المقالات
السياسة
أساس الفوضى 29
أساس الفوضى 29
08-23-2016 11:42 AM

بسم الله الرحمن الرحيم

"التَّنافر أو التَّناقض المعرفي والسلوكي أو "التّنافر أو التَّناقض الإدراكي والسلوكي"، والذي ابتدعه عالم النَّفس "ليون فيستنجر في عام ١٩٥٧، من ظواهر الفوضى الفكريَّة والتَّناقض المعرفي والسلوكي للأفراد والجماعات، وهو تناقضٌ بين ما يؤمنون به وما يمارسونه في حياتهم اليوميَّة، وهو كثير ويسود الساحات السياسيَّة والفكريَّة والثَّقافيَّة والاجتماعيَّة.
ومعناه أنَّ سلوك المرء لا يتَّسق مع الأفكار أو المبادئ أو القيم التي يؤمن بها أو يدَّعيها، أي أنَّه يعرف حقيقة شيءٍ وينادي لتطبيقه ثمَّ يقوم بسلوك معاكس ممَّا يخلق نوعاً من النِّزاع الفكري والعاطفي داخل الإنسان ونوعاً من الارتباك للمحيطين به. وإذا كان السلوك مفارقاً بدرجة كبيرة للمبادئ أو الفطرة السليمة فالنَّاس دائماً ما يتساءلون: "هل هؤلاء القوم مجانين؟"
والفرد غالباً ما يحاولُ أن يحُلَّ هذا النِّزاع بطرقٍ شتَّي حسب نوع النِّزاع، أو أهميَّته والذي قد يؤدِّي لحلٍّ صحِّيٍّ أو مَرَضِيٍّ.

ولأنَّ الإنسان خُلق مُتنازعاً بين رغباته وواجباته، فليس من الممكن أن يتَّسق الإنسان تماماً بين ما يؤمن به وما يفعله، وذلك لأنَّ للعاطفة دور رئيس في اتِّخاذ القرار النِّهائي الذي يُحدِّدُ السُّلوك.
بل حتى الأنبياء لا يخْلُون من ذلك، وما حديث المصطفي صلي الله عليه وسلَّم: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك"، إلا الوعي والإقرار بمثل هذا النَّوع من النِّزاع مع محاولة السعي للسلوك المثالي بتوخِّي العدالة المُطلقة في الممكن، وبالواقع المرتبط بعوامل ليس للمرء تحكُّمٌ فيها مثل العاطفة.

وما تعاليم الدِّين إلا منهج يستخدمه الإنسان ليفكُّ الاشتباك بين رغباته المتنافرة وأفكاره المثاليَّة وبين ترجمتها الواقعيَّة، حتى يجد حلاً مناسباً لوقف إطلاق النَّار أوَّلاً، ثمَّ التَّفاوض ثانياً للوصول لمرحلة السلام الدَّاخلي والخارجي. بمعني آخر فنحن نتحدَّث عن مسألة الأخلاق؛ فالتَّنافر بين الفكر والسلوك مسألة أخلاقيَّة في المقام الأوَّل وهو أكبر المقت عند الله سبحانه وتعالي:
" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تفعلون".
فالمقت عاطفة تنتج من تناقض الفكر، ويمثِّله القول فاللسان مزمار الفكر، مع السلوك وهو تحقيق القول واقعاً، وهو حُكمٌ أخلاقي، وكلَّما تناقصت المسافة بين القول والفعل، أي كلَّما اتَّسقا، كلَّما كانت الأخلاق الحميدة سيِّدة الموقف والعكس هو الصَّحيح.

والإنسان الذي يُلغي عقله تماماً، ويتبع عاطفته تماماً، فيتناقض فكره مع قوله، من العادة يخلق "وهماً" في ذهنه لا علاقة له بالواقع ليُقلِّص حدَّة التَّناقض، وذلك بالتبرير لسلوكه إذا فعله، أو شارك فيه، أو شاهده ولم يعترض عليه.

ومثل هذا الموقف المتناقض ينشأ أكثر لدي النَّاس مُختلِّي الشخصيَّات، أو عندما تصطدم المصالح، أو تُهدَّد غريزة البقاء، أو يكون الالتزام بالمبادئ وتطبيقها شاقَّاً على النَّفس، أو الإحساس بالغبن من طريقة مُعاملة جائرة.

وبما أنَّ هذه الظَّاهرة لا يمكن أن يتجنَّبها إنسان فالفرق هو بين وعينا بها وترصُّدِنا بها لاقتلاعها بأسرع ما يمكن؛ مثل الحشائش الضَّارة في الحديقة، أو بين أن نفعل العكس فنهملها أو حتى نرعاها حتى تُغطِّي على كلِّ الحقائق، ولسببٍ غريبٍ ما يتراءى لنا جمالها ونفعها، فنزود عنها ونتخلَّصُ ممَّن يريد أن يقتلعها.

فمستوي الوعي هو الذي يُحدِّدُ نيَّة المرء ونوع السلوك. والدِّين يرشدنا لأفضل الطُرق لاستدامة الوعي وللتَّخلُّص من الغفلة، فسمَّي طريق الرحمن الذي يدعو للتَّذكرة طريق السلام، وسمَّي طريق الشيطان الذي يدعو للغفلة طريق الخسران، وبينهما الإنسان يهذِّب ويشذِّب حديقته النَّفسيَّة بمساعدة الرحمن، والتي تعني تناسق الفكر مع العاطفة مع السلوك، أو يتركها تنمو كما تشاء أو يغرس فيها ما يضُرُّ بتزيين الشيطان.

وهناك درجات لمثل هذا التَّنافر أو التَّناقض؛ بعضها خفيف لا يؤثِّر كثيراً في حياتنا وحياة غيرنا، وهناك نوع متوسِّط، وآخر ثقيل وكلَّما زادت درجة الكثافة زادت وتوسَّعت دائرة الضَّرر واقترب المرء من درجة النِّفاق.

وقد نبَّهنا المصطفي صلي الله عليه وسلم لهذه الظَّاهرة وأساسها الإنساني والتَّاريخي:
" ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده، فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه، فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه، فهو مؤمن، ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل".

فالمصطفي صلي الله عليه وسلم يُحدِّدُ لنا صنفين من النَّاس؛ الذين يتبعون تعاليم الرحمن والذين يتبعون تزيين الشيطان، بل ويُوجب مجاهدة الصَّنف الشيطاني؛ لأنَّ للفوضى الفكريَّة الدَّاخليَّة انعكاس خارجي على المجتمع، وكما يتحتَّم على الإنسان تنظيف الحشائش الفكريَّة الدَّاخليَّة الضَّارة، يتحتَّم عليه أيضاً تنظيف الحشائش السلوكيَّة الخارجيَّة الضَّارة.
وهذه المسألة فطريَّة وتتماشى مع الحسِّ السليم، ولذلك تُوضع القوانين في المجتمعات على اختلاف مناهجها وشرائعها، ويُقبض على من يسعي للفوضى ويُسجن أو يُعدم، أي يُزاح من حديقة النَّاس لضرره.

وبرغم هذا التَّناقض بين المعرفة والسلوك، والذي هو ظاهرة طبيعيّة، يُوهم معظم النَّاس أنفسهم بأنَّهم على حقٍّ بتبرير فعلهم ويظُنُّون، نتيجة لانعدام الصِّدق مع النَّفس، أنَّ التّبرير يُعادل التَّفسير، والذي ما هو إلا نوعٌ من تشويش الوعي أو تغييبه وذلك بالتَّركيز على بعض الحُجج وإعلاء قيمتها، وتبخيس قيمة أخري ربما كانت أكثر منها أهميَّة أو أنَّها أكثر منها مركزيَّة في سياق المبادئ التي يؤمنون بها ويدعون لها.

وفي لغة الدِّين يعرف هذا المفهوم في أعلاه بالنِّفاق ويكون لمن يُظهر غير ما يُبطن أو يعبد الله على حرفٍ في حالة الخوف من نقص أو في حالة الطمع في زيادة: " ‫ومِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ‬ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ". ‬

ومثال ذلك الذين خافوا الموت من منافقي المسلمين فقالوا: " ‫وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ۚ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِن‬ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا".‬‬
والفرق بين المنافق الذي يُبطن غير ما يُظهر، وبين من يخلط عملاً صالحاً وآخر سيِّئاً: " ‫وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‬"، وآخرين خلطوا عملاً، هو الاعتراف أي الوعي بالذنب وعدم الركون إليه. ‬
إذ أنَّ المنافق يظنُّ أنَّه على حقٍّ، وأنَّه أذكي من الآخرين ويستطيع خداعهم، والآخر يعرف أنَّ سلوكه باطل ولا يُخفيه، ولكن نفسه ضعيفة ويسعي لتقويتها باتِّباع سلوك الصالحين، حتى وإن أتي فعل المفسدين.

ومثله كالفتي من الأنصار الذي كان يُصلِّي ويقرأ القرآن ولكنَّه يأتي من الفواحش ولمَّا ذكروه للرسول صلي الله عليه وسلم قال: "إنَّ صلاته أو قراءته ستنهاه يوماً وقد كان. فمثل هذا الشخص مُقرٌّ بينه وبين نفسه بطلاح سلوكه وفيه تنازعٌ، وهي حالة "العمه" التي تحدَّثنا عنها سابقاً، بحيث يتذبذب الإنسان فيها بين أمرين إلى أن يُقيِّض الله له مخرجاً طيِّباً أو قرين سوء:
"‫وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ". ‬

ومفهوم "التَّنافر أو التَّناقض المعرفي والسلوكي" يختلف عن مفهوم واجب المسلم لإزالة المُنكر إذا رآه، أو حالة الاضطِّرار للجهر بالكفر في حالة تهديد حياته فهناك فرقٌ دقيق بين المفهومين ففي الحديث الشريف:
"من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"، ففي هذه الحالة يوجد تناسق وتناغم ما بين المعرفة أو الفكر إن شئتم وبين الحكم على السُّلوك.

فالمُشاهد للمنكر يحكم عليه أنَّه منكر ويحبُّ تغييره، ومن بعد ذلك يعتمد سلوكه للتَّغيير على عامليّ القوَّة والمقدرة بعد أن تحقَّق عامل الرَّغبة في التَّغيير. فالمرء يُغيِّر المُنكر على حسب قوَّته أو مقدرته، وذلك أيضاً يعتمد على عامل المكان والزمان والإنسان.
وعليه ففعاليَّة التَّغيير تعتمد على فاعليَّة الوسائل المُستخدمة والظرف المكاني والزَّماني والإنساني المُصاحب، ويتَّضح أنَّ المؤمن القوي خير من المؤمن الضَّعيف لأنَّ: " أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ"، ولكن التَّكليف حسب الوُسع والاستطاعة كما قلنا من قبل، ولأنَّ القلب هو مناط التَّكليف فالفرق بين المؤمن القوي والضَّعيف هو مقدار الشجاعة، وهو عامل أخلاقي في المقام الأوَّل.

وعليه فإنَّ: "مَنْ حَضَرَ مَعْصِيَةً فَكَرِهَهَا فَكَأَنَّهُ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَأَحَبَّهَا فَكَأنَّهُ حَضَرَهَا"، وهذا هو الفرق الأساس بين المفهومين والذي يُوضِّحه هذا الحديث أيضاً: " إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ فِي الأَرْضِ، كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا".
وتشير إليه هذه الآية:
" منْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ؛ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ، وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‬".
فانشراح الصدر بالكفر أو المعصية هو المعيار الوحيد للتَّفريق بين المؤمن الكاره للمعصية، أو المُحبُّ لها، أي المتناغم عقليَّا وسلوكيَّاً، أو المتنافر عقليَّاً وسلوكيَّاً.

والمعني أنَّه إذا عُصي الله فيجب الإنكار والنَّصيحة، وإن حدث الإصرار فتجب المفارقة لقوله تعالي: " ‫وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ‬ "، أو على الأقل الإنكار القلبي، والذي لا يسقط أبداً، إن كان في توضيح الإنكار أو محاولة التَّغيير ضرر للمرء أو أهله؛ إن قدَّر ذلك وكان صادقاً مع نفسه.‬

وأقرب مثال يومي "للتَّنافر المعرفي والسلوكي" هو التَّدخين. فالذين يُدخِّنون يُدركون مضار التَّدخين، ولكنَّهم يواصلون عادة التَّدخين بتبرير أنَّهم لا يُمكن أن يُطيقوا الحياة بغيره، أو أنَّهم لا يُمكن أن يُطاقوا بدونه، أو أنَّه الشيء الوحيد الذي يعطيهم بعض المتعة في هذا العالم بينما يحرمون أنفسهم من مُتع كثيرة لأنَّهم يُضحوُّن بها للآخرين. وأيضاً مثل مصابي السمنة الذين يواصلون أكل الحلويَّات.

ولا زلت أذكر عندما كنت صغيراً مع والدي في طريقنا للمسجد فمررنا في طريقنا على خالة أبي للتَّحيَّة ووجدها تُدخِّن فاستهجن أبي سلوكها، وهو معروف بصرامته وتدُّينه، فقالت له: "يا ابن أختي، ما رأيك بمن توقد النَّار في نقودها؟ أليست مجنونة؟ والمجنون رُفع عنه القلم؟، فضحك أبي وذهبنا في طريقنا.

هذا الموقف التصق بذهني وأنا ابن العاشرة وفهمته لاحقاً عندما قرأت عن "التَّناقض المعرفي والسلوكي"، وعرفت أنَّ عامَّة النَّاس تُبرِّر فعلها ولكن خالة أبي كانت من الوعي بمكان، بذكائها الفطري، أنَّها سألت نفسها عن تفسير لظاهرة تدخينها ولمَّا لم تجد، لم تُبرِّر فعلها، ولكنَّها استنتجت أنَّ هذا فعل غير عاقل وليس له تفسير إلا غياب العقل وهو الجنون.
بمعني آخر فقد كانت صادقة مع نفسها ولم تُغبِّش وعيها بأوهام، ولمَّا لم تستطع فهم سلوكها؛ لأنَّه غير عقلاني فقد نفت عنه احتمال الفهم، وهو تعريف الفيلسوف كارل ياسبر، أوَّل من صنَّف محتوى أعراض المرض النَّفسي، فهو يقول: "عندما لا تستطيع أن تفهم شرح أو تفسير ظاهرة نفسيَّة فهذا يعني أنَّ الظاهرة قد خرجت من دائرة المعقول إلى دائرة اللامعقول أو الفانتازيا أو بمعني آخر الجنون.

وعليه فدرجة ضرر "التَّناقض المعرفي والسلوكي" يعتمد على درجة الوعي به، وكلَّما زاد تعتيم الوعي كلَّما زاد "التَّناقض المعرفي والسلوكي" وزاد الضَّرر، لأنَّ الفاعل يظنُّ أنَّه صاحب الحقيقة المُطلقة، أو أنَّه على حق والبقيَّة على باطل، ولذلك لا يدَّخر أي وسيلة لتنفيذ فكره حتى وإن أدَّي ذلك لتحطيم المجتمع كلَّه بلا تفرقة بينهم صغيرهم وكبيرهم، فهو يعيش في عالمه الخاص المُفارق للواقع ويري الواقع بمنظاره الخاص تبريراً سقيماً، فالجنون أوَّلاً وأخيراً هو انعدام البصيرة.

ويوضِّح المولي عزَّ وجلَّ قمَّة غياب الوعي في الآية الكريمة:
" ‫قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً‬". ‬
فالسلوك ضالٌّ والفكر مُبرِّرٌ له بظنِّ أنَّه سلوك حسن.

ولكن أخطر أنواع التَّنافر المعرفي هو الذي يسبِّب الفساد والفوضى في المجتمع وعادةً يُصيب الذين ينتمون لطائفة أو حزب يجدون في قِيَمِهِ ما يحلمون به، ويودُّون تطبيقه، ثمَّ يبذلون الغالي والنَّفيس لتحقيقه، ومع مرور السنوات تنمحي الحدود بين ذاتهم وبين ذات المجموعة، وينتقل الإيمان بالمبادئ للإيمان بالطَّائفة أو الحزب الذي التفَّ حوله النَّاس من أجل المبادئ.

وبعد ذلك ينتقل الإيمان من الحزب إلى الإيمان بقائد الحزب أو قادته، ورويداً رويداً تتلاشي الحدود بين المبادئ ومن يمثِّل المبادئ، ويصير الهجوم على ممثِّل المبادئ هجوماً على المبادئ، وهي حالة الصنميَّة الضِّمنيَّة، وتشير لعلوِّ أهميَّة الطائفة على المبدأ، ويصير الخوف عليها أو على القائد أكثر من الخوف على المبادئ التي تجمعها. وفي العادة تنتشر الشموليَّة بهدوء حتى تمسك بتلابيب الأشياء، ويصير التَّمسُّك باللوائح التَّنظيميَّة أكثر أهمِّيةً من التَّمسُّك بالهدف والمبادئ التي قامت عليها الطائفة أو الحزب، والتي تغيب عن الأنظار تحت ركام السياسة والتَّنظيم أو تُحنَّط في متحف الأفكار.
وتصير هذه الجماعات التي قامت على فكر أو على فكرة أكثر الجماعات حساسيةً للفكر، حتى أنَّ فكرة واحدة جديدة تكاد أن تقتلها، وتري درجة الانفعال العضوي كما تري نشوب الحساسيَّة في جسد شخص له حساسيَّة خاصَّة تجاه الفول السوداني مثلاً.
وتسود فيها العقائديَّة أو الدوقما على حساب الحكمة بصوتٍ عاطفيٍّ طاغٍ، وتفكير رغائبيٍّ أو خُرافيٍّ لا علميٍّ يعطي القادة صفات خارقة، أو يستخدم وسائل إقناع أو حُجج غيبيَّة لا يمكن نفيها وتعتمد على مصداقيَّة القائل.

مثل هذه الجماعات تغيب عنها حقيقة أنَّ الفكر كائن حي يضمر كما تضمر الشجرة التي يُمنع منها الماء والهواء وضوء الشمس، وينمو ويزدهر إذا عاش في حرِّية يتنفَّس هواء الفكر، ويتغذَّى من التَّفاعل الإنساني، وتنسي أيضاً هذه الجماعات أنَّ هذا الكون بكلِّ ما فيه من حياة أتي نتيجة فكر، وأنَّ صاحب الفكر المؤسِّس كان سيُغيِّر رأيه مائة مرَّةٍ لو عاش ظروفاً مختلفة أو اكتسب معارف جديدة.
فصاحب الفكر غالباً ما يكون قد غيَّر مواقفه وأفكاره خلال حياته، واحتفظ لنفسه بمساحة شكٍّ منهجيٍّ يسمح له بالمراجعة والتَّعديل، ولم يُوهم نفسه باليقين المريض الذي يحتكره من يتبعون فكره أو منهجه. أقول هذا عن الفكر الإنساني شاملاً للفهم الخاص لمنهج الأديان بواسطة الإنسان، وليس للأديان في مُطلقِ كينونتها.

وتسمع في مثل هذه الجماعات من يقول أنا لا أوافق على كذا وكذا ولكن لا أريد أن أشقَّ الحزب أو الجماعة وأُضعِفها أمام الأعداء، أو أريد الإصلاح من الدَّاخل، غافلاً عن أنَّ موقفه هو ما سيؤدِّي لإضعاف الحزب أو الجماعة عاجلاً أو آجلاً، وأنَّ الأعداء لو اجتمعوا جميعاً لن يستطيعوا أن يضُرُّوا حزبه أو جماعته بمثل ما عمل بيديه والله يقول: " ‫قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ‬ ".‬‬‬

‫ويقول أيضاً: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ"،‬ أي على المرء نصر المبدأ لا نصر الجماعة لأنَّ الجماعة إذا فارقت المبدأ لن تغنِ عنها كثرتها شيئاً وستُولِّي هاربة عند أوَّل محكٍّ: ‬‬‬
" ‫لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا‬ وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ".‬‬‬

وقد كان في صدر الإسلام موقفٌ وضع أسس الانتماء للجماعة والتَّصرُّف عند الخوف على سمعتها.
فقد سرق رجل من الأنصار يقال له "طعمة بن أبيرق" درعاً من جارٍ له ثمَّ خبَّأها عند يهودي، فلمَّا سألوا "طعمة بن أبيرق" عنها حلف بالله ما أخذها ولا علم له بها، وعندما وجدوها عند اليهودي قال بأنَّ طعمة بن أبيرق دفعها له.
وصارت قضيَّةً الحَكَمُ فيها رسول الله صلي الله عليه وسلم.
وجاء أهل طعمة بن أبيرق للرسول يطلبون أن يجادل عن صاحبهم وإلا افتضح، أي التغطية على سمعة الجماعة على حساب العدالة، فهمَّ رسول الله صلي الله عليه وسلم أن يعاقب اليهودي فأنزل الله سبحانه وتعالي: "إنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا‬".
فحكم الرسول صلي الله عليه وسلم على طعمة بن الأبيرق الذي هرب وارتدَّ ومات كافراً في مكَّة تحت جدار وقع عليه وهو يسرق من شخصٍ آخر.

هنا يُعلن الله سبحانه وتعالي عن مبدأ العدالة المُطلقة بين النَّاس جميعاً، ويُعلى من شأن المبدأ على مبدأ العضويَّة للجماعة، بل ويُعلن عن أنَّ مصلحة الجماعة لا تنفصل عن إقامة الحق، وهو المبدأ الأصل، ولا تنفصل عن الحكم برأي الله وليس باتِّباع الهوى أو الجماعة، وأنَّ الجماعة أطهر وأقوي بطرد الخائنين للمبادئ لا بالتَّغطية عليهم.

والمسئوليَّة في النِّهاية فرديَّة إن كانت للقائد أو لعضو الجماعة:
" ‫إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ ۖ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ". ‬‬‬
ونلاحظ أنَّ في هذه الآية الكريمة يقول الله إنَّ تنزيل الكتاب للنَّاس بالحقِّ وفي الآية السابقة يقول إنَّ تنزيل الكتاب للرسول بالحقِّ تبعاً للمسئوليَّة.

وتتِمُّ رويداً رويداً عملية عسكرة الطَّائفة أو الحزب وسيادة "تفكير المجموعة"، بتكاتف عضوية الحزب أو الطَّائفة حتى تصير ذاتاً واحدةً لا حدود بينها، وبسعيها للدِّفاع عن حزبها أو طائفتها حقَّاً أو باطلاً على حساب من يقول الحق.
ويُعامل الأعضاء كالجنود حتى إنَّهم يفتخرون بجنديَّتهم للمجموعة، أو بكسبهم في أرض المعارك الفكريَّة أو العسكريَّة، فيقولون "جنَّدنا فلاناً"، وحتى اللغة تشي بذلك مثل "في خندقٍ واحد"، أو الثُّغور"، أو "الطابور الخامس"، أو "الغوَّاصات"، أو رفاق السلاح، وما شابه.

وتصير الطَّاعة العمياء لها القدح المُعلَّى، وكلُّ محاولة للتغيير أو التَّطوير تُحارب بشراسة، ويُحارب صاحبها بلا هوادة ويُتَّهم بشقِّ الصَّف، ممَّا قد يؤدِّي إلى طرده تنظيميَّاً، أو تصفيته معنويَّاً أو جسديَّاً حسب تقدير خطورته. وقليلاً قليلاً يتحوَّل سبيل التَّحكُّم في الأعضاء بواسطة العمل الأمني السرِّي الذي قد يستخدم أسرار النَّاس الخاصَّة كسلاح ترويض وينتهي الأمر بأن يستولي القطاع الأمني على كلِّ موازين القوَّة.

وتراهم يُفجعون في قياداتهم إذا لم يلتزموا بالقيم والمبادئ وأَتَوا من السلوك ما لا يتماشى مع ضمير الفرد، فحينذاك ينشط التّنافر الإدراكي أو المعرفي، ويكون الخيار بين السكوت أو الاعتراض أو الخروج.
والقليل منهم من يحاول الاعتراض أو الخروج على الطائفة والحزب، ولكنَّ الأغلبيَّة يصمتون بل ويشاركون في السلوك السَّقيم مهما كان؛ حتى وإن أدَّي لسفك الدِّماء، بدعوي أنَّ الغاية العليا تُبرِّر الوسيلة، ولا بُدَّ للتَّغيير من تضحية وضحايا، أو أنَّ الواقع غير المثال، ومثل هذا السُّلوك يمثِّل ميلاد الذَّرائعيَّة أو الميكافليَّة.

وفي العادة تنشأ عمليَّة نفسيَّة مُعقَّدة بين الشَّخص والجماعة التي ينتمي إليها اعتماداً على الجهد الذي بذله، والتَّضحية التي قام بها، وعدد سنين العضويَّة، حتى لا يجد في نفسه فرقاً بين الجماعة أو الفكرة وبين هويَّته، فهو الجماعة والجماعة هو نتيجة ارتباط عضويٍّ غريب، حتى يصير الانتماء كأنَّه جلد للشخص لا بُدَّ أن يسلخه إذا أراد الخروج عن الجماعة ولذلك تسمح تعبير: "انسلخ عن"، وتعبير: "غيَّر جلده"، أو يصير عضواً لجسد واحدٍ فتسمع كلمة "يبتر"، وينزف دماً" وما شابه.
وهذه العلاقة عاطفيَّة الأساس لاعقلانيَّة كالذي يقع في الحب وبرغم تعذيب المُحبوب له يزداد تعلُّقاً به وهي علاقة غير سويَّة تُعرف بالساديَّة والخضوعيَّة.
والمأساة الحقيقيَّة تكون عندما يقضي الإنسان أكثر سنوات عمره مع جماعة ويستثمر فيها ثمَّ يكتشف أنَّه لم يكن على حقٍّ يقينيٍّ كما ظنَّ في أوَّل حياته، وهنا يشتدُّ "التَّنافر المعرفي" ويصيب الإنسان حالة من الارتباك فلا يعرف ماذا يفعل؟ ولا أيُّ هويِّة جديدة يتَّخذ؟ ويصعب عليه أن يُودِّع سنيناً من عمره ضاعت سدي كأنماَّ مات منه جزء عزيز.

والكثير من هؤلاء النَّاس قد يصاب بإحباط فينعزل أو ينتحر، أو يهرب من واقعه من خلال التَّصوُّف مثلاً، أو ينضمّ للحزب المناوئ أو يقيم حزباً جديداً، أو ينسحب من العمل العام ويقتصر على حياته الخاصَّة أسريَّاً أ مهنيَّاً، أو ينضمّ لمجموعة يري فيها طهر أيديولوجي أو عقيدي متطرِّف، أو يصل لحالة تسوية بينه وبين نفسه فيُقنع نفسه بالالتزام بالفكرة ومفارقة الجماعة التي شوَّهت الفكرة، ويظل يُعلن ويدافع عن صحَّة الفكرة والتزامه بها ونصح الجماعة التي يتَّهمها بسوء التَّطبيق أو تبخيس قيمتهم.
ولو أنَّ هذا الشخص ادَّخر وقتاً ليُراجع أساس الفكرة التي تولاها، لوجد أنَّ أكبر الخطل في الفكرة نفسها وليس فيمن يُطبِّقها، فهي في نهاية الأمر فكرة لإنسان حتى وإن كانت فهماً لرسالة سماويَّة.

ومن الأشياء التي تساعد الشخص في التَّفريق بين خطأ الفكرة وخطأ التَّطبيق هو نتيجة التَّطبيق؛ فإذا كان مثلاً التَّطبيق نتيجة لفساد المُطبِّق؛ فالسُّؤال لماذا فسد إذا كانت الفكرة تقوم على تربية المُنفِّذ أخلاقيَّاً؟ بمعني آخر يجب أن ننظر لحصيلة التَّجربة مهما علا صوت الفكرة، فإن كانت الحصيلة مُرَّةً فيكون الفساد في إحدى ثلاث مراحل وهي: جمع المعلومات، أو دراستها وتمحيصها وبناء نموذجٍ فاعلٍ وفعَّال، أو بناء قدرات المُنفِّذين علماً وسلوكاً ومهارة وخبرة.

فالذي يُصرُّ على أنَّ ما عنده هو الدَّواء الشافي الوحيد لكل أمراض المجتمع، إن كان دواءً اشتراكيَّاً، أو إسلاميَّاً، أو بعثيَّاً، رغم ازدياد مرض المجتمع بعد تناوله للدَّواء، فهو غائب البصيرة لا يهمُّه أن يموت المريض لأنَّ في نظره أنَّ المريض هو الملُوم، لأنَّه لم يستفد من الدَّواء ويستجب له، وليس الدَّواء هو أسّ المشكلة.

ويظهر مثل هذا السلوك في سياقات مختلفة وبدرجات مختلفة حسب وعي المرء واستقلاليَّته، وصفات شخصيَّته، ودرجة الطَّاغوتيَّة أو النِّرجسيَّة المرضية لديه وهو ما سنعود إليه بإذن الله عندما نلمّ خيوط المفاهيم وننسجها في نهاية المقالات في ثوب الأيديلوجيَّة.

وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي
ودمتم لأبي سلمي


د عبدالمنعم عبدالباقي علي
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1458

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. عبدالمنعم عبدالباقي علي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة