المقالات
السياسة

08-21-2016 01:54 PM


“سَتَجيءُ سَبعٌ مُرَّةٌ فلتَخزِنوا من حِكمَة الوَجَعِ المُصابِر سُكَّرا .. سَبعٌ عِجافٌ فاضبِطُوا أنْفاسَكم .. من بَعدِها التَّاريخ يرجِعُ أخضرا” .. الشاعر محمد عبد الباري ..!
اختتمت الخرطوم يوم أمس الأول فعاليات تصديها الإعلامي والسياسي لظاهرة الإرهاب، تحت رعاية جامعة الدول العربية، وتحت سمع وبصر بعض الأقطاب الخفية المحركة لظاهرة الاستقطاب الفكري لشابات وشباب في أعمار غضة تعترض فطرتهم السوية عمليات غسيل أدمغة مكثفة خلف أسوار الجامعات ..!
بيوت سودانية ليست بالقليلة – وليست بالكثيرة – خلف أبوابها قلوب مفطورة على مصائر شباب مؤهلين أكاديمياً (وهذا غريب)، ميسورين مادياً (وهذا مدهش) التحقوا بتنظيم أصولي متطرف، يستخدم قوة العلم وأناقة التكنولوجيا .. ومنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر .. وهذا أجبر العرب على أن تتشاركوا برنامجاً لتعزيز مبدأ وسطية الإسلام ونشر التوعية عبر وسائل الإعلام .. لكن المسألة بكل أسف – وكالمعتاد – ليست سهلة أبداً ..!
السلوك الإرهابي عمل سرِّي يأتي كنتيجة راجحة لثقافة علنية، بشَّر بعضنا بها، وتغاضى عن مثالبها أو انتقدها على استحياء بعضنا الآخر، فنمو الفكر المتطرف في السودان شأن له دلالاته الرمزية وأبعاده الثقافية المترامية، وعليه فإن اقتصار الحديث على صدام الحضارات، والتطرف الديني التقليدي فيه تبسيط مخل إن لم يكن تضليلاً ..!
قبل اجتراح الحلول ينبغي أن نتأمل في أوجه ذلك الصراع بين نمطين إجتماعيين: مسلمون أسوياء ينشدون العيش بكرامة وكفاية وسلام، ويتعاطون مع الدين والوطن باعتبارهم شركاء لا أعداء، وآخرون يتعاملون مع الهوية الدينية بكثير من الغلو والانغلاق، ويستخدمون أجهزة ثقافية مكرسة للشحن والتعبئة .. والهوية الدينية في هذه الحال ليست مجرد احتجاج على حال الإسلام وظلم المسلمين، بل هي مؤسسة للإقصاء والإدانة والانتقام تُحمِّل المسلمين من غير المتطرفين مسئولية كل محن الأرض وكوارث الكون ..!
قبل اتخاذ التدابير الوقائية لا بد أن تعي مؤسسات المجتمع - على تعددها واختلافها - أنها تواجه كياناً عقائدياً ذو بعد ثقافي وأذرع إعلانية أثبتت الظروف أنها شديدة الجاذبية.. كيان ديني ضد الدولة والمواطن في آن معاً .. ضد المؤسسات المدنية وضد المجتمع بمختلف طبقاته أيضاً .. فالإرهاب ظاهرة تتغذى في انتشارها على دعم البيئة الثقافية الدينية الرائجة بمرجعياتها رموزها وتطرُّف مواقفها بأفعال وأقوال كانت تجري تحت سمع وبصر الدولة ومباركتها، في الجوامع .. والمدارس .. وعبر صوت الإذاعات .. وعلى شاشات الفضائيات ..!
نحن اليوم – حكومة وشعباً - أمام معتقد اصطفائي يتصور أصحابه أنهم خلفاء الله وسادة الخلق وحراس الدين، وهم وحدهم الذين يمتلكون الحقيقة، ويتوهمون تطابق المشكلات المعاصرة مع حلولهم القديمة ويغضون الطرف عن باب المصالح المرسلة الذي تركه الدين موارباً إلى يوم يبعثون .. فإما الوصائية على الناس وإما شن الحرب عليهم وإنابة عنهم ..!
الإرهاب سجن عقائدي خلف أسواره شباب يمتلكون عقولاً نيرة أطفأوا مصابيحها بكامل إرادتهم واختاروا أن يحتطبوا في ظلام الشعارات وأوهام الخلاص، لذلك أقول إننا قبل التدابير الأمنية نحتاج تأسيس حوار ثقافي له جذور وملامح وبرامج جاذبة .. نحتاج مناهج تربية وتعليم مواكبة، متحفزَّة، تتصدى لكل ماهو غريب .. متطرف .. غير أخلاقي .. وغير لائق!!
وقبل ذلك كله بوابة وطنية مفتوحة على مصراعيها للحوار.. وضمانات عفو تام - غير مشروط - للعائدين من الظلام ..!

اخر لحظة


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1548

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




منى أبو زيد
منى أبو زيد

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة