المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
أزمة القيادة في المجتمع الأبوي (2)ا
أزمة القيادة في المجتمع الأبوي (2)ا
04-10-2011 03:26 AM

أزمة القيادة في المجتمع الأبوي (2)
د. إبراهيم الأمين

في أكتوبر 1987م عقد مركز دراسات الوحدة العربية ندوة حول قيادات العرب في المستقبل... بمشاركة عدد من المفكرين العرب والندوة التي تنبأت بما يحدث الآن كانت لها محاولة للإجابة علي السؤال الآتي:
ما هو شكل زعامات المستقبل في الوطن العربي؟
ومن الأسباب التي ذكرت للتأكيد علي أهمية الندوة.. أولها الحقيقة الديمغرافية ففي العالم العربي مجتمعات شابة.. 45% من سكانه دون إل 15 عاماً...إضافة ألي أن المجتمعات العربية تمر بمرحلة تغير إجتماعي وسياسي وثقافي سريع للغاية ترتب عليه اهتزاز إيديولوجي عام لغياب حركة قائده أو تيار فكري رئيسي يشد الوطن العربي من أقصاه إلي أقصاه نتيجة لتراجع دور مؤسسات التنشئة، الجامعات وتأكل دورها والأحزاب السياسية وما تعانيه من حصار ومطاردة لقادتها بعض هذه الأحزاب أحزاب نخبة لا قواعد لها والبعض الآخر في السلطة وفي المعارضة الولاء فيه للرئيس لغياب الديمقراطية والمؤسسية.. الشباب في بلادنا اليوم يعيش في عالم تغيرت معالمه وفي مناخات فكرية حرة نتيجة لثورة الاتصالات والمعلوماتية التي لم تكن متاحة للأجيال التي سبقته وفي المقابل نجد أن المشهد السياسي والاقتصادي مختلف.. غياب القدوة علي مستوي الدولة والمجتمع سوء الإدارة، الفساد، الفقر، البطالة، ووجود أنظمة سياسية متكلسة تعيد إنتاج نفسها في مجتمعات مغلقة... المشهد اليوم بالنسبة للقيادات الجديدة مختلف عن ما كان عليه في خمسينيات وستينيات القرن الماضي في تلك المرحلة كانت الأحزاب الوطنية والجامعات والأندية الثقافية والرياضية النقابات والاتحادات الطلابية مكان طبيعي لتدريب الشباب وإعدادهم لتولي القيادة في المستقبل.. والدليل أن هذه المنظمات أفرزت عدداً كبيراً من القيادات المسؤولة والملتزمة بقضايا الناس.. إلي إن جاءت الأنظمة الشمولية التي تختلف أساليب التنشئة فيها عن الأنظمة الديمقراطية.. الهدف الأول هنا تنشئة معلبه في إطار الحزب الواحد أو الزعيم الأوحد الذي لا يعلو صوت آخر علي صوته بمحاصرة الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني خاصة النقابات وللنقابات في السودان تاريخ مشرف علي المستوي المطلبي والوطني... فهم الذين فجروا ثورة أكتوبر1964م والانتفاضة 1985م..
الأنظمة الشمولية:
الأنظمة الشمولية التي تبدأ بالانقلاب العسكري... وما يتبعه من قرارات يطلق عليها قرارات ثورية أبرزها حل الأحزاب السياسية، إلغاء الدستور.. بعدها تبدأ حملات التطهير والإحالة إلي الصالح العام والاعتقالات... والمحاكمات .. الخ هنا يتم التعويض بقيادات من المؤسسة العسكرية ومن أصحاب الولاء المطلق للنظام الجديد.. ومع غياب الشفافية والحريات والتداول السلمي للسلطة يصبح الحاكم الفرد فوق الجميع... في العهد المايوى عدل الرئيس نميري الدستور لضمان أن يظل في الحكم مدي الحياة.. دون مساءلة أو محاسبة ومن المواد التي تم تعديلها:
(أ‌) المادة 80.. نصت قبل التعديل علي أن تكون مدة الرئاسة ستة سنوات قابلة للتجديد، عدلت بأن تبدأ دورة الرئاسة من تاريخ البيعة ولا تحدد بمدة زمنية معينة..أي أن يكون نميري في الحكم مدي الحياة.
(ب)المادة 187 من الدستور.. نصت هذه المادة علي أن الهيئة القضائية مستقلة ومسؤولة أمام رئيس الجمهورية عن حسن الأداء.. عدلت للآتي:-
الهيئة القضائية مسؤولة مع رئيس الجمهورية أمام الله هنا لا مجال للضوابط والقوانين والرقابة.
(ج) المادة 191.. في هذه المادة تفاصيل صلاحيات مجلس القضاء العالي.. أما التعديل فهو أن تحال جميع صلاحيات مجلس القضاء العالي إلي رئيس الجمهورية.. أي تجريد المجلس من كل صلاحياته ليصبح مجرد وجود بلا فاعلية.
الاستمرار في الحكم لمدة طويلة مع تغيب الشعوب والمؤسسات.. وحتى العقلاء من أنصار النظام.. يزيد من الفجوة بين الحاكم والمواطنين فالحاكم الفرد عادة يثق في المطبلين وفي الأجهزة الأمنية.. ربما يفسر هذا تعاظم دور المؤسسية الأمنية في دول العالم الثالث.. في بعض البلاد أصبحت موازية للمؤسسة العسكرية وفي الأحداث الأخيرة في ليبيا تم تحجيم دور الجيش لصالح الكتائب الأمنية وهي التي تقوم هذه الأيام بالعمليات العسكرية ضد الثوار في شرق ليبيا وغربها الأولوية للأنظمة الشمولية هي حماية النظام يتم هذا بتطوير المؤسسة الأمنية التي تمتلك أسلحة متقدمة وتستخدم أساليب متطورة في الإدارة والتنظيم ولها صلاحيات واسعة في أكثر من مجال الأمن الاقتصادي..الأمن الإعلامي.. الأمن الاجتماعي إضافة إلي دورها الرئيسي وهو الحفاظ علي الأمن الداخلي.. التوسع المستمر في دور وصلاحيات المؤسسة الأمنية أفرز قادة جدد\"النخبة الأمنية\" مثلما حدث للمؤسسة العسكرية.. لهذا لم يعد جهاز الأمن مجرد آلية لجمع المعلومات وتحليلها... ففي ظل ما حدث من متغيرات كانت كلها تصب في صالح المؤسسة الأمنية أصبح لها صوت مسموع وقدرة علي التأثير علي مواقع إتخاذ القرار بمختلف مستوياته.. ولها علاقات واسعة ومعقدة مع مؤسسات شبيه وحركات معارضة علي مستوي الإقليم والعالم.. وفي التصريح الذي أدلي به الفريق صلاح قوش بعد أحداث 11سبتمبر ما يؤكد هذا.. إذ قال: إن جهاز الأمن تمكن من حماية البلاد من كوارث كبيرة بعد أحداث 11سبتمبر.. ومن الهجمة العشوائية الكاسحة للإدارة الأمريكية علي كل ما هو إسلامي.
في الفترة الأخيرة بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي وإنفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم.. حدث تغير ملفت في علاقات أمريكا بدول الشرق الأوسط في الماضي كان الاهتمام منصباً علي المؤسسة العسكرية التي تراجع دورها في هذه الدول مع ذلك لم تجد أمريكا صعوبة في تحديد البديل ففي واحدة من زياراتها لمصر اجتمعت كونداليزا رايس وزيرة خارجية أمريكا السابقة بقيادة الأجهزة الأمنية في مصر والأردن والسعودية والإمارات..!!هنا يبرز سؤال هام هو لماذا تهتم الولايات المتحدة بالأجهزة الأمنية في هذه الدول.
... المؤسسة الأمنية نتيجة للتطور الذي حدث فيها هي الأكثر حداثة مقارنة بمؤسسات أخري والأكثر قدرة علي التعامل مباشرة مع مختلف القضايا... في السودان بعد الانفتاح النسبي لعبت المؤسسة الأمنية دورا أساسيا في إضعاف الأحزاب السياسية وتفكيكها بلعبة زكية.. استغلت فيها حالة التوهان التي تعيشها هذه الأحزاب لذلك نجدها ممسكة بكل الخيوط وعلي معرفة تامة بكل ما يحدث داخل هذه الأحزاب.. البعض يتحدث عن اختراق الأحزاب وهي مرحلة تجاوزها الزمن فالمعلومات عن هذه الأحزاب متاحة للعامة وفي الشارع العام أما الجديد فهو أن بعض العناصر التي تتولي مواقع داخل هذه الأحزاب ولها طموحات لا تتناسب مع ما تتمتع به من قدرات متواضعة لها قابلية أن يتم التلاعب بها.
هؤلاء بوعي أو بغير وعي هم الأداة الجديدة للتحكم في مسار الأحزاب.. وفي دمارها بعد نجاحها في هذه المهمة انتقلت المؤسسة بعد اختيار الفريق صلاد قوش مستشاراً لرئيس الجمهورية إلي مرحلة جديدة.. أهم معالمها وضع إستراتيجية قومية بمشاركة واسعة للأحزاب السياسية.. وما تعرض له اللواء حسب الله عمر من حملة شرسة فيها ما يؤكد.. أن هناك من لا يريد ومن داخل النظام بأن تعطي المؤسسة فرصة إفراز قيادات أمنية كما يحدث في دول كبري.. النظام السوفيتي سابقاً أفرز أشخاصاً لعبوا دوراً أساسيا في الحياة العامة مثل أندروبوف وبيوتن الذي وصل إلي رئاسة الدولة..وما زال له نفوذ في قراراتها ومع وجود رئيس أختاره هو وفق المعايير التي تمكنه من التحكم في الرئيس الجديد ومن أن يحكم من وراء ستار.. وفي أمريكا قبل أن يشغل بوش الابن منصب رئيس الجمهورية كان رئيسا لوكالة المخابرات الأمريكية.. السؤال هنا علي ضوء ما حدث في مصر وتونس وليبيا ولا يوجد بلد محصن مما حدث في هذه الدول من هم قادة المستقبل في السودان؟... خاصة والسودان اليوم في مفترق الطرق.. ففي التقرير الذي صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية عن الحالة السودانية ضمن عدد من التقارير أصدرها المجلس عن حالة الأمةالعربية2007- 2008م ثنائية التفتت والاحتراق تحدث التقرير عن عجز النخبة السياسية وعن تأكل الاستقرار والتنمية في السودان .. وأشار إلي الطبيعة البنيوية للأزمة السودانية وعجز النخبة في إدارتها، مع تأرجح ميزان القوي المصاحب لفترات الانتقال من الحرب إلي السلام ومن نظام إلي آخر.. ساهمت مع عوامل أخري في هشاشة الترتيبات الدستورية والسياسية بل وفي فشلها أيضا وهو ما أكده عجز الحكومات في تحقيق مهامها الوطنية وتزداد المهام الوطنية صعوبة بمرور الوقت.. فالأنظمة الشمولية والعسكرية تبدد الموارد القومية وتعبث بعوامل الوحدة والتنمية وتضيق الخناق علي القوي الديمقراطية أن لم تقم بتصفيتها وتخلخل النسيج الاجتماعي فيتآكل الرصيد التراكمي للوحدة وللديمقراطية وللثقافة المدنية والتعايش السلمي.. وللمفكر محمد أبو القاسم حاج حمد تفسير لما وصلت إليه البلاد في ظل الإنقاذ فهم في نظرة أي قادة الإنقاذ لم يستوعبوا مشكلات السودان وتكوينه التاريخي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي والفكري ومركزه الجيوسياسية بالنسبة لدول الجوار.. وأضاف أنهم يسبحون عكس التيار دينياً وحضارياً باتجاه زمان ومكان متعاكسين.. والنظام عنده لا يستطيع أن يستمر ضمن مركبات الواقع السوداني والإقليمي والدولي..فمهما أمتد به الزمن سيظل غارقاً في المشاكل، يتخبط في الاختيارات وينتج مزيداً من الأزمات، يظل يدور في حلقة مفرغة وقد ينتهي به الأمر\"لحياة إكلينيكية اصطناعية.. تتطلب (إنقاذا) \" متجددا عبر القلب والدم وهي حالة محكوم عليها بالموت الطبيعي بعد محاولات الإنقاذ الاصطناعي.. وما ينتج عن ذلك هو المزيد من استنزاف موارد البلاد وقهر المزيد من العباد ومعاناة العزلة والانهيار وبروز كافة ظواهر التمزق الداخلي والفوضى وهذه أوضاع يحزوها النظام كما تحزوها المعارضة نفسها والخاسر هو السودان.. كان هذا قبل ثورات الشباب التي غيرت مسار الحياة في مصر وتونس وليبيا واليمن وهي تيار جارف لكل القوي الرافضة للتغيير في كل دول المنطقة.. لذلك يجب أن ينتبه الجميع بأنه لا توجد دولة واحدة محصنة.. فالشباب قادمون... قادمون بقوة وفي ثوب جديد.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1108

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. إبراهيم الأمين
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة