المقالات
السياسة
الشرق الأوسط الجديد .. أسرار وخفايا
الشرق الأوسط الجديد .. أسرار وخفايا
08-23-2016 12:49 PM


إشتهر الساسة الأمريكيين على نطاق واسع بأنهم أكثر الناس إستحداثاً للمفردات السياسية الجديدة، ولا غرو ، خاصة إذا علمنا أن النظام العالمي الجديد (New world system) الذي بدأت الولايات المتحدة في التنظير له وتنفيذه بصورة فعلية منذ الحرب على العراق في عام 1991م، من إنتاج معامل السياسة الأمريكية منذ وقت مبكر جداً من إنهيار الكتلة الشرقية ونهاية الحرب الباردة في 1990م، ولعل الكثيرين منّا قد يخلطون ما بين مفهومي النظام العالمي الجديد والعولمة، فشتان ما بينهما، إذ أن العولمة التي بدأت ترمي إلينا الآن ببعض ثمارها - الرديئة منها والجيدة - تعتبر أداة ضمن أدوات عدة تريد بها الدول الكبرى إعادة إنتاج دول العالم الثالث تحت وطأة الإستعمار من جديد، كما أن العولمة لا تعني هذا التقدم التكنولوجي الهائل الذي نعيشه اليوم، وإنما تعني الكوكبية أو (الأمركة)، أي إظهار كل ما هو أمريكي أو من صنع العقول الأمريكية كأنه شيء عالمي يجب ينظر إليه على هذا الأساس. أما النظام العالمي الجديد، فهو عبارة عن سياسة أمريكية تقوم على السيطرة على كل العالم تحت ذرائع عديدة ليس أقلها : كفالة الحريات العامة الأساسية للإنسان، وإشاعة الديمقراطية والحكم الرشيد، تأسيس دولة المؤسسات والقانون ..إلخ وهي سياسات تعمل بها أمريكا (نظرياً) وتخالفها (تطبيقاً) وبدأت في تنفيذها حديثاً، وإعتمدت في ذلك على المحدثين من مفكريها أمثال فرانسيس فوكوياما مؤلف كتاب نهاية التاريخ The End of history and the last man)) و صموئيل هنتنغتون صاحب كتاب صراع الحضارات (the clash of civilizations) وإريك ريفزEric Reeves) ) الكاتب والناشط في مجال الحريات وحقوق الإنسان والمختص في شئون السودان وجنوب السودان. وغيرهم ممن أوقف حياته من أجل (مجد أمريكا) وسيطرتها على العالم.
ويعتبر مشروع الشرق الأوسط الجديد أحد أهم هذه الأدوات التي يُراد إستخدامها في الوقت الراهن تمهيداً لوضع كل ما يُعرف الآن بمنطقة الشرق الأوسط تحت الإنتداب الأمريكي بالكامل، وكان شمعون بيريز رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أول من أطلق هذه المفردة قبل أن يستفيق العالم بعد ذلك على المشروع الصهيوني واليهودي الكبير والذي يقوم بتقسيم الشرق الأوسط إلى دويلات صغيرة هشّة وفاشلة بكل المقاييس. وللمصطحات السياسية أمر محيّر حقاّ! حيث أن المشروعات الكبرى التي تخطط لها الدول الكبرى في الخفاء وفي حالة من الكتمان والسرية التي تجعل من أي محالة للإفشاء بها مما يُعَدّ جريمة في خانة تهديد الأمن القومي، وقد سُمِعَ مصطلح النظام العالمي الجديد كذلك على لسان وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس في جمل قصيرة أثناء مخاطباتها ورسائلها التي قامت بتوجيهها للعالمين العربي والإسلامي أثناء توليها منصب وزير خارجية أمريكا في الفترة من عام 2005 – 2009.
إن المشروع الجديد الذي تريد له إسرائيل ومن ورائها أمريكا أن يشكل مستقبل المنطقة، لهو حلقة صغيرة ضمن حلقات عظيمة يتم تنفيذها بخبث وفي صمت مريب، وهو ما يُعرف لدى المراكز البحثية العسكرية الأمريكية بإستبدال مشروع الشرق الأوسط الكبير بآخر تحت مسماة (الشرق الأوسط الجديد)، فماذا يعني ذلك؟ وللإجابة على هذا التساؤل لا بد من الرجوع قليلاً إلى ما قبل إتفاقية أوسلو بين (عرفات ورابين) تحت رعاية الرئيس الأمريكي السابق بيل كلنتون عام 1993م، عندما كانت الدولة الفسلطينية تسعى جاهدة إلى إيجاد مقعد لها في الأمم المتحدة وتقوم بالبحث عن منابر يمكن عبرها الوصول إلى سلام مع الإسرائيليين، وهي تلك الفترة التي يحسبها الكثير من قادة العرب بداية خيانة القضية الفلسطينية على أيدي ابنائها، ففي تلك الفترة كانت فلسطين في موقفها أمام العالم أقوى من الكيان الإسرائيلي الذي بدأ كأنه الطرف الذي يرفض السلام، الأمر الذي جعل بيريز يعجّل بالتوقيع على (أوسلو) كإتفاق إعلان مبادئ بين الطرفين قابل للنقاش والتعديل.
لا يقتصر مفهوم الشرق الأوسط الجديد في الأوساط الإسرائيلية والأمريكية بالشرق الأوسط القديم الذي لا يشمل العديد من الدول في آسيا وأفريقيا، فقد عرّف المشروع الجديد المنطقة بأنها الرقعة الجيوسياسية التي تشمل ليس الشام وشبه الجزيرة العربية (الخليج العربي) واليمن ومصر وليبيا، وإنما تضم أيضاً مناطق أخرى في آسيا مثل باكستان إيران وكذلك مناطق في أفريقيا كمنطقة القرن الأفريقي وشمال أفريقيا وأجزاء من دولتي مالي وتشاد. وهذا هو ما يقصده أحد كبار المنظرين لسياسة الشرق الأوسط الجديد وهو رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي السابق شمعون بيريز كما جاء في كتابه " الشرق الأوسط الجديد ".
ولتحقيق مشروع الشرق الأوسط الجديد والذي يبدو أنه لم يقم على أنقاض الشرق الأوسط الكبير، بل المشروعان يسيران جنباً إلى جنب ويحققان ذات الأهداف ولكن بإختلاف الوسائل والتوقيت، لتحقيق ذلك إبتدعت القوى العظمى وعلى رأسها الولايات المتحدة وأوربا العجوز (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) وإسرائيل وسائل أخرى غير تقليدية للسيطرة على المنطقة، دون الدخول في حرب مباشرة قد تقضي على مواردها الشحيحة، وأهم هذه الوسائل وأكثرها فعالية خمس، وهي :
1- دعم حركات التمرد على الحكومات الوطنية القائمة في المنطقة.
2- الحدود الشفافة : وهي نظرية أمريكية تتلخص في (أن المصالح الأمريكية لا تحدها حدود ولا مفهوم السيادة المتعارف عليه عند بقية الدول).
3- الفوضى الخلاقة : بإثارة تظاهرات هادرة في تلك الدول تطالب بتغيير نظام الحكم ورحيل هذه الأنظمة السائدة، وأبرز مثال على ذلك ثورات (الربيع العربي) التي تهدف إلى خلع النظم الحاكمة بالقوة والضغط الشعبي وتدمير البنية التحتية للدول بمشاركة معارضتها وكبار (جنرلاتها) الذين يتلقون الدعم من الدول الكبرى مباشرة قبل وبعد هذه الثورات، كما تهدف الفوضى الخلاقة إلى إحداث إنقسام داخلي أو وضع الدولة في نهاية المطاف تحت (الوصايا الدولية)، وقد نجحت هذه السياسة – أو كادت – في اليمن، حيث تم تمويل (ميليشيات الحوثي) منذ زمن بعيد بهدف خلق بلبلة في الأوضاع داخل اليمن وليس لمناصرة الرئيس السابق على عبد الله صالح، بل إن صالح نفسه لو أنه في سدة الحكم الآن لتم طرده بواسطة ذات الميليشيات بدواعي محاربة الدكتاتورية والإستبداد الذي يمارسه في الحكم وإنتهاكه للحقوق الأساسية لمواطن اليمني. والشاهد على ذلك أن كل الثورات التي قامت في المنطقة لم تتدخل القوى الكبرى فيها إلا عندما كانت كفّة إنتصار الحكومات على المتظاهرين راجحة، كالتدخل إلى جانب الثوار في ليبيا، عام 2012م، فقد إستطاعت قوات العقيد القذافي الصمود أمام المد الثوري الليبي وذلك بحصر الثوار في جيوب صغيرة جداً في بعض المدن التي تبعد عن العاصمة طرابلس بمئات الكيلو مترات لولا الدعم الذي وجده الثوار من (حلف الناتو) في ذلك الوقت.
4- النزاعات الإنفصالية : وهذه سياسة أخرى مارستها أمريكا على نطاق واسع في المنطقة العربية، بل بدأت بالتخطيط لها منذ العام 1967م عندما إتحدّت الأمة العربية والإسلامية ضد الكيان الصهيوني والغرب عموماً، فقد أصدر الملك السعودي فيصل بن عبد العزيز آل سعود أمراً ملكياً بخفض إنتاج النفط وحرمان الغرب من هذا المورد المهم إن إستمر تهديد الأمة العربية من قبل إسرائيل والدول الكبرى، وهدد الولايات المتحدة بقطع النفط عنها إن هي أعطت منه نقطة واحدة للكيان الإسرائيلي في حرب أكتوبر 1973م عندما قال كلمته الخالدة والتي لا يكاد يجرؤ زعيم عربي أو مسلم الآن على قولها في وجه أمريكا : " إن أي نقطة بترول ستذهب إلى إسرائيل، ستجعلني أقطع البترول عنكم ".
5- وقد سعت الدول الكبرى إلى تقسيم البلاد العربية – على وجه التحديد – وإعادة تقسيم الشرق الأوسط على أساس إثني، كأنما أرادت أن تؤكد أن التقسيم على الخريطة الجيوسياسية الراهنة أمر فيه خطر محدّق بالغرب ومصالحه في المنطقة، أضف إلى ذلك تصاعد الأصوات التي تنادي بالدولة القُطرية العربية (حزب البعث) في سوريا والعراق أو القومية الإسلامية كما تقول بذلك جماعة (الإخوان المسلمين) في مصر. وتمويل التمرد في جنوب السودان بهدف تأسيس دولة فاشلة تعتمد على المعونات الخارجية على الرغم من أنها تذخر بالعديد من الموارد التي لا توجد في أي مكان في العالم.
لقد كانت إتفاقية (سايكس – بيكو) عام 1916م التي قسمت المستعمرات في أفريقيا والشرق الأوسط وجميع مناطق نفوذ بريطانيا وفرنسا حول العالم إلى دول مأزومة، وهو تقسيم تمّ على (موائد خضراء) لم تُراعى فيه الجغرافيا أو السكان المحليين أو مصالح المكونات الإجتماعية التي تقطن تلك المناطق، وقد أدى هذا التقسيم إلى ظهور ما يُعرف بالدولة القومية المصنوعة كتلك التي سُمّيت (أوغندا)، وقد كانت في البدء مملكة صغيرة في قلب أفريقيا تسمى (باقندا) وتربط شرقها البريطاني بغربها الفرنسي ، حيث تم أخذ أجزاء من كل من السودان وكينيا والكونغو ورواندا لتكون( أوغندا) الحالية.
في العام 1991م _ وهو تاريخ في الأدب السياسي الحديث يشكل علامة تاريخية فارقة – عند إعلان إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي، إنتبه القائمون على الأمر إلى عدم جدوى الحدود السياسية الحالية بين الدول، ولجأوا إلى العمل على إعادة التقسيم مرة أخرى على أساس (إثني وديني وطائفي). فأظهرت الخارطة الجديدة لمنطقة الشرق الأوسط كما يريدها القوى العظمى التقسيم الآتي :
1- تقسيم العراق إلى دولتين بين السنيين والشيعة.
2- دولة للأكراد بين العراق وسوريا وتركيا.
3- تقسيم فلسطين إلى قطاع غزة والضفة الغربية ودولة الكيان الإسرائيلي.
4- تقسيم مصر إلى ثلاث دويلات.
5- تجزئة السودان إلى ثلاث دويلات، وقد تم فصل جنوب السودان وتبقى فقط دولة تضم دار فور وجنوب كردفان والنيل الأزرق.
6- إعادة اليمن إلى وضعية (شمالي) و(جنوبي).
إن الحديث عن الأدوات أو الوسائل التي تتفنّن فيها القوى الكبرى في إتجاهاتها السياسية الحديثة تجاه بقية الدول الضعيفة كثرة جداً ولا يمكن حصرها ولو بإيجاز، فالسياسة كمتغيّر أصبحت من الأدوات التي تتشكل وتتبدل بحسب الظروف الزمانية والمكانية للدول، ونكتفي بهذه السياسات الغربية التي إكتوت بها منطقة الشرق الأوسط، لنتناول دولة جنوب السودان الحديثة (ميلاداً وفشلاً)، ولننظر كيف أنها صنيعة أمريكية هدفت من خلالها إلى إيجاد دولة هشة وضعيفة بإستخدام أداة (النزاعات الإنفصالية) ثم إستخدام (الفوضى الخلاقة). وقد نجحت في ذلك ونعتقد أن المرحلة القادمة حيال جنوب السودان تكون بإستخدام سياسية أخرى تسمى بسياسة (العاصفة)، ولعل المفكرين الإستراتيجيين الأمريكيين لا يريدون لدولتهم التدخل في شئون الغير دون إثارة أتربة تصلح لأن تكون مسوغ كافٍ لهذا التدخل، فالعاصفة هنا خلق بلبلة في الأوضاع الداخلية، للدول وتتعدد صور هذه البلبلة بحيث تشمل التظاهرات والإضرابات وتعزيز (روح الإحباط) في أوساط الشباب وتعزيز (الشعور بالدونية) والتثبيط بعدم جدوى (الدولة القومية). وجنوب السودان من الدول التي مرّت بكل السياسات الأمريكية التي تريد أن تسيطر بها على كل (دولة نشاز) في تقرير مصيرها وتبعيتها، كما مرت الدولة الوليدة بأزمة (الغريق) الذي يتعلق بحبال وهمية طمعاً في الخروج من الماء، وأخيراً صار جنوب السودان في مرحلة (الإفراغ الكامل) من المواطنين حيث يوجد أكثر من 3 ملايين لاجئ جنوبي في دول الجوار أغلبهم في السودان، إيذاناً بالتدخل الأمريكي التام لإستغلال موارد هذه الدولة الضعيفة الفاشلة والتي هي نتاج الفكر الأمريكي تجاه أفريقيا من جهة والدول العربية من جهة أخرى.
أما الأزمة الحالية في جنوب السودان والتي بدأت وكأنها لن تراوح مكانها أبداً، فهي من تخطيط أمريكا نفسها بدليل أنه لم يبد أي مسئول أمريكي (قلقه) تجاه اللاجئين الجنوب سودانيين في دول الجوار، وإنما تركزت تصريحات إدارة أوباما في دعوة الطرفين إلى الجلوس في طاولة المفاوضات لحل المشكلة القائمة بالطرق السياسية والتهديد بفرض عقوبات على الطرف الذي لا ينصاع لهذا الأمر.
إن إسرائيل - ومن ورائها الولايات المتحدة - لا يمكنها أن تترك جنوب السودان بعد إنفصاله لقمة سائغة لأي دولة أخرى في المنطقة مهما كلّف ذلك من تبديل إستراتيجيتها في المنطقة. فـ(المخزن) الذي تعنيه الإستراتيجية الأمريكية في إطار أمنها القومي، إنما يشمل كل من جنوب السودان كأحد أهم الدول التي يجب أن تتبع سياسياً إلى الإدارة الأمريكية مباشرة، أو ما يُعرف بنظام الوصاية الدولية.
والتساؤلات التي هي في غاية الإلحاح الآن : ما هو السيناريو الذي يُحتمَل حدوثه في جنوب السودان على ضوء الأزمة الحالية؟ وما هي الرؤية الأمريكية تجاه تلك الأوضاع؟ أي كيف تبدو صورة مستقبل السودان بعيون أمريكية..؟!!
نواصل,,،

[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2268

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




إستيفن شانج
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة