خرج ...ولن .. يعد ..!
08-17-2016 02:40 PM


في النصف الأول من العام 1971 وقبل إنقلاب الراحل الرائد هاشم العطا بشهور قليلة أو ما عرف بحركة 19 يوليو .. وكانت حالة الإستقطاب العدائي قد بلغت أشدها بين الفريق الذي كان يقوده الراحل الأستاذ عبد الخالق محجوب داخل الحزب الشيوعي السوداني وبين نظام مايو ومن شايعوه من الفريق الآخر بقيادة الراحل الأستاذ معاوية سورج .
كنا ثلة من الشباب العاملين بمطاحن قوز كبرو وقتها متوجهين بسيارة المؤسسة في يوم ما كان يسمى بالرفاهية .. الى سينما بحر الجزيرة الوحيدة بالحصاحيصا التي تبعد عن مكان عملنا وسكننا عدة كيلو مترات ..فاستوقفنا في الطريق أحد القيادين البارزين في الجناح الشيوعي المضاد للحكومة وركب معنا وكان معروفاً لدينا بحكم انه من كوادر الجزيرة الكبار.. ولكن دون أن نعلم من أين جاء أو وجهته التي سيتجه اليها بعد ذلك.. ومن قبيل التقدير للرجل المحترم قام أحد الزملاء من الشباب بإمساك حقيبته الشخصية التي كانت بيده .. فحملهاعنه ووضعها على حجره وهو لايعلم بالطبع بما كانت تحتويه..!
وما أن وصلنا الى محيط السينما واراد السائق أن يوقف السيارة بالقرب منها حتى فوجئنا بعدد كبير ربما عشرة أويزيد من رجال الأمن في ملابسهم المدنية يداهموننا وأمسكوا بالحقيبة في يد ذلك الشاب المسكين .. ويبدو أن إخبارية ما قد وردت اليهم بقدوم الرجل للمدينة والذي اختفى وسط الجمهور الزاحف نحو بوابات الدار في غمضة عين بصورة أذهلت حتى رجال الأمن أنفسهم و الذين اقتادونا الى مركز الشرطة واحتجزوا ذلك الشاب رهناً بالقبض على القيادي صاحب الحقيبة التي كانت تحتوي على كمية كبيرة من المنشورات الخطيرة بالتحريض على ازاحة النظام الحاكم .. أو تسليم نفسه !
في الصباح استدعانا الضابط المسئؤل ليقول لنا مطمئناً انه متأكد من براءة الزميل المحتجز لكن الإجراءات تقتضي الإبقاء عليه لإعتبارات لا يمكن تجاوزها .. في هذه الأثناء دخل علينا رجل ثمانيني يتوكأ على عكازه في وهن شديد ..واستأذن أن يكلم الضابط .. ولم نكن نعرفه من قبل وبعد أن أجلسه الضابط المهذب .. قال الشيخ المنهك الذي كما بدأ عليه ربما قادم من بعيد ..إنه والد القيادي المختفي الليلة البارحة و جاء يعرض نفسه بديلا عن ابنه حتى يتم اطلاق سراح هذا الشاب الذي لم يكن له ذنب .!
فلم نتمالك أنفسنا وأجهشنا بالبكاء تاثرا بهذه الروح الإيثارية من شيخ بالكاد كان يقوى على السير .. وطبعا الضابط ونحن كنا قد رفضنا الأمر بصوت واحد .
وظل صاحبنا المسكين حبيساً لعدة ايام حتى ظهر ذلك القيادي الحويط وقام بتسليم نفسه بعد أن أمّن موقف كل حاملي بقية المنشورات والمطابع في كافة أنحاء السودان بالترتيب مع التنظيم كدأب الشيوعيين في الحرص والمقدرة على كيفية ادارة امورهم في مثل تلك الظروف !
مر بذاكرة الخاطر ذلك الشريط وأنا أقرأ أمس قصة هروب أو قل تهريب الضابط الذي كان محتجزا في إدارته بتهمه ضلوعه في إدخال كميات كبيرة من المواد والسموم التي تدمر عقول الشباب ..
فتساءلت مع نفسي ..هل أخرجوه لتأمين بقية البضاعة لتدر على كبار عصابته المال الحرام ياترى.. وهي التي تسلب الشباب القدرة على التفكير في مستقبلهم وحاضر وقادم أيام البلاد الضائعة في بحر التخبط وسط رياح المجهول..!
وليس كما فعل ذلك القيادي الشيوعي الذي دبر الأمر مع بضاعته المختلفة نوعياً وهو على قناعة من زاوية فهمه السياسي التي ينطلق منها في نضاله المحموم أنها ستنير العقول وتفتح مساماتها للتفكير في شأن الوطن ..على الأقل من وجهة نظر من خطوا سطورها وإيمانهم بها كمباديء عامة بغض النظر عن الإتفاق معهم أو الخلاف حيال فكرهم ونهجهم !
و لكن وياللمفارقة المحزنة يحدث ذلك المثال في زمان لم يكن رجاله يعرفون الفساد ولا المتاجرة بالدين و لم يكن شبابنا مضطرا لإرتياد ما يذهب بالبابهم الغضة نتيجة الإحباط والعطالة وهيمنة جماعة إنعزالية واقصائية تدعي كذباً الحكم بالإسلام وهم يستأثرون على مفاصل السلطة والثروة بالتمكين السارق لحقوق الآخرين دون وجه حق !
وهل يا ترى سيكون والد هذا الضابط فخوراً بإبنه الهارب إن كان حياً.. مثل ذلك الشيخ ويأتي ليطلب إفتداء من قد يكونوا حُبسوا كنوع من إكتمال التمثيلية مقابل عودة زميلهم شبه المستحيلة والذي يبدو أنه كان حراً دون قيد بينهم واصبح طليقا الآن بهروبه أو تهريبه المشين ولكنه لو يعلم وياللخيبة بات مكبلا في اصفاد العيب والخزي أكثرمما كان في محبسه الصوري في زمانٍ غاب فيه القانون ومن البديهي أن ذلك المطلوب من العدالة لن يعد أبداً .لأن من هربوه ومع الفارق في التشبيه باتوا أكثر قدرة تنظيمية من الشيوعيين ولكن ليس بالفكر والذكاءالإيجابي وإنما في أساليب الغدر والخيانة و التخطيط الإجرامي بما يسمى بالدهاء السلبي الضار ..!
والله ايام يا زمان !
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 3141

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمد عبد الله برقاوي .
محمد  عبد الله برقاوي .

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة