المقالات
السياسة
"المُوَاطَنة" فى الحِوارِ الوطنِى، إصلَاح مفاهِيم
"المُوَاطَنة" فى الحِوارِ الوطنِى، إصلَاح مفاهِيم
08-10-2016 09:47 PM


أرسل لى أحد الرفاق التوصيات الأوَّلِية للحوارِ الوطنى، وفى معالجتهم لقضية المواطنة أخذوا الأمر سطْحِياً وبخِفّة، كأنَّ أزمة المواطنة "المتدرِّجة" لم تكن هى بيت القصيد وأسِّ أدواءِ السودان. وأوصوا بأنْ (تكونَ المواطنة هى أساس نيل الحقوق وأداء الواجبات)، وهو نصٌ يبدو ساحراً لو أننا فى دولة طبيعية غير السودان. وأزمة السودان وكلّ البلاوى التى حلَّت وستحِلُّ بها سببها المواطنة المُخْتَلَّة، كيف؟.
السودان ليس بها مشكلة مواطنة مثل أنْ يكونَ بعض سكّانها لا يستمتعون بحق المواطنة. لا، كلّ السودانيون يتمتعون، والحمد لله، بحقِّ المُواطنة. ولكن، فى نفسِ الوقت، كلِّ بلاوِى السودان تأتى فى تفاصيلِ المواطنة. والنص الوارد فى معالجة أزمة المواطنة فى توصيات الحوار الوطنى نص يُبقِى المشكلة كما هى ولا يُعالجها، والعِلاج يكونُ برفعِ الوَعِى أولاً بما يتعتَرِى المُواطنة فى السودان من خَللٍ وعَطب. السودانيون كلّهم يتمتّعُون بحقِّ المُواطنة، لكنَّها مُواطنة "مُتَدَرِّجَة".. فى معنى أنَّ شعبَ السودان يُعانِى من المواطنةِ (المُتَدَرِّجةِ) بدَلاً من المُواطنَةِ (المُتَسَاوِيَة). فالنص السليم الذى، أعتقِدُ أنّه، سوف يُعالِج قضية المُواطنَة فى السودان هو:(المُوَاطَنةُ المُتسَاوِية حَقٌ طبيعِى لكُلِّ مواطن/ة سودانى/ة، وتكُونُ أساسَاً لنيلِ الحُقُوق وأدَاءِ الوَآجِبات). أمّا النص الوآرد فى التوصية فلا يُعالج أزمة المُواطنة المُتدَرِّجة التى يرزحُ تحت نَيِّرِهَا السودان.
ورُبَّما يسأل سائل ما الفرق بين المُواطنة، والمُواطنة المُتسَاوِية؟ والإجابة أنَّ المواطنةَ المُتدَرِّجة تُقسِّم السودانيين إلى درجَات من حيثُ "الجَوْدَة" كما هو الآن، وإلى "طبقات" من حيثُ بِنِّيةِ المُجتمع، وإلى "تراتِيب" من حيث التأهيل والحقِّ فى نيْلِ الحقوق وأداءِ الوآجِبات.. ويستمر هذا الواقِع إلى ما لا نهاية إن لم يرِدْ نص بالمُواطنةِ المتساوية لجميع المواطنين السودانيين فى عقدٍ إجتماعى يتمَثّل فى "مُخرجاتِ حوارٍ وطنىٍ حُرٍّ وشامِلٍ وكامِل".. ثُمَّ يتدرّب الشعبُ ويتثَاقَفُ عليها ويطبِّقُها عملياً فى حياتهِ العامّة، وتُضمّن فى دستور وطنى مُستدام، وتصدُر فى قوانينِ، فيحِسَّها الناسُ فى حياتِهم، وفى جهازِ الدولة، وفى بِنيةِ المُجتمع.
قلنا أنَّ المواطنةَ المُتدَرَّجة التى أبتُلِىَ بها السودان هى ظاهرة ثقافية سالِبة تجعل من السودانيين طبقات وتراتِيب ودرجات، وكل درجة أفرادها مؤهلون لمَهامٍ خاصَّة بها، لا تتعَدَّاها لغيرها. فهُناكَ "بَرْزَخ" بين كل درجة/ طبقة وأخرى يمنعُ البَغِى والتجاوُز. وقد تَمَّ تصوير ذلك بدِقّة فى حالةِ مياه البحار، فى الآية الكريمة من سُورةِ الرحمن فى قولهِ تَعالى: (مَرَجَ البَحْرَينِ يَلْتَقِيَانِ(19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ(20)). الآيتان(19-20). والمواطنة المتدرِّجة هى السبب فى كُلِّ مُعانَاتِنا وتخلُّفِنا وحُروبِنا وإبادَاتِنا الجماعية والتطهير العرقى وكلِّ الكُروب والأحزانِ والإحَنْ. والمواطنة المتدرِّجة هى السبب فى إنفصالِ الجنوب، وتصدُّعِ النسيج المُجتمعِى، وإهتزَازِ الإنتماء للوطن والبحث عن مَلاذَاتٍ آمنة فى أرضِ اللهِ الوآسِعة.
وأسوأ مظاهر المواطنة المتدرِّجة نجدُها فى جهازِ الدولة حيثُ كل الذين يشغلون الوظائف العليا فى الدولةِ السودانية من رئيسِ الجمهورية نزولاً إلى مُديرِ القسم هم مواطنون من درَجةٍ وآحدة، وفصيلٍ وآحد، وجهة جغرافية وآحِدة من جهات السودان العديدة، ولون ودِين وآحِد من ألوانِ وأديانِ السودان الكثيرة، وينحدِرون من قَبائل قليلة من قبائلِ السودان التى بعَددِ الحَصَى.
وبالمثل، تجد المُواطنة المُتدرِّجة فى جيش السودان وشرطته وأمنه، فكُلَّ الضباط الكِبَار من درجة مُواطنَة وآحِدة من درجاتِ المواطنين السودانيين الكثيرة!. وبالمقابل نجد أنَّ الرُتَب الدُنيا فى الجيشِ والشرطة والأمن من (وكيل عرِيف حتى صُول) يشغلها مواطنون من درجةٍ إجتماعية أخرى يُميِّزَهم أنَّهُم من هوامشِ السودان، وأنّهُم سُمْر الوُجُوه عليهم خَلع المَذّلة والمَسْكَنة بادِية. ويميّزهم أنّ الفرقَ فى المُرتّباتِ والفوائدِ الأخرى بينهم وبين الضُباط الذين يأمُرُونهم فيطيعُون كالفرقِ بين السماء والأرض، وأمّا من حيث الكفاءة والعُدّة وحُسن الأداء فكفّة الرُتب الدُنيا أرْجَح.
ومن أتعَسِ مساوئ المواطنة المتدرِّجة أن بعضَ السودانيون "سادَة" والبعض الآخر (...). وبعضهم يُفاخِرُ بقبيلتهِ التى تُوفِّرُ له أنْ يكونَ من الدرجَةِ الأولى المُمتازَة، والبعض الآخر تُؤخِّره درجته فى المواطنةِ وقبيلته من الظفَرِ بالمواقعِ التى تؤهّلِهُ لنيلِها تحصِيلهِ وقُوّةِ عَقلِه وبدَنهِ وعزمِهِ. لذلك معظم "زعماء" السودان من سادة وأئمَّة طوائف وأحزاب سياسية تقليدية هُمْ فاقد تعليمى لم يدرسُوا المنهج التعليمى السودانى، ولم يدخلوا المدراسِ بمراحلها المعروفة كبقية الناس(إبتدائى، متوسط، ثانوى ثم جامعة)، وصوَالِينهم الفاخِرة لا تزيِّن جُدرانِها شهادات دراسية وجوائز عِلمية كبقية السودانيين، بل يعلقون عليها صُورَاً لآباءِهم وأجدادِهم الذين ورّثُوهم السيادة والزعامة. وأىِّ شاعرٍ غاضِب ذاك الذى قال: (ماتَ فى القريةِ كلبٌ فإستَرِحنَا من عوَاهِ.. خَلّفَ الملُعونُ جَرْوَاً فاقَ فى النَبحِ أبَاه!.)
من أسوأ مظاهر المُواطنة المتدرّجة فى السودان أنَّ السيدَ يلدُ سيدَاً أو سيِّدَة (يقوم من نومه يلقى كومه)، وأنَّ غير السيد يلِدُ مِثله ليسَ إلَّا!.. فالسودان ليس دولة ولا وَطن، لأنَّ الوطنَ يقومُ على مرتكزٍ أساسى هو المواطِن الذى يتمتع بحقِّ مُواطَنة مُتسَاوِية، لكن إنسان السودان مواطنته متدرّجة منذ البداية فلا هو مواطن كامل المواطنة، ولا السودان (وَطَنْ).
والآن، الذين تحَاوَرُوا فى قاعة الصداقة، ردْحَاً من الزمنِ، خرجُوا للنَّاسِ بنفسِ البِضاعةِ التى دخَلُوا بها (المواطنة المُتدَرِّجة).. ونشيرُ هنا لأهميَّةِ أن يستعدَّ الإنسان ويعِدَّ نفسه لما هو ذاهِبٌ إليه، لا بُدَّ من المُذَاكرَةِ والإعداد والإستعدادِ المُسبَق لما نريد تحقيقه من استحقاقات وما نرغبُ فى إداءهِ من وآجِباتٍ ومهَام.
والمواطنة المتساوية لكل السودانين استحقاق عادل من باب حِبْ لأخيك ما تُحِبُّ لنفسك، وهى تحقق العدالة وتوقف الحروب والنزاعات، وتوفر المحبَّة والودَاد بين الناس، وتكون "الأسمنت" الذى يربط السودانيون بعضِهم البعض، وبالسودان بلدِهم الحبيب.
كما أنًّ المواطنةَ المُتساوية تعالج أمراض النفوس من تعالى زائف وتفاضُل وشُحِّ أنفُس وبغض وحقد وحسد، والمواطنة المتساوية تكبَحُ الظلمَ، والظلم ظُلمات يوم القيامة.
وبالمواطنة المتساوية يشفى الناس من أمراض القلوب، ومن أزمةِ التَصَوُّرَاتِ والتصْوِيرَات، ولن يُتكرّر بعدها ما شاعَ عن رئيس الدولة أنّه لمَّا سُئِلَ عن الإغتصابِ كسلاح فى حربهم لإبادة شعبِ دارفور، قال: (لو أنَّ الجَعَلِى إغتصبَ الغرباوية، أليس ذلك شَرَفٌ لها؟!).. لا يا هذا، الإغتصاب فعل إجرامى شنيع يصادر حرية الضحية ويحط من قدرها ويمسُ شرفها، فكيف لهذه الطامّة أن تكونَ شرفاً للضحيّة؟؟!! مثل هذه العقلية تنشأ من ثقافة مُنحَطَّة يرضَعُها البعض من أثدَاءِ أمهاتِهم، ولكنَّها ستزُولُ بزَوالِ السبب، المُوَاطنة المُتَدَرِّجة.
وأختِمُ بنِدَاء، يا ضحايا عنصرية وأنانية المركز الذين يشاركون فى "الحوارِ الوطنى" بقاعة الصداقة. وأولئك الذين وقعّوا مُؤخَّراً على "خارطةِ الطريق" وَيَعِدُّونَ العُدّة للإلتحاق بحِوار بالداخِل، صحِّحُوا نصَّ توصية المُواطنة لتُقْرَأ:(المُواطنةُ المُتساوية حَقٌ طبيعى لكُلِّ سودانى، وتكونُ أساساً لنَيلِ الحقُوقِ وأداءِ الوَآجِبات). وغياب هذا النص وتطبيقه والتثاقف عليه هو سبب كل البلاوى والظلم الذى حاق بالسودان والسودانيين، ولا حَلَّ ولا خلاص إلا بأعتناقِهِ وتطبيقِه بكُلِّ جِدِّية وحُسنِ نِيَّة، بلا تزْيِيف أو تسويف، أو "دَغْمَسَة".


عبد العزيز عثمان سام
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1151

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبد العزيز عثمان سام
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة