رؤية المنبر
04-09-2011 03:49 PM

رأي

حراك جديد «3»

رؤية المنبر ..

د. دفع الله أحمد دفع الله

عودة الروح: لأن الله يخرج الحي من الميِّت، فإن القوى الشعبية الفاعلة بدأت تتشكل في مخاضٍ نرجو ألا يكون عسيراً، الميت هو النظام السياسي العاجز الفاشل المشلول المحتضر الذي يتحرك حركة مذبوحٍ، وأعني به «الحكومة والمعارضة»، ونحن نعلم سمات النظام السياسي الجديد الذي نريد. وقد سألنا الكثيرون عنه وموعد قدومه، الحياة السياسية مشهدٌ متداخل بين الماضي والحاضر والمستقبل. وما نعرفه هو أن الحركة السياسية في السودان يجب أن تكون لها «رؤية» وهذه الرؤية لا يمكن فصلها عن البرنامج، ورأس الأمر هو تحليل الواقع وإيجاد البدائل التي تكون قادرة على استنهاض الواقع لصنع المستقبل، فالثورة لها إرهاصات كما ليوم القيامة علامات، وهذا شأن كل ما هو «حتمي»، ولكن استيعاب منطق الثورة وماهية الثورة هو المحك، فالثورة لن تكون ضد جهاز الأمن الوطني فهو مجرد أداة للسلطة، ولن تكون ضد الإنقاذ فهي محصلة حركة سياسية فاقدة للرؤية الاستراتيجية وناقصة للرؤية الداخلية، فهي مجرد حكومة «تصريف أعمال» لا يهتم من فيها إلا بما يؤول إليه من مصالح آنية، إذن فالثورة ستقوم ضد نظام سياسي بمجمله حكومة ومعارضة، ولذلك فإن مدى نجاح الثورة يتحدد بمدى تخلص المجتمع من مكونات الحركة السياسية الحالية وإبدالها بمكونات جديدة، وهذا الأمر لا يتم بداهةً وبتلقائية ولا حتى بالدفع الثوري، وإنما بالعمل والتخطيط من أجل إعمال رؤية بديلة. إن الحل القطري قد ثبت فشله لاستيلاده أنظمة قمعية مستبدة جثمت على خياشيم وقلوب المجتمعات العربية والإفريقية على مدى متطاول، مستفيدة من هيمنة لحضارة غربية تقوم على ظلم الإنسان لأخيه الإنسان من أجل التحكم في موارد الطبيعة وخياراتها بإقصاء الآخرين في شكل أدى إلى عجز الآخرين حتى عن أن يمثّلوا سوقاً لرأس مالية الغرب. ولذلك فإن الدول المسيطرة دعت كما دعمت الأنظمة المستبدة لقهر الشعوب من أجل الوصول إلى ثرواتها، تحت المخدِّر العام، وقد تم ذلك لأن الغرب قد استبدل جدلية الغيب والإنسان والطبيعة بجدلية الإنسان والطبيعة فقط، وبهذه الرؤية نجد أن الثورات العربية من بعد ثورات أوروبا الشرقية والنهوض الآسيوي الجديد، إنما تحمل مؤشرات لوقف تمدد هذه الحضارة المنبتة، ومؤشرات لمواتها والاستعاضة عنها بمعادلة جديدة يدخل فيها الغيب كطريق ثالث، وهو طريق يبحث عن الغيب ويلوذ به في المعادلة الثلاثية، وهو «فهم جديد للإسلام» وفي هذا العالم الجديد لا بد من نظرة «فوق قطرية» بعد فشل الدولة القطرية، إذ أنها تمثل في أحسن الظروف معادلة مختلفة، لأنها تمثل حلولاً جزئية مقسّمة غير صالحة في عالم تقارب فيه الإنسان ليعيش في قرية صغيرة اقتسم فيها العالم الأرض والموارد والجغرافيا.
رؤية المنبر تنطلق من أساس« فضاء كتلة وادي النيل» جغرافيا وموارد وإنسان لإبداع تجربة إنسانية تسترشد برؤية جدلية الغيب والإنسان والطبيعة ولإنجاز تاريخ جديد يعتد به، وخلق كتلة متقدمة متطورة كنموذج للتنمية البشرية والاقتصادية والسياسية. لذلك فليست هنالك حلول سياسية دون ذلك الأفق لتحل مشكلات السودان القطر فقط، لأننا قد هرمنا ونحن نفشل في إنجاح نظامنا السياسي«المستورد» مما أدى إلى نتائج التجزئة التي نعيشها الآن. وإذا لم يتغير هذا النظام السياسي فإن التجزئة لا محالة ستصيب ما تبقى من «كنتونات» ستتناثر غربا وشرقاً. والثورة في السودان لن تكون بمنأى عن الثورة في مصر والتغيير في الجنوب، حتى نستطيع أن نخرج من هذا النفق المظلم، ولكن كيف يمكن لنا أن نمنع أمراض الماضي والحاضر من الاستمرار في المستقبل والظهور من جديد، لا كرجل أفريقيا المريض ولكن كنموذج أفريقيا القائد الجديد.
الشارع لن يخرج خلف المعارضة :
عندما دعونا الشارع لعدم الانسياق خلف «الترابي»، كنا ندرك أننا نستعمل آلية من آليات الثورة، فالثورة التي تقصد إلى إزاحة النظام السياسي بمجمله لا يمكن لها أن تقع فريسة لدعوة الترابي وهو أحد أركان النظام السياسي الحالي، بل هو مهندس الحلقة الأخيرة في «الطغيان الأيديولوجي» الذي وسم الحركة السياسية السودانية التي عبَّرت عن أنفسها بالنظم الديمقراطية المستهترة والدكتاتورية المستبدة، فكان الترابي هو الحلقة الأخيرة، وقد تحصَّل السودان بتجربة «الإنقاذ» على وعي جمعي بضرورة إحلال النظام السياسي السائد بآخر يستجيب لرؤية جديدة، ولذلك فإن دعوات المعارضة للشارع حصلت على نتيجة «حضرنا ولم نجدكم» ولم ينجح أحد.
إذن فقد تبقى لقوى المعارضة التقليدية أن تنتظر تحرك الشارع لتنقض على الوطن من جديد، كما فعلت في أكتوبر والانتفاضة، لذلك فإن هذه الآلية يجب أن تتغير، وذلك عن طريق دفع قوى التغيير، للقوى السياسية المريضة، لأن تعمل في شكل تكتل واحد في إطار مستشارية الأمن، أو حكومة مشتركة أو تفاوض باسم الشعب. وهذا سوف يفرز الصفوف بصورةٍ واضحة ولكنه لن يمثل تأميناً حقيقياً، لأن الثورة لا يمكن ضبطها، ولكن يجب التعامل معها بحكمة كالطبيعة من حولنا. وفي هذا الصدد نحن نعمل من أجل ألا يسلِّم الشباب القيادة إلى القوى التقليدية القديمة مرة أخرى بعد الثورة. ولذلك فإن التكتلات التي تدعو للتغيير يجب أن تتكون الآن، وأن تتفاعل مع بعضها، وأن تشد من عضد الواحدة للأخرى، أما كيف تتكون فإن أي من يدعو إلى التكتل، كما ندعو نحن إلى منبرنا، عليه أن يحمل «رؤية»، ونحن رؤيتنا لا تنحصر في أُطر ضيقة لا تعالج إلا محدوداً، وإنما تمتد لتكتل وادي النيل كرأس رمح يقود بجناحيه الأمة العربية، وغالبيتها في إفريقيا النيل والقارة الإفريقية، وقلبها النابض هو السودان ومصر «السودان الكبير». هذه الرؤية تحتم علينا أن نصنع برنامجاً ممرحلاً لبناء الكتلة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، فالتنمية المتجزئة فشلت في مصر فلن ينفع مصر أن تستعيد أموال سدنة نظام مبارك كي تنهض. ولا إيقاف الفساد وحده يكفي، فموارد مصر محدودة ولكنها مكتظة بالموارد البشرية، وقد تدفق منها الآن إلى السودان حوالي الأربعة ملايين، وتدفّق من إثيوبيا أربعة ملايين ومن غرب إفريقيا حوالي أحد عشر مليوناً، وهذا ما لا يمكن إيقافه ولكنه ليس المطلوب، فنحن لا نريد من طردتهم الديار، بل نريد من نختار، وفق معايير التنمية الاستراتيجية وبلادنا تحتاج إلى قرابة المائتي مليون مواطن منتج يكون في حالة حضارية أعلى من مستوى الحالة في بلادنا، ولذلك فإن هذه الرؤية تفرض نفسها عملياً. أما قبولها، فالطبيب غالباً ما يصف الدواء للمريض وغالباً ما يقتنع المريض ولو بعد حين، ولكن هذا «التردد» لا يعني نجاعة العلاج في شيء. إن طرحنا هذا ليس عاطفياً ولا هو أيضاً براغماتياً، ولكنه خضوع لحكمة السماء والطبيعة ومصاهرة بين الجغرافيا والتاريخ.
قوى التغيير:
إن القوى التي يمكن أن تحدث التغيير هي القوى التي تريد الانطلاق إلى أفق جديد وتعلم أن واقعها هذا منحرف ومتراجع، وهي قوى التقدم، وبالتالي فإن إصلاح الأحزاب القائمة الآن غير ممكن ولا لزوم له. وقد سعت قوى كثيرة، نحن من بينها «للإصلاح»، ولكن اصطدمت الأماني بالواقع المرير، والحقيقة أن القوى السياسية التي لا تعبر عن الواقع برؤى مستقبلية، لا مكان لها في مرحلة التغيير وما بعده. وأن الديمقراطية نفسها ما هي، في جانبها السياسي، إلا وسيلة لانتقال السلطة في جغرافية معينة بالطرق السلمية، وتعني في جانبها الثقافي أن الشعب مصدر السلطات، وفي جانبها الاجتماعي إطلاق حرية الإنسان من أجل الإبداع. فهي حرية أعطاها الله له ولا إله غير الله، فمن يأخذها منه، لذلك فإن الأحزاب التي تنعدم فيها الديمقراطية والشورى لا تحتاجها الثورة ولا يطالب بها التغيير، بل هي حجر عثرة أمامه. ويجب عزل القوى الماضوية بكشف حسابها وعدم التعامل معها. إذن ما لبديل؟ ومن البديل؟ «الديمقراطية».ام رؤية» و«آلية ديمقراطية». فلتأتِ البدائل كما أتى «عصام شرف» هل كنا نحلم به ! ومن سيكون رئيس مصر المقبل!؟ هذا يصعب التنبؤ به، ولكن ما لا يمكن الاختلاف حوله هو رضاء الناس عنه وبه. ولكن أين يمكن أن نمسك بمفاصل حركة التغيير؟
القوات المسلحة ــ الجيش والأمن:
إن القيادات الوسيطة في الجيش هي التي سوف تنحاز إلى الشعب، وهي قيادات كثيرة ونزيهة وغير متلوثة بالرشى والفساد، هذا ما حدث في مصر الثورة.. وخاصةً التي أجبرت القيادات العليا في الجيش للانحياز إلى الشعب وقد كان الكثير منها من أعمدة النظام الاستبدادي التي تم إفساد بعضها. ولكن الجيش السوداني مهما تم تدجينه أو تسييسه أو إفساده، فإن عقيدته الوطنية وانتماءه لشبعه سوف يعصمه من توجيه النار إلى شعبه، حتى ولو كان ذلك من أجل مصالحه المادية. وتربية الجيش بالضرورة وطبيعته عصيَّة على الفساد الحزبي والسياسي الضّيق، كما أن قوته ليست معُدَّة لضرب الشعب مثل أجهزة الأمن التي بنيت على أسس مختلفة. والأمن الآن فى كل الدول العربية هو خط الدفاع الأخير للأنظمة ضد شعوبها. ولكن لا ننسى أن رجال الأمن هم أيضاً لهم قلوب وعقول، وهم سودانيون والشعب أهلهم، كما أن الكثيرين منهم يعملون بوازع من مهنية لم تجرب عند المواجهة بعد، كما أن تجارب التعذيب التي تمت لحماية الأنظمة لم تمر مرور الكرام هنالك، ولم تُنج الذين يمارسونها، تحت أي عذرٍ، من المحاسبة اللاحقة. فالنظام الذي لا تحميه جماهيره لن تنجيه أجهزة قمعه. وقد كسر حاجز الخوف، منذ أن قال الشابي: إذا الشعب يوماً أراد الحياة ورددها الشعب التونسي. والسؤال هو هل ستطل «عفا الله عما سلف» من جديد؟ وخاصةً إذا كان ثمن الثورة باهظاً؟ وكثرت ضحايا التغيير؟ إن تنفيذ الأوامر لن ينفع أحداً قد مدت يده لينال من حرمات الناس، لأن الإنسان في وطني قد أدرك سنّة التكريم، وكذلك تقف المحاكم الجنائية والإعلام والعالم بالمرصاد. وما فعلته «إيمان الليبية» بنظام العقيد القذافي وكتائبه، وحدها، لم تفعله جحافل الثوار دونها. فهل عندنا أقل من إيمان الليبية وجميلة الجزائرية ومهيرة بنت عبود، كل ما تعمله أجهزة الأمن ضد الشعوب هو «ردع» أكثر منه تسلط على مصائر الثورات وللإنسانية رب يحميها.
لماذا عزلت قوى التقليد:
لم يتبقَ للقوى السياسية ما تفاخر به من منجزات أو مواقف، بعد أن أصيبت في مقتل في إطار الاستنفاد والاستنضاب الذي مارسته الإنقاذ عليها. فلم تعد قوى التقليد إلا تعبير عن مرحلة ماضوية، لم تكن فيها الرؤية واضحة، والآلية راجحة، بل كانت انجازاتها انهيارات زائقة وطاغية.
أولاً: التجربة الإنقاذية أسقطت الإسلام السلفي بسقوط مشروعها الحضاري الذي تحاول جهدها رتقه وحقنه ونفخه بلا جدوى. فهي لم تختر إسلاماً يدعو لحرية الإنسان، فقد استعبدت كل الشعب باسم السماء.
ثانياً: سقوط تجربة العراق وسوريا ومصر الناصرية أفقد التجربة القومية الكثير من الألق، وذلك لأن القومية العربية قد طرحت أيضاً بعيداً عن «جوهرها الإسلامي» بل طرحت في إطار «علماني» يساري وصل به الحد إلى تبني الاشتراكية العلمية «هي الشيوعية» البائدة تمشى على استحياء في عرج .
ثالثاً: سقوط الاتحاد السوفيتي والتفات الصين إلى النموذج الغربي أفقد الشيوعية واليسار من بعدها، كثيراً من المرجعية، بل قد تحولت القوى اليسارية إلى يمين وسط في الكثير من الحالات والى يمين عميل في بعضها.
رابعاً: الحركة الاتحادية، وهي صاحبة الفكرة، نسيت «جوهر» وجودها وشعبيتها وفكرها، وهو وحدة وادي النيل والكفاح المشترك، وتحولت إلى حركة براغماتية اندست فيها المصالح الحزبية والفردية إلى درجة التسمم، فأحالها حالها إلى تحولٍ مُحال، بل إلى صخور رسوبية تحمل حواياها الطحالب والياسمين. ولكنها أثبتت أن القيادة الطائفية، للعمل السياسي في زمن الصحوة والمواطنة والحداثة، مدعاة إلى التخلف والضعف والاستكانة والهوان، بل إلى الضحك والاستهجان. وأنا أرى أن لكل كلمة مما ورد صفة مرجعية وتأريخ، فلا يزاودّن أحد فالرجوع إلى الحق فضيلة. وخير لنا أن نعيها ونقولها نحن قبل غيرنا، لتكون لنا زاداً ونحن نشارك في صناعة التأريخ من جديد، منقذين لجوهرة وجودنا السياسي والوطني.
خامساً: حزب الأمة المتشظي انعزل عن دعاوى الوطنية وفكره الاستقلالي «الانعزالي»، بعد التفافه حول عنق المعارضة وخنقها وتحالفه مع القوى الانفصالية في الجنوب، فلم يكتفِ بفصل الشمال عن مصر ولكن وصل إلى فصل الجنوب عن الشمال، وها هو مشلول أمام انقسامات أخرى، وهو ينزع إلى تبني سياسة المساومة بالمصالح الحزبية والمادية على حساب القضايا الوطنية، فأقل ما يقال انه حزب تتمثل قيادته في الحكومة والجيش والأمن والمعارضة، ويقبل أن تنفق عليه حكومة فاشية، أخذت منه الحكم بالانقلاب تحت مسمى «تعويضات» شاركت في إفقار الشعب وإفساد الحُكم وهى السحت بعينه.
* بروفيسور مشارك/ جامعة الزعيم الإزهري

الصحافة


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1158

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#125247 [احمد صالح]
0.00/5 (0 صوت)

04-10-2011 12:14 AM
مرحبا د. دفع الله .. مبادرة رائعة اجمالا و إن لم تخلو من هنات ، اتمنى أن أتواصل معك في القريب و تحياتي ( شبين )


#125202 [gafar elmubarak]
0.00/5 (0 صوت)

04-09-2011 09:36 PM
WHAT IS HE TALKING ABOUT. I LOST YOU PROF..


د.دفع الله أحمد
د.دفع الله أحمد

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة