المقالات
منوعات
و للغناء قصة أخيرة !!
و للغناء قصة أخيرة !!
08-21-2016 08:24 PM


تحدثنى عن النغم و الصوت في عمرى ؟ تلك قصة كبرى يا صديقى ، و ذاك ولع قديم ، قديم . حين كنت طفلا أتعثر في أثوابى تفتحت مداركى على أصوات نوبات " شيخ مهدى " في صباحات الجمعة في عرصات مسيد " الشيخ المكاشفى " . كان لشيخ " مهدى " حواريون فنانون ، تميز كل منهم بحس موسيقى عبقرى ، فكانوا يتحركون وفق منظومة مموسقة و كأنهم أسراب سنونو تسيح في باحات الأفق سويا . كانت نوبات " عمر " و " السر " و " الجيلى إبراهيم طه " ترفد روحى الطفلة بالجمال ، و كنت أراهم كما أبطال في أسطورة إغريقية . أذكر جيدا أنه كان لكل من هؤلاء الثلاثة تخصص متفرد . " الجيلى " مثلا كان يتصدر "القوم " بجانب " شيخ مهدى " نفسه . كان طويلا كما سارى السفينة ، و أسمرا كما بن تقلبه أنامل حسناء هدندوية في كسلا . كان " شيخ مهدى " يمسك بعصا رقيقة في يده اليمنى ، يهتز رأسه يمنة و يسرة في نشوة تحت طاقيته الخضراء بينما تتمايل قدماه في خطوط مستقيمة و وراءه يركض الأحباب . أما أمامه فكان يتقافز كما طيور البطريق صبية يفاع ، يرتدون الأشجار لونا ، و على رأس كل منهم طاقية تزينها ريشات من نعام ضحية . كان الجمع يحط رحاله في الساحة الواقعة بين قبة الشيخ المكاشفى و مسجده فتفور الأجساد و تصطفق الأيدى و الأرجل ، بينما العيون مغمضة عن كون لم يكن فيه الكثير من الصراعات وقت أخضرئذ!!
ذاك كان رافدا أورثني إحساسا عاليا بالصوت و النغم . ثم تلك الأمسيات قرب مسيد الشيخ الجيلى . كان أتباعه يصلون المغرب سويا كل يوم ، ثم يبدأون في ترتيل الأماديح مثل " تنزه ربى عن صور و خواطر قلب " و " الله الله لا إله إلا الله " و غيرهما . أذكر أننى كنت أتسلل من بيتنا خلسة و أقف قرب دكان " عبد الباقى " الشهير بكنية " وركى " ، لتظل روحى الطفلة تحتسى من بهاء الأناشيد سيما من فيه " عبد الباقى ود أم بجيك " و فيه " الفكى هارون " . تضاف إلى ذلك ليالى النوبات يومى الإثنين و الخميس ، فكنت مغرما جدا بالنوبة ليلة الخميس إذ إن الجمعة عطلة من المدرسة و لن تمنعنى الوالدة من السهر ما شئت !!
ثم مسبحة أبى في ذاك الزمان الذى لا أعلم أين يختبئ الآن . كانت لأبى مسبحة طويلة تتكون من ألف حبة ، و كان يعكف على جردها كل ليلة . كان ينتظر ريثما يخلد الجميع إلى نومهم فيفترش سجادة من وبر الضأن ، و يمد رجله اليمنى التى شقها محراث وابور في زمن قديم ، و يوسد ساقه اليسرى قرب فخذه الأيسر ثم يضع المسبحة بين فخذيه و يبدأ في ترديد " الله " أو " لا اله إلا الله " أو غيرهما . لم تكن أمى تسمح لى بالسهر للاستماع إليه و لذا فقد كنت أتظاهر بالنوم تحت ملاءتى خفيفة الظل ، و أدفع برأسى الصغير إلى الخارج لتسبح روحى الغضة في فضاءات مشجورة .و أذكر أننى اضطررت ذات مرة لثقب الملاءة حتى أستطيع استراق النظر إلى أبى و هو يجوب عوالم وجده وحيدا !
ثم ليالى المولد ، و جلوس أبى في منتصف باحة المسجد و قربه صحبه يرتلون راتب الشيخ المكاشفى ، و أصداء أماديحهم و روائح كلماتهم و عبقها تملأ براحات المكان !!
أظن تلك كانت بدايات علاقتى بالصوت و الشعر و اللحن !!
في المرحلة الثانوية بدأت ألتفت الى الغناء . تزامن عشقى له مع أول تثاؤب لقلبى الصغير . في تلك الأيام كانت الروح شفيفة كما لهب شمعة ، و كان القلب برارى عذراء تهملج فيها خيول الحلم . لم يكن الوجع قد تكدس في الذات كما بضاعة تاجر شره في وقت الحرب . ذات يوم ما تعرفت إلي تلك الصبية . قدمنى إليها صديق طفولتى – قريبها . كانت ارستقراطية مرفهة و كنت ولدا لا يمتلك في الكون سوى عشق للقراءة و كرة القدم . كان أبوها من أعيان القرية فعوضها ترفا عن يتم مبكر ، و كنت فردا في أسرة تتأرجح بين قاع المجتمع و ذروته . صديقة لها قدمتنى إلى "هاشم ميرغنى " ، إلى صوته الخمرى و إلى عوالم جراحاته الصادحة . تلك أيام درستنى كيف تنمو للذكريات مخالب ، و للنبض أناشيد و أماديح ، و علمتنى أن صمت الليل قطعة سقطت سهوا من دروب السماء !! غنى عن القول أن تلك الأقصوصة في كتاب العمر انتهت في صمت . سقطت من غربال الذاكرة ملامح تلك البنت لكن بقى عشقى للغناء فتيا عاصف الوحشية . بعد فترة دلفت إلى عوالم " محمد الأمين " . كانت نقلة هائلة و كأننى قفزت من الثرى إلى جبهة نيزك في السماء . ثم ذات أمسية ما عثرت في غرفة أخى " الأمين " – و كان يعمل حينها معلما في مدرسة المناقل ثلاثة – على شريط لمحمد وردى . كانت إلياذة "عصافير الخريف " هى أول ما صافح أذنى من صوت وردى الماطر . ترى هل كان ذلك إرهاصا قدريا بأننى سأرحل يوما ما عن بلادى ؟ ومنذ تلك اللحظة تحول هذا المحسى العظيم إلى وطن أسكنه و يسكننى !!
فى الجامعة – حيث الحلم بالتغيير - عرفنى وردى على أجمل أصدقاء العمر : محمد صديق ، محمد أحمد النور و صديق محمد الحسن . و لا أذكر أننا جلسنا يوما دون أن يمد وردى قامته الطويلة كما النخلة بيننا . و لا زلنا حتى اللحظة نجتر تلك الأوقات بكثيف شجن و كثيف غبن !!
تعرف يا صديقى أن علاقتى بالغناء كما علاقتى ببلادى : غير قابلة للمساومة و الرضوخ لمجازر الساسة . هى علاقة وارفة كما إبتسامة أمى حين أعود من سفر ، ناصعة كسماء أعقبت المطر ، عذبة عذوبة الغناء الحق و حية كما الحياة نفسها . هذا حين كنت فردا في بلادى . أما هنا ، في المنافى ، فالغناء قصة أخرى . هنا تنبت للقلب عيون يبكى بها ، يتحول الليل إلى مجمرة تحرق ثوانى العمر ، و يصبح النهار مشاويرا من العذاب . هنا ليس أمامك سوى أن تلعق جراحاتك في سكون أخرس ، تسيل مدامعك إلى دواخلك بينما تصبح عيناك أذنين إضافيتين تحترفان التقاط اللا كلام !! هنا تتحول الأغنية إلى صديق تبكى على كتفيه ، تسامره في وحشة المساء المدبب الدقائق كما صخور تطل على البحر ، صديق تلعب معه الورق ، تدخن معه النرجيلة ، و تشارطه رتابة وظيفته البلهاء !!
من قال إن الغناء هو كلمة و لحن و مغنى ؟ من هو الأحمق الذى اختزل هذا الكائن البهى الألق – الغناء – في جوقة عازفين يمسكون بآلات ، و مغن يعيد إنتاج تجربة كتبها شاعر ؟ تلك – مهما بلغ بهاؤها - هى الأغنية الظل ، تلك هى الأغنية الخارجية ، الأغنية المستنسخة . تلك هى النمنمات التى تقع في " ظل مطر " النبض . أما الأغنية الحقيقية ، الأغنية الغياب ، الأغنية السفر ، فهى تلك التى تبدأ ملامسة روحك حين تستمع إلى الأغنية الظل . إنها الرحيل على مرمر لا وعيك الشفيف و أنت تتجرد من تجاعيد الروح و ولولة الريح على نوافذك القصية هناك في داخل روحك المتعبة الغريبة . إنها التحليق كما العصافير ، و السباحة كما المراكب ، و الإستلقاء كما رمال نواعس على قدمى نهر صفيق الاشتهاءات . هل استمعت الى " يا زمن وقف شوية " لإبراهيم عوض " فنالك ذاك الوصب الروحى الذى يجعلك جديرا بإنسانيتك السليبة ؟ هل كشفت عن ساقى حلمك و دلفت إلى " شجن " عثمان حسين " فترقرقت ذكرياتك القديمة كأطياف قمر يتلاصف على قارورة موضوعة على نافذة كوخ ريفى ؟ هل غسلك " وردى " في " الحزن القديم " حتى خرجت شمسا صبية تمد اللسان ساخرة من غثاء ساسة بلادك ، متمددا كما النيل على بطحاء خصبة ، شاهق نبضك ، طويل القامة فرحك ؟ هل وقفت كما الطوابى في ساحة " دواى نارى و التياعى " و صوت " زيدان " يغسل عن جدران نبضك غبار الوجع ، و يرسم عليه لوحات فلتت من خيال فان جوخ و دافنشى ؟ هل تمايلت كما ظل شمعة على حائط و أنت تعب من عنب " بتتعلم من الأيام " فإذا بك اختصارا لكل أشجان العشاق في الأبد ؟ و هل صافح "العطبراوى " أذن شريانك الناشف برائعة " أنا سودانى " فاذا بك تخضر كما غابات تركاكا ، و تتحول إلى فرد في " اللواء الأبيض " و أمام بيتك حصان قاتلت على صهوته علوج الإنجليز في " كررى " ؟
للغناء فيك يا " ابن يوسف " مرمر مرصع بألف ماس . للغناء فيك غيمة ترضع شفتى أفقك الناشفتين ، و تهطل على بيادرك الرمادية فتنبت لك بيارق و أجنحة . للغناء فيك محاريب و خطب تحولك من عصفور صفرى الطموح إلى نسر يحلق مرتلا أماديح العافية . للغناء فيك دعاش خريف يتغلغل في سراديب صمتك البعيدة ، يحررك من قيود الرهق ، و يضمد جراحات بعادك القصى بعطر وردة عذراء باغتها الربيع بقبلة . للغناء فيك هدير تمرد أخضر يعيد إليك خرطوم أكتوبر ، و يحولك إلى طفل مشاغب يبصق في وجه الرتابة . للغناء فيك رذاذ قدسى شفيف ، يغتال فيك عفونة الذاكرة ، و يرشها بزخات بهية تجعل المساء رقصة زنجية عارمة الحياة !!
غنى ّإذن في وحدتك المقدسة ، و اسكب في أذن ليلك الصامت شهقة جبران و هو يرتل " اعطنى الناى و غنى " . غنى للقادمين ، للذين لا يزالون يسكنون ارتعاشات المواعيد و نداء المناديل . غنى للذين مضوا تاركين وراءهم حسرات تجذرت فى أرصفة العمر كما عواميد خرسانية بلهاء في وحشة الليل . غنى للنيل المخصى انكسارا عساه يثور ، للنخل عساه ينفض عن هامته سواد الرضوخ و لبوابة عبد القيوم لعلها تتتذكر مجدها التالد و تكف عن أداء دورها الجديد : دور شرطى المدينة الأخرق . غن لقلبك الذى نشف في الغربة ، لحلمك المتكلس كركبة عجوز مصابة بروماتيزم ، و لقصائدك الراقدت على سرير الغبار في كراسة نابحة الوريد . غن لرفاقك الذين ينامون وراء البحر ، لأماكن هناك لا تزال تسكن تلافيف ذاكرتك هنا . غن لقوافل عشم تتسكع على بيداء سنينك المتبقية ، و لأحلامك التى ترفض أن تهترئ كما قماش علق في سلك شائك !!
غنى ... فلم يعد في صندوق إرثك القديم سوى الغناء !!
.....
مهدى يوسف ابراهيم عيسى
[email protected]
جدة
صباح السبت
20/ 8 / 2016


تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 2008

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1508496 [الحلومر/خريج الابتدائية]
0.00/5 (0 صوت)

08-23-2016 06:44 AM
أغني عزاء للنفس
و للوطن الأسير
والشوق يملأني جراح
وأرض السودان يلتهمها الاعداء
عند كل صباح
مثل قطع الفطير الشهي
مع شاي الصباح
فقد صار القلب بيت عزاء
و ثكال نواح
ورغم ذلك سأغني من اجل للوطن
ومن أجل الوصية المهدوية
انت تطربني دوماً ايها الوطن العزيز
رغم المآسى والجراح
برغم ما نالك من أذي
باكر بتكبر يا وطن
وتنسي الجراح
(بركة النورين) إنظفأت انوارها يوم أمس
عندما غزاها شفتة الأحباش التتر
سأغني وأغني ليس من أجل الغناء
ولكن من أجلك يا وطن
ومن أجل الوصية المهدوية
شكراَ استاذ مهدي وهل تربطك صلة قربي ودم بأم السودان الدكتورة سعاد إبراهيم عيسي ؟؟

[الحلومر/خريج الابتدائية]

#1508121 [محمد عثمان]
0.00/5 (0 صوت)

08-22-2016 01:15 PM
كلام اكتر من جميل يعطيك العافية مهدى

[محمد عثمان]

ردود على محمد عثمان
Romania [مهدى يوسف ابراهيم عيسى] 08-23-2016 02:16 AM
شكرا اخى محمد عثمان ..كل ذوق


#1507890 [مراقب]
0.00/5 (0 صوت)

08-22-2016 07:20 AM
شفت يا مهدي مقالك ده دلوقت قريت نصفه ما حا اقدر اتمه لاني جئت العمل وانا مساهر الليل كله الا قليلا ان شاء الله بعدين اتوقع ردي عليك في الايميل طبعا (باي ناو) انت عرفتني
تحياتي

[مراقب]

ردود على مراقب
Romania [مهدى يوسف ابراهيم عيسى] 08-23-2016 02:16 AM
اهلا بيك اخى الكريم مراقب ...ربنا اعينك على اعباء العمل و يحفظك ..فى الحقيقة و الله ما عرفتك ..لكن اهلا بيك ..منتظر رسالتك فى ايميلى ...تسلم


#1507881 [يوسف عدنان]
0.00/5 (0 صوت)

08-22-2016 06:59 AM
يا سلام عليك يا استاذ مهدى ... بالله لسه فى ناس فى السودان بتكتب بى الجمال دا ؟...ياخ مهاجر ليه طيب ؟...ما تقعد فى البلد دى بدل ناس كابو و زعيط و معيط ديل ...

[يوسف عدنان]

ردود على يوسف عدنان
Romania [مهدى يوسف ابراهيم عيسى] 08-23-2016 02:14 AM
أخى الكريم يوسف ..تحياتى و اشكرك على كلامك الطيب ...و الله حاولت اتعاون مع كم صحيفة فى السودان عبر البريد الالكترونى لانى موجود فى جدة ...بس القصة صعبة شوية لانو الناس دى روتينية شديد ..و بتعقد المسائل ..وهسه لو فى اى جريدة جادة انا ما عندى مشكلة اكتب فيها ....هيثم كابو له منه التقدير طبعا ..


#1507753 [عميرة عباس]
0.00/5 (0 صوت)

08-21-2016 09:50 PM
أتابع كتاباتك هنا فى شغف اخ مهدى . قرأت لك قصص قصيرة كثر فى هذا الموقع الرائد ..وقرأت لك مقالات فنية كانت آخرها مقالة عن الرائع الحلنقى ...والان اطربنى مقالك هذا عن الغناء ...هل لك كتابات فنية ؟ و هل سبق و تعاملت مع اى مطرب ؟...
اتمنى ان اقرا لك شيئا فى صحف بلادى السفراء ..
تحياتى

[عميرة عباس]

ردود على عميرة عباس
European Union [مهدى يوسف ابراهيم عيسى] 08-22-2016 01:17 AM
شكرا جزيلا اختى عميرة على كلماتك الحلوات .....كتبت فى عدد من الصحف السودانية ثم كففت عن ذلك لأسباب كثر ...تعاملت مع مطرب سودانى شاب يقيم فى الرياض اسمه محمد صديق ..غنى لى ثلاثة نصوص ..حاولت التعامل مع مطربين كبار فى بلادى لكن لم أوفق ...آخر واحد اتصلت به عاملنى بفرعنة غريبة و كأننى جئته متسولا هههههه....يبدو أنن أمة تفتقر للذكاء الاجتماعى ...كان الله فى العون ...لى ديوانان من شعر عامى آمل ان يريا النور قريبا ...شكرا لك ...


#1507740 [سوداني]
0.00/5 (0 صوت)

08-21-2016 09:01 PM
يا لله! ويا للروعة!

سرد كنبيذ الجنة!

من احد كبار سحرة الكلمة في السودان: المبدع مهدى يوسف ابراهيم عيسى

فشكرا جزيلا له

[سوداني]

ردود على سوداني
European Union [مهدي يوسف الراهيم] 08-21-2016 11:50 PM
شكرا صديقي سودانى . كلماتك تفتح لي كوة من أمل دائم . تحياتى .


مهدى يوسف ابراهيم عيسى
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة