المقالات
السياسة
غزوة وسائط الميديا بسواعد (الإخوان المسلمين).
غزوة وسائط الميديا بسواعد (الإخوان المسلمين).
08-26-2016 12:12 PM


كإشارة لإكمال كافة إجراءات وترتيبات فرض سيطرة (جهاز) المؤتمر الوطني (للأمن والمخابرات) على وسائط الإعلام، المقروءة والمسموعة والمشاهدة منها، و لإعلان بسطه وإحكام قبضته عليها، بثت الفضائيات السودانية المتناسلة، طوال شهر رمضان المنصرم، برامج عديدة شاركت في تقديمها وجوه قديمة معروفة، و أخرى جديدة (لشباب تعرفهم بسيمائهم أيضا) غزوا كالجراد وسائل و شبكات الميديا ومنها شاشات التلفزة، و احتلوها وانتشروا فيها (بفضل التمكين) لمواصلة تفريخ إعلام لا يكف عن ترديد (صوت سيده). و أنتج تمكين اعلام الأيديولوجيا، برامجاً سمته الظاهرة هي دس خط أصحابها الدعائي (الايديولوجي) المروِج لفكر الجماعة و برنامجها السياسي، في (ظاهر) مادتها الدينية. نذكر منها مثلاً، حلقات برنامج سواعد الإخاء في فضائية النيل الأزرق، و المراد بها (في راجح تقديري) سواعد الإخوان المسلمين. و أسباب هذا الترجيح هي: أولاً: أن ضيوفه الثابتين على مدى حلقاته الممتدة بامتداد أيام الشهر الفضيل هم كوكبة من أعلام الاسلامويين المعروفين كالدكتور عصام أحمد البشير، أحد رموز و قياديي تنظيم الإخوان المسلمين في السودان و رموز أخرى من قيادييه في غيره. وثانياً: أحاديث المشاركين في حلقاته، لم تخرج من الترويج لأيديولوجية التنظيم، وعرض برنامجه و أنشطته وتجاربه. و ثالثاً: اصطفافهم في الشاشة جلوساً، و إلي جانبهم يرفرف علم لا يختلف برموزه و خطوط كتاباته المعروفة في شيء عن علم تنظيم دولة (الخلافة المتوهمة) الذي يشاهده الناس، في فضائيات العالم عقب بثها أنباء جز رءوس ضحايا ما يعرف بتنظيم الدولة الاسلامية (على الطريقة الداعشية) التي ينفذها منسوبيه في حق الأسرى بالقطاعي (حيناً) أو الجملة (أحياناً).
و لا غرابة في نظرنا، في اصطفاف رموز الإخوان المسلمين، بمختلف تسمياتهم، تحت الراية الداعشية، و لو فعلوا غير ذلك لأثاروا دهشتنا، لأننا على يقين تام، بأنَ باطل تخريجات منظريهم (المودودي والبنا وسيِد قطب)، هي (الحاضنة الأولى والتأسيسية لأيديولوجيات التكفيريين من داعش و القاعدة و غيرها من تنظيمات غلاة متطرفي و متشددي الاسلامويين). و جوهر تلك التخريجات، هو تكفير المجتمع واعتزاله و محاربته، على أساس من التمييز الأيديولوجي بين الناس، على سند من وهم الاعتقاد، بأن الدين يأمرهم بذلك. و انتهت بهم أيديولوجتهم، كنتيجة موضوعية لهذا المنطق الشاذ والمعوج، إلي تقسيم المجتمع إلي فئتين: الأولى تشمل المسلمين، و هم (في تعريفهم) من ينتمون إلي تنظيمهم أو يؤيدونه حصراً، و الثانية تشمل الكفار وهم من لا يشملهم تعريفهم للفئة الأولى، أي كل الناس بمسلميهم وغيرهم، ممن يعتبرون - في نظرهم - في ضلال و جاهلية القرن العشرين الجهلاء. و يترتب على هذا التقسيم والتمييز الأيديولوجي، اعتقادهم بحق الفئة الأولى، في جبر و إكراه الثانية وحملها على مراعفها و حتف أنفها - بحد السيف - إلى اعتناق أيديولوجيتهم بزعم أنها حصراً صحيح الاسلام، وإلا فالقتل والإبادة. و تطبيقاً لهذا الوهم الأيديولوجي، يحدث ما نراه اليوم، من مجازر يسرف فيها الداعشيون، في سفك دماء واسترخاص حيوات، من يخالفونهم الرأي والتفكير و الاعتقاد السياسي، بدعاوي باطله بحقهم في إهدار دماء و إزهاق أرواح و محق وجود مخالفيهم، تحت ذريعة أكثر بطلانا، هي وجوب ذلك دينياً. و تحفل أحداث التاريخ (قديمه وحديثه) بالعديد من ترهات و أباطيل أصحاب مثل هذه الدعاوي الشاذة، لتبرير التمييز بين الناس، بسبب الدين أو العرق أو الثقافة أو اللغة ... الخ، ليأسسوا من فوقها دعاوي حقهم في إنكار حقوق المختلفين معهم و اضطهادهم و إذلالهم ( وحتى قتلهم).
و نشير في مقالنا هذا، إلي نموذجٍ آخر من التمييز، ماس بإنسانية الإنسان و حاط بكرامته و مهدر لآدميته، لا يتحرج الإسلامويون من تبنيه. ففي إحدى حلقات برنامج (سواعد الإخوان) قال الدكتور عائض القرني: أن الرسول (صلى الله عليه و سلم) قد افتقد يوماً جارية (سوداء) كان تداوم على تنظيف المسجد. فسأل عنها فقيل له أنها توفيت قبل شهر، أو نحو ذلك، فذهب الرسول (ص) ومعه الصحابة إلي حيث دفنت و قرأ على روحها الفاتحة و دعا لها .... إلخ.
تقدير الرسول "عليه الصلاة و السلام"، للجارية و إكرامه إياها بزيارته الكريمة لمرقدها، يعطينا نموذجاً لخلقه العظيم، وتأديبه الرباني، كما وصفه الخالق عزَ و جلَ، في القرآن الكريم، كما يجسِد حرصه (عليه السلام) على تمثيل القدوة الحسنة في التطبيق الأمثل لمبادئ أرستها نصوص رسالته، ونكتفي منها بقوله تعالى: "و قد كرَمنا بني آدم" والحديث الشريف: " لا فضل لعربي على أعجمي" و "الدين المعاملة"، كما يجسد فعله (ص)، و يتسق فعله تماما مع عرف عنه، من كريم الخصال و الشمائل، منها طيبة القلب وسخاء النفس و المروءة و حب مناصرة الضعفاء، وهي صفات مشهودة و معروفة عنه. و لكن يبدو أن كل صفاته وشمائله النبوية تلك، لم تكن محور تلميح عائض بإشارته، بل كان محورها ما لقيته هذه الموصوفة بالـ (سوداء) من معاملة كريمة. و في اعتقادنا أنها لو لم تكن سوداء لما خطر ببال عائض نقل ما نقله، من "السنة الفعلية". و يعَرِفْها الفقهاء، بأنها هي المأخوذة من أفعاله ( عليه الصلاة والسلام)، لا من أقواله. و يستنتج من ذلك، أن مصدر لغتها و صياغتها بمفرداتها وعباراتها وجملها، هم رواة الحديث، أو من نقلوا عنهم من متأخري الفقهاء. وعليه فإن ما (يطرب له قلب الدكتور عائض وصحبه)، من تمييز الجارية و وصفها بالـ (سوداء) ينسب إليهم، وهم وحدهم مصدر ذلك الوصف الذي لم يأت مصادفةً أو اعتباطاً بل هو مقصود لذاته لما احتشد فيه من تمييز عرقي واجتماعي، ينضح بحمولات كثيفة الدلالة، نهى الإسلام عنها بنصوص صريحة وقطعية الورود والدلالة، أصبح معها المنهي عنه (معلوماً من الدين بالضرورة). وعلى الرغم من ذلك، تعذَر على بعض المسلمين الأوائل، بمن فيهم بعض كرام الصحابة، التخلص من شبهة التورط فيه. ولا تدري كيف، وقع مثل هذا النهي عن التمييز، دبر أذن هؤلاء!. أما (عائض وصحبه) فلا يرون - كما لاحظنا - حرجاً في ترديد وصف الجارية (بالسوداء)، دون أدنى اكتراث لما انطوى عليه الوصف من دلالات، مستترة في التعبير، تفضحها إيحاءات ظاهرة و جلية (تكاد تقرع بأجراسها الآذان) - وهي عبارة اصطكها أستاذنا القاضي العالم الراحل هنري رياض سكلا في وصف الحيازة الظاهرة - و يمكن استنطاق مضمون تلك الإيحاءات، لتقرأ: أن هذه (الجارية السوداء) التي لا تستحق أصلاً أن يلتفت لحضورها أو غيابها أحد قد اهتم بغيابها الرسول عليه الصلاة والسلام فسأل عنها وزار مرقدها وقرأ على روحها الفاتحة .. إلخ الرواية. فإن عجز "بيضان" الاسلامويين ( ممن سيطرت عليهم ذهنية الاستعلاء العرقي)، عن نهي النفس عن المنهي عنه ديناً، فإنه من الطبيعي والمنطقي، ألا تعصمهم قيم الاسلام السمحة، من المجاهرة باستكثارهم حق السوية البشرية، على من أسموهم بالـ "سودان"، لا لشيء سوى سواد بشرتهم. و يذكرك هؤلاء بطلقاء مكة الذين وصفو الصحابي الجليل بلال، بالغراب الأسود، سخريةً منه، فنزلت بسبب ذلك الآية "لا يسخر قومٌ من قومٍ، عسى أن يكونوا خيراً منهم، و لا نساء من نساء ... إلخ الآية". ولا فرق في تقديرنا بين أولئك الطلقاء، و هؤلاء الاسلامويين و!. فلا غرو إذن، أن يتبع تفكير، رموز الإسلام السياسي - سدنة الأبارثايد الديني والعرقي - خطو أولئك "البيضان"، كوقع الحافر على الحافر، مع تعمد الالتفات والازورار عن أحاديث للرسول (ص) ناهية عن التمييز العرقي، كقوله :" لا فضل لعربي على عجمي و لا لأبيض على أسود إلا بالتقوى"، أو وصفه المسلمين ، بأنهم "سواسية كأسنان المشط". كما لا عجب أن يغفلوا عمدا حقيقة أن الرسول (ص) لم يكتف في المساواة بمحض قوله الكريم هذا، بل ربطه ربطاً محكماً بعمله الأكرم فآخى بالفعل في دولته بين المسلمين. وبدأ بمؤاخاة و مساواة المستضعفين والأرقاء في أدنى السلم الاجتماعي، قبل الإسلام، كعبد الله بن مسعود و بلال وعمار و خباب بن الأرت وصهيب الرومي وغيرهم، من جهة وعلية القوم من تجار قريش و ارستقراطيتها قبل البعثة، كأبي بكر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم، من جهة أخرى. و في تقديرنا، أنَ هذه المساواة (بالذات) هي التي أوجفت قلوب الملأ من الارستقراطية القرشية، بتهديدها العاصف لمداميك أوضاع سيادتهم وهيمنتهم، وزلزلتها لأرضية مرتكزات امتيازاتهم الاجتماعية الاقتصادية. ثم انتهى نبي الإسلام (عليه الصلاة والسلام) بمؤاخاة المهاجرين (الفارين بدينهم الذي ضحوا من أجله بوطنهم و ديارهم و أملاكهم) مع الأنصار (أهل يثرب و ملاك حقولها وبساتينها وتجارتها). وتحدثنا المصادر أنَ الإيثار ونكران الذات، بفضل سوية الإخاء والاندماج والتضامن بينهم، قد بلغا ذروتيهما و مداهما، حتى ملَك أحد الأنصار نصف ما يملكه لأخيه المهاجر ( وهو الصحابي عبد الرحمن بن عوف على الأرجح)، و لم يقف عند ذلك، بل أشار عليه أن يعيَن له من نسائه من يريد اتخاذها زوجة له حتى يطلقها فوراً ليقترن بها.
و لم يكتف الاسلام بالمساواة بين الناس، على المستوى النظري فحسب، بل طبق تلك المساواة على أرض الواقع بإلغاء كافة الفوارق الاقتصادية الاجتماعية بينهم، و بمعاملتهم دون أدنى تمييز، كأصدق ما يكون تطبيق المساواة عملياً. و لعل في ذلك تفسِير كاف لظاهرة جذب دعوة الدين الجديد فقراء ومستضعفي مكة (كبلال وياسر وسمية - أول شهيدة في الإسلام - و ابنهما عمار وابن مسعود وصهيب الرومي وخباب بن الأرت وغيرهم) و اندفاعهم إلي المسارعة لاعتناقه، ضمن من عرفوا بالسابقة، وثباتهم و صمودهم في وجه الاضطهاد والتعذيب وتحمل العبء الأكبر منه بسبب تمسكهم به، ثم استماتهم في الدفاع عنه، واستبسالهم استبسالاً أسطورياً، تحت آلة التعذيب الجهنمية، التي نصبها لهم الملأ، وهم سادة قريش، الذين توهموا أنهم باستهداف هؤلاء المستضعفين إنما يوجهون ضربتهم القاضية لأضعف حلقات الحلف الاسلامي النامي. و لكن خاب ظنهم فالمستضعفون ازدادوا بصمودهم جسارة وصلابة، فكان انتصارهم ملهما للمزيد من الجلد والتماسك وحافزاً لهم للبلاءِ بلاءاً حسناً في القتال مع غيرهم من أجل نصرة دين الحق ونشره لاحقاً و الزود عنه و الدفاع عن راياته. توق المستضعفين من فقراء مكة وكادحيها وأرقائها، إلي الحرية والانعتاق والكرامة أرشدهم ودلهم على أن خلاصهم في ثباتهم و صمودهم مهما كلفهم ذلك من تضحيات، لن يخسروا معها شيئاً سوى أغلالهم و أصفاد قيودهم، فأعطوا ببسالتهم و جسارتهم البشرية ـ ضمن من سبقوهم في التاريخ على الطريق الدامي الطويل إلي الحرية والانعتاق من لدن سبارتاكوس حتى يومنا الحاضر- درساً بليغاً بأن المقاتل من أجل الحرية و الكرامة، لا يخسر بنضاله سوى أغلال سلاسله التي يرسف في أسر قيدها.
و نخلص مما تقدَم، إلي أنَ التبشير بالمساواة و العدالة الاجتماعية، لم يكن حكراً، للفلسفات الإنسانية الرفيعة، بل سبقتها إلي ذلك الأديان السماوية ، وفي مقدمتها الاسلام، و قد دعى وحضَ إليها في مبادئه ونصوصه الأسس. و نذكر منها، مثالاً دون حصر، حض القرآن الكريم، على كفالة المساواة والعدل بين الناس و ضمان وصيانة كرامة الانسان وتحرير الانسان من الحاجة والفقر، و وجوب إطعام المسكين، و وعده الذين يراءون ويمنعون الماعون و لا يحضون على طعام المسكين بالويل، و كذلك تقريره أن في الأموال حق معلوم للسائل والمحروم، و وعده بإثابة الذين في أموالهم ذلك الحق، و غيره كثير. أما الحديث الشريف فقد نص على الشراكة في المال والثروة لقوله (ص) :(الناس شركاء في ثلاث: النار والكلأ والماء). علماً بأن الكلأ والماء كانا يمثلان أهم مصادر، ما نعتبره بلغة اليوم، رأس المال و تراكم الثروة في بيئة جزيرة العرب الرعوية التي شكَلت فيها تربية الأنعام أهم نشاط اقتصادي. إذن فمصادر التشريع الاسلامي الأسس تشتمل على نصوص أحكام قاطعة الدلالة على شراكة فقراء و مستضعفي المسلمين في أموال أغنيائهم وميسوريهم كـ (حق) ديني و دنيوي، يحق للأوائل مطالبة إلزام الأخيرين به. و هل تعني الدعوة إلي الاشتراكية شيئاً سوى المناداة بحق جميع الناس في المشاركة في المال و أهم مصادر الثروة؟؟. و في واقع الأمر أن انحياز دين الاسلام ورسوله الكريم للفقراء والمستضعفين لا تخفى أدلته وبراهينه، إلا على أعمى بصر وبصيرة و (كفيف إنسانية) على قول صديقنا الراحل حميد.
و يخلو، فيما نعلم، كتاب تاريخ البشرية، من أية اشارة إلي أنه، أي التاريخ، قد عرف قبل البعثة النبوية الشريفة مثل الذي حققه الاسلام من مساواة بين الناس وإخاء وتعاضد طبقي واجتماعي قوي وراسخ، ساد على أوسع نطاق في تكوين اجتماعي كبير، و لأول مرة، بعد اضمحلال وتفسخ التشكيلة الاجتماعية - الاقتصادية المشاعية، الموصوفة بالـ "الشيوعية البدائية" بدلالة ملكية الموارد والخيرات على الشيوع. و هي بحسب النظرية الماركسية، إحدى التشكيلات الاجتماعية - الاقتصادية الخمس التي مرَت بها المجتمعات (محل بحث و دراسة فلاسفتها) في مراحل تحولاتها في مدراج التطور. وتذكر المراجع أن كارل ماركس، كان قد أشار، في واحدة من رسائله إلي فردريك إنجلز، إلي ظاهرة انتفاء ملكية الأرض (مصدر كل الثروات)، في تاريخ شعوب الشرق، فعبَر عن أسفه وحسرته، على عدم إيلاء تاريخ شعوبه ما يستحق من اهتمام ودراسة. وعلى أي حال، فإن عدم تغطية بحثهما ودراستهما منطقة الشرق و انحصارها في مناطق بعينها من أوربا القديمة وغيرها، قد يسم النظرية و محصلة بحثها و نتائجها النهائية، بالنقص و القصور، شأنها في ذلك، شأن أي جهد بشري محدود، ولكنه لا ينفي أو يلغي أو يغيِر من حقيقة أن مجتمع صدر الإسلام ، كان أول مجتمع كفاية وعدل ومساواة اجتماعية، بعد غروب شمس الملكية الجماعية، وظهور الملكية الخاصة، وانقسام المجتمع إلي طبقات متصارعة و متناحرة، يستغل بعضها البعض الآخر، ويستثمر قوة عمله و جهده ويستأثر بريعهما.
و تفيض المراجع والمصادر بنماذج تدل على أن الايمان بضرورة وحتمية العدالة والمساواة قد بلغ مبلغاً جعل أولي الأمر من صحابة رسول الله (ص) و خلفائه يتمسكون بها ضمن تمسكهم بجوهر معاني الشرع ومقاصده الكلية، ولو خالفت مباني نصوصه و شكليات تطبيقاتها الحرفية. فظهر ذلك التطبيق المبدع و العبقري الفريد لمقاصد جوهر نصوصه الشرع الكلية، الذي اشتهر به الخليفة الراشدي الثاني، سيدنا عمر(رضي الله عنه)، بصفةٍ خاصةٍ، رغم أن ذلك لم يكن وقفاً عليه، بل سبقه إليه الخليفة الراشدي الأول سيدنا أبوبكر (رضي الله عنه) بتطبيقه في تقسيم الأعطيات على محتاجيها فلم يفرق بين المسلمين في العطاء على عهد خلافاته فساوى بين من سبق إلي الإسلام وغيرهم والأغنياء والفقراء والرجال والنساء و الكبار والصغار و السادة ومواليهم. يخبرنا ابن الطقطقي أن ظروف المسامين المالية والعامة في عهد أبي بكر لم تكن تتطلب ديواناً على الإطلاق، فما كان يغنم في المعارك كان يوزع، كما يقتضي العرف، بالتساوي بين المقاتلين، بعد رفع الخمس للخليفة. أما النزير الذي كان يصل المدينة، فكان يوزع مباشرة على فقراء المسلمين و محتاجيهم. (ابن الطقطقي ص 101).
وتجمع المصادر على أن أبا بكر وزَع على المسلمين بالتساوي المطلق، دون تفريق بين رجل و امرأة، أو شاب وعجوز، أو عبد وحر، أو قديم وحديث في الإسلام. (البلازري ، فتوح البلدان ص 540، السيوطي، تاريخ الخلفاء ص 30 ... إلخ).
يقول صاحب كتاب الخراج (ص 24) أن بعض الناس جاءت إلي أبي بكر وطالبته بالكف عن هذه المساواة في العطاء، وبتفضيل الناس في العطاء وفق الفضل و السابقة في الإسلام فكان جواب أبي بكر:"أما ما ذكرتم من السوابق والقدم فما أعرفني بذلك، وإنما ذلك شيء ثوابه على الله جل ثناؤه وهذا معاش فالأسوة فيه خير من الأثرة). ثم تلا سيِدنا أبوبكر، في ذلك الخليفة الراشدي الثاني عمر بوقف تطبيق حد السرقة، في عام الرمادة، وإلغاء سهم المؤلفة قلوبهم بعد انتشار الإسلام وازدياد قوة و منعة المسلمين حتى أصبحوا في غنى عن تأليف القلوب المشركين. ومن الواضح من أقوال وأفعال الراشدين الأول والثاني، و معاصريهم من الصحابة أنهم قد استصحبوا، تحقيق مقاصد الشرع الكلية، في تبريرهم جواز تطبيق النص حسب مقتضيات تغيرات الزمان والمكان والظروف و منها جلب المصالح و درء المفاسد، وغيرها من مستخلصات القواعد الشرعية، نذكر منها، مثالاً دون حصر: "أنَ الأحكام تدور مع أسبابها وعللها وجوداً وعدماً" و "الضرورات تبيح المحظورات". كما نذكر من مأثور أقوال الصحابة عليهم رضوان الله في هذا الصدد، قول الإمام علي: " إذا جاع المسلمين فلا مال لأحد"!. و قول الصحابي أبي ذر الغفاري: "عجبت لمن لا يجد قوت عياله فلا يخرج على الناس شاهراً سيفه"!. تنزيل النص، وتطبيقه على نحوٍ يختلف عن حرفية أصله (حيناً) أو يخالف سابق تطبيقه (أحياناً)، على الواقع المتغيِر بحسب مقتضيات ومتطلبات مستجدات تغييرات الزمان والمكان والظروف، على نحو ما رأينا أعلاه في نموذجي الراشدين الأول والثاني (رضي الله عنهما)، مثَل و جسَد ما يعرف في علم أصول الفقه بتغيُر الأحكام مع تغيُر الزمان والمكان، و هو ما أدرجه المفكر الراحل الدكتور نصر حامد أبوزيد، في تعريفه لتفاعلات جدل ثلاثي: (النص الثابت)، ومتلقيه وهو (العقل الانساني المبدع)، و (الواقع المتغيِر)، ثم أخضعه، في معظم مؤلفاته، للتقصي و الفحص و الشرح الوافي والمستفيض.
و نخلص من كل ذلك، إلي أن الاشتراكية بوراف ظلال مساواتها، و سماحة عدالتها الاجتماعية ، كانت و ما زالت وستظل حلم وأشواق الفقراء والمستضعفين الكادحين في الأرض كدحاً ليلاقوا مجتمعاً انسانياً، خالياً من الاستغلال و الظلم و الاضطهاد، وتسوده المساواة و العدالة والسلام والإخاء الانساني. ولذلك فهي تستحق أن يبذل لها الانسان، فكره و عمله ونضاله، و تستحق (إن دعا داع الفداء) أن يفديها بدمه وعمره و مهجته، لأنها أقيم و أنبل و أرفع ما قدحت في أذهان خيرة المفكرين والفلاسفة، ليس هذا فحسب، بل سبقتهم إليها الرسالات السماوية، وفي مقدمتها دين الاسلام، و نقصد به، نصوصه في مصادر تشريعه الأسس وهما القرآن الكريم و السنة النبوية، لا غيبوبة (ايديولوجيا) ظلاميي الاسلام السياسي، من إخوان مسلمين وتكفيريي القاعدة و داعش وبوكو حرام وغيرهم من ورثة أيديولوجية تجار بني أمية و من يمثلون الامتداد التاريخي لطواغيت حكامهم كمعاوية وعمرو بن العاص وبسر بن أرطأة وزياد بن أبيه والحجاج بن يوسف.


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1816

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1510489 [agadir]
0.00/5 (0 صوت)

08-27-2016 08:28 AM
هذه النتف و المحفوظات المنتزعه من 1400
عام للاستدلال على نمط يتصوره مجتزئى مثل هذه
المحفوظات التى نسمعها فى حطب الاعياد و الجمع
هى ايضا دليل دعائى لبرنامج زنيم يتبناه هؤلاء
و الكاتب دون قصد يردد معهم و يصححهم فى الانتقاء
يتخيرون ايضا من القران ما يتناسب كانهم فى سوبرماركت
الذين يتخيرون جعلنا باسخم بينهم شديد
الجاتنا جاتنا من الارض
ما جاتنا من تال السما

[agadir]

#1510262 [قاسم]
5.00/5 (1 صوت)

08-26-2016 02:54 PM
و لم يكتف الاسلام بالمساواة بين الناس، على المستوى النظري فحسب، بل طبق تلك المساواة على أرض الواقع بإلغاء كافة الفوارق الاقتصادية الاجتماعية بينهم، و بمعاملتهم دون أدنى تمييز، كأصدق ما يكون تطبيق المساواة عملياً........
و نخلص مما تقدَم، إلي أنَ التبشير بالمساواة و العدالة الاجتماعية، لم يكن حكراً، للفلسفات الإنسانية الرفيعة، بل سبقتها إلي ذلك الأديان السماوية ، وفي مقدمتها الاسلام، و قد دعى وحضَ إليها في مبادئه ونصوصه الأسس......

طيب الرق كيف ... هل تم الغاؤه ؟ و لماذا نجد آيات مثل : (الحر بالحر و العبد بالعبد ...) و (ما ملكت أيمانكم) و الأحاديث (ايما عبد أبق عن مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم) .... و ماذا عن أسواق الرقيق بمكة و المدينة و بيع سبايا و أطفال بني قريظة ؟

[قاسم]

أمين محمَد إبراهيم.
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة