباديين في منطقة دنقلة، و قشم شمال النوباديين.

وقد عرفت مملكة النوباديين في المصادر الرومانية بهذا الاسم "نوباديا وتكتب أيضاً نوباطيا" وهو اسم قبيلتهم. أما في المصادر العربية فقد عرفت مملكة النوباديين باسم "مملكة مريس" لأن الاقليم الذي قامت عليه المملكة كان معروفاً باسم مريس. قال المسعودي (في مسعد، المكتبة السودانية ص 51-52):

"كان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لما افتتح عمرو بن العاص مصر كتب إليه بمحاربة النوبة، فغزاهم المسلمون، فوجدوهم يرمون الحدق وأبي عمرو بن العاص أن يصالحهم، حتى صرف عن مصر، ووليها عبد اللّه بن سعد، فصالحهم على رؤوس من السبي معلومة، مما يسبي هذا الملك المدعو بملك مريس المجاور للمسلمين من غيرهم من ممالك النوبة المقدم ذكرها فيما سلف من صدر هذا الباب وغيرها من أرض النوبة، فصار ما قبض منه من السبي سَنّةً جارية في كل سنةٍ إلى هذه الغاية يحمل إلى صاحب مصر ويدعى هذا السبي في العربية بأرض مصر والنوبة بالبقط."
ووضح ابن سليم (كتاب أحبار النوبة، في مسعد، المكتبة السودانية ص 75 و96) موقع مريس قائلاً: "ومريس فهي من حد أسوان إلى آخر بلد المقُرة" وامتدت حدود مملكة مريس (نوباديا) جنوباً حتى بستو في منطقة الشلال الثالث، وأضاف ابن سليم: " وهي آخر قرى مريس، وأوّل بلد مقرة، ومن هذا الموضع إلى حدّ المسلمين لسانهم مريسي، وهي آخر عمل متملكهم." وحد المسلمين هنا المقصود به حد مملكة مقُرة الشمالي مع المسلمين في منطقة أسوان.
ونواصل الحديث عن سكان المنطقة
[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1546

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1502468 [الوجيع]
0.00/5 (0 صوت)

08-12-2016 04:03 AM
هذه اضافة الى محاولات البعض لتزييف وسرقة الحضارة النوبية ولقد كثر تلك الارهاصات فى السنوان القليلة الماضية وصارت اكثرضراوة من ذى قبل حيث ترتبط بمفاهيم السودان الجديد العنصرية التى تسعى لتزييف التاريخ النوبى وحضارة النوبييين ونسبها الى اخرين كوسيلة من وسائل الاستيلاء على الارض وتحقيق الدولة الافريقية فى السودان مع العلم بانه لا توجد شواهد تدل على وجود اية علاقة او ارتباطسابق لاؤلئك القوم بنهر النيل وساكنيه فلا توجد علاقة تاريخية او عرقية او جغرافية او تاريخية بين النوبيين سكان وادى النيل الاوسط وبين المكونات الافريقية التى لم تلتحق بالسودان الا فى العهد الاستعمارى الانجليزى والتى يحاول الكاتب اثباتها بشتى الوسائل

[الوجيع]

#1502229 [حسنين]
0.00/5 (0 صوت)

08-11-2016 02:58 PM
ارجو أن يخرس هذا الدعي من هذه التخاريف .. فالحضارة النوبية هي سابقة لكل حضارة في هذه المنطقة بما فيها الحضارة الفرعونية .. اما ان النوبة كانوا في كردفان او نزحوا منها للشمال فهذه فرية كبيرة .. وكل ما كتب عن الحضارة النوبية من قبل الاوربيين او غيرهم هو محض اجتهاد ولا يحمل كل الحقيقة .. ثم ان الاثار التي تقف شاخصة في مناطق النوبة من جنوب مصر وحتى سوبا جنوب الخرطوم هي اكبر دليل على عظمة تلك الحضارة التي لا يستطيع احد ان يزيفها .. ولذلك نرجو من هذا الدعي ان يحتفظ بباقي حديثه فهو لا قيمة له مها حاول ان يستند الى مراجع هي في الاصل لا تحمل الحقيقة كلها .

[حسنين]

#1502128 [Tarig Amman]
0.00/5 (0 صوت)

08-11-2016 12:43 PM
المعروف بأن الانسان القديم كان يعيش بجوار الماء ... لذا نرى ان اغلب الحضارات القديمة كانت جوار الماء.. اما كردفان بموقعها الحالى فلا اظن ان كان بها ماء و يجعل الانسان القديم يسكن فيها ... غير ذلك لا توجد اثار تدل على ان كردفان بوضعها الحالى كانت بها حضارة قديمة ... و كما قلت ايها الكاتب اين اثارهم قبل اختلافهم ... ما تدعيه هو محاولة لتزييف تاريخ النوبة .. وو هى محاولة مكشوفة .

[Tarig Amman]

ردود على Tarig Amman
Qatar [ahmed Elyas Hussein] 08-14-2016 12:17 PM
وأود أن أوضح أن دارفور وكردفان كانتا تتمتعان بقدر وافر من مصادر المياه من مطر وبحيرات وانهار .. وعلى سبيل المثال كان وادي هور نهر أطلقت علية البعثة الألمانية التي درسته اسم النيل الأصفر ... لم يكن النيل وحده مؤهلاً لقيام الحضارات .. هنالك نهر عطبرة وأعالي النيل الأزرق وأودية بركة والقاش وكل هذه المناطق وجدت فيها آثار ثقافات وحضارات معاصرة لما وجد في الخرطوم وكبوشية والبركل ودنقلة وكرمة.
ثم إن حضارة حضارة منطقة النوبة حضارة عريقة ومن اعرق حضارات السودانيين ... وعندما نقول حضارة النوبة نقصد بها الحضارة السودانية في العصر المسيحي، وبالطبع كانت هنالك ممالك أخرى وحضارات في السودان عاصرت الممالك المسيحية مثل ممالك البجة التي كانت واحدة منها مملكة اسلامية، وهنالك ممالك قامت في أعالي النيل الأزرق أيضاً عاصرت الممالك المسيحية لانعرف عنها الكثير غير أسمائها مثل مملكة بني الهموية ومملكة فازوغلي. وكانت هنالك ممالك في غرب السودان عاصرت الممالك المسيحية مثل ممالك الداجو والتنجر وتذكر الروايات المحلية ممالك أخرى قبلها ... فتاريخ السودان في عصر ما قبل الممالك الإسلامية ليس هو تاريخ ممالك النوبة على النيل فقط بل هو تاريخ ممالك البجة وأعالى النيل الأزرق ودارفور .. فلا ينبغي أن نختزل تاريخ السودان في تلك الفترة ونقول التاريخ والحضارة النوبية، نقول تاريخ وحضارة السودان ..
أما ما قبل الممالك المسيحية فتاريخ السودان كان بعرف بتاريخ ما قبل كوش وتاريخ كوش والذي كانت منطقة النوبة جزء منه .. ولأن اسم النوبة أطلق على مناطق غرب السودان قبل أكثر من ألف سنة على إطلاقة على منطقة النيل الشمالية فإننا عندما نقول الحضارة النوبية نقصد بها أيضاً حضارة السودان، لا الحضارة على النيل فقط .. وهنالك من الآثار ما يشير إلى قيام نظام سياسي في منطقة القاش في الألف الثالث قبل الميلاد أي مع قيام مملكة كوش في كرمة، وتؤكد الرسومات الصخرية في درافور وآثار استقرار المجتمعا في وادي هور وواحات الصحراء قيام الثقافات والحضارات المبكرة السابقة لقيامها على النيل ... فحضارتنا القديمة حضارة سودانية، وحضارتنا في العصر المسيحي حضارة سودانية وحضارتنا في عصر الممالك الإسلامية حضارة سودانية ...


د.أحمد الياس حسين
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة