النادبون والشامتون
08-17-2016 11:57 PM



لم تعجبني الطريقة التي تعاملت بها أطراف كثيرة مع فشل جولة المُفاوضات بين الحكومة والحركات المُسلّحة التي وقّعت على خارطة الطريق، اللوم والتلاوم وإلقاء الاتهامات كيفما اتفق والندب وإشاعة الإحباط، ثُمّ الشماتة المُرّة التي تخفي وراءها رغبة في فشل الجولات لإثبات وجهة نظر مُخالفة ومُعارضة لخارطة الطريق منذ البداية.
أطراف التفاوض سارعت لتبادل الاتهامات والهجوم على بعضها، وكأنّها لن تعود وتجلس في جولات أخرى. وكلنا يعلم أنه طال الوقت أم قصر، سيتم استدعاؤهم لجولة جديدة، وسَيحضرون بقضهم وقضيضهم، ولا أعلم ماذا سيقولون عندها كمبررات لحضورهم مرّةً أخرى بعد كل ما قالوه. سينظر الناس لهذه الجولات وكأنّها مَضيعة للوقت والجهد ونادٍ للمُتسكعين غير الجادين، غير المُكترثين لأحوال الناس وأوضاعهم.
ولم يعجبني أيضاً تعامل أجهزة الإعلام وتغطياتها غير الدقيقة، فقد رَفعت سقف الأحلام بلا مُبرِّر ولا خبرة مهنية في تغطية مُفاوضات بهذه الصعوبة، ثم هوت بها إلى الأرض بين ليلة وانتصافها. كتبت من قبل عن المصطلحات المستخدمة مثل انهيار وفشل وفض الجولة بلا اتفاق، وعدم مُراعاة الفروق بينها ودلالاتها المُختلفة.
ثُمّ نأتي للشامتين، ولا مُشكلة في أنّ بعضهم مُعارض لخارطة الطريق لأنّها، في اعتقاده، لن توصل لحل سلمي، وبعضهم لديه تحفظات مبدئية ومُحترمة على الطريقة التي تمّت بها، أو بعض بنودها. لكن الغرابة في حالة الشماتة التي قابلوا بها فض الجولة دون اتفاق، وكان لسان حالهم يقول "ما زمااااان قلنا ليكم" ومعها مد لسان. والحقيقة إنّ هؤلاء يجب أن يبذلوا جهداً أكبر لإثبات وجهة نظرهم المحترمة دون ربطها بفشل جولة، لأنّ جولة قادمة قد تصل لاتفاق، فهل سيعني ذلك أنّ وجهة نظرهم بطلت تماماً؟ بالتأكيد لا، قد تكون بها نقاط صالحة للتداول والحجاج حتى مع توقيع اتفاق، لذا من الأفضل الاجتهاد في تقديم خطاب أفضل وأكثر تماسكاً وإقناعاً.
لم يحدث لمُفاوضات سياسية في تاريخ السودان أن أنجزت عملها في جولة أو جولتيْن في زمن قصير. مُفاوضات السلام التي انتهت بنيفاشا استمرت قرابة عشر سنوات، استغرقت مرحلة نيفاشا وحدها قرابة ثلاث سنوات، وكذا مُفاوضات الدوحة وأبوجا، بل حتى مُفاوضات وقف العدائيات وفتح المسارات مع الحركات هذه تجرى منذ سنوات بدون أن تصل لنهاية. ليس هذا تبريراً لمُماطلات قادمة، لكن للفت الانتباه أن هذه المُفاوضات تُواجه مشاكل أكبر من فشل الجولة الأخيرة. فقد تكشف أن المُتفاوضين تجاوزوا عقبات كثيرة، وتحجّروا عند نقاط ثانوية، ممّا يعطي انطباعاً بأنّ الإرادة السياسية للوصول الى اتفاق هي التي كانت غائبة.
وبصراحة، فإنّ تركيز غالبية السُّودانيين هي على مُفاوضات وقف العدائيات وفتح المسارات الإنسانية، لأنّ بوصلتهم تتّجه نحو المُعاناة المُمتدة لمئات الآلاف من المُواطنين السُّودانيين في مناطق الحرب، وليتهم يفعلون ذلك في الجولة القادمة، ثم "ياخدوا راحتهم تماماً" في بقية المواضيع، ونعد ألاّ نضايقهم كثيراً..!

التيار


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 2640

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1506211 [أبو عمر]
0.00/5 (0 صوت)

08-18-2016 04:16 PM
أحسنت يافيصل محمد صالح نتمنى لكم التوفيق

[أبو عمر]

#1506115 [ابوبكر الرازي]
0.00/5 (0 صوت)

08-18-2016 01:32 PM
هذا تراجع صحفي تكتيكي يافيصل ,انت كتبت عمودين ضد التوقيع فما الذي استجدالان حتي تظهر بهذه الموضوعية, ان التسرع لإظهار عضلات التحليل يأتي احيانا بتائج عكسية تماما ,فهل انت مع التوقيع ولا مع نتائج التوقيع؟

[ابوبكر الرازي]

#1506005 [هشام]
0.00/5 (0 صوت)

08-18-2016 10:26 AM
الارادة السياسية في الوصول الي اتفاق هي التي كانت غائبة ومن المسئول يجب تسمية الامور بمسمياتها الكاتب المرموق ا. فيصل

[هشام]

#1505958 [تاج الدين حنفي]
0.00/5 (0 صوت)

08-18-2016 09:22 AM
وانت قبل الان سخرت من توقيع نداء السودان على خارطة الطريق ....كلكم سواسية في عدم المهنية وتكتبون بالامزجة لا بالمهنية الصحفية ...

[تاج الدين حنفي]

فيصل محمد صالح
فيصل محمد صالح

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة