المقالات
السياسة
أساس الفوضى 31
أساس الفوضى 31
08-27-2016 03:57 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

‬ ما زلنا نستجلي معاني حديث المصطفي صلي الله عليه وسلَّم عن شرار النَّاس وقد تحدَّثنا عن طبيعة الذي يأكل وحده وربطناها ببعض المظاهر السَّالبة في مجتمعنا وبنوع شخصيَّات من يتبنُّون مثل هذا السلوك وارتباطه "بالتَّناقض المعرفي والسلوكي".
ونُذكِّرُ بالحديث مرَّة ثانية:
" ألا أخبركم بشراركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الذي ينزلُ وحده، ويمنع رفده، ويجلد عبده".

والذي يمنع رفده فهو الذي لا يُعطي العامل أجره، وعندما نذكر كلمة العامل الأجير فخيال المسلم لا يمتدُّ لأبعد من العامل الأجير الذي يخدمك في بيتك مثل عامل البناء أو الكهرباء، ولكن المقصود كلُّ من يعمل عملاً يؤجر عليه نقداً أو ما يُتَّفقُ عليه من أجر.

ولذلك فكلّ موظف في الدَّولة عامل أجير طالما يُستأجر لخبرته أو لعلمه ويتقاضى أجراً. ولكن نري عامليَّ الدَّولة لا تُصرف لهم أُجورهم لشهور عديدة بينما رؤساؤهم يصرفون الأموال الطَّائلة في أشياء غير أساسيَّة مثل الَّذهاب للحجِّ سنة بعد سنة، أو يقضون الوقت في الاجتماعات، أو في المؤتمرات وهم يعرفون حديث المصطفي صلي الله عليه وسلم: "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفَّ عرقه".

وقد رأينا مثل هذا السلوك في العهود السَّابقة ديموقراطيَّةً كانت أو شموليَّةً، فكم قامت المهرجانات والاستعراضات العسكريَّة السَّنويَّة والنَّاس في القري لا تجد ما تأكله وأطفالهم يجرون خلف القطارات يسألون النَّاس قطعة خبز بينما البعض مُتخمٌ في المدينة.

ونري في هذه الأيَّام من يُقيمون الاحتفالات البذخيَّة، ويتطاولون في البنيان، ويُكدِّسون الزَّوجات والدِّرهم والدِّينار؛ والرسول صلي الله عليه وسلم يقول:
"ما ذئبان ضاريان جائعان باتا في زريبة غنم، أغفلها أهلها، يفترسان ويأكلان؛ بأسرع فيها فساداً من حُبِّ المال والشَّرف في دين المرء المسلم".
والرسول صلي الله عليه وسلَّم لم يقل "فساداً في حياة المرء" ولكنَّه قال فساداً في دينه، ومن فسد دينه، فسد قلبه، ومن فسد قلبه خرج من ربقة الإسلام إلى النِّفاق، إلا أن يتوب ويُصلح ويعمل صالحاً.

ويقول أيضاً:
"إنَّ هذا الدِّينار والدِّرهم أهلكا من كان قبلكم، وهما مُهلكاكم"، وذلك لأنَّ الإنسان يستبدل الحريَّة التي منحها له الله سبحانه وتعالي بحالة عبوديَّة لشهواته:" تعس عبدُ الدِّرهم، تعس عبد الدِّينار".

والذي كان يصرف الملايين في حشد الجماهير في احتفالات الدَّولة؛ من الاشتراكيين أو البعثيين أو غيرهم، والقري بغير ماء نظيف، أو إضاءة، أو سبل علاج، لا يقلُّ جهلاً بأولويَّات الحكم فيما يخصُّ حاجات المواطن ولا يقلُّون سوءاً في إلحاق الضَّرر بالوطن والمواطن.

وهذا السلوك المُغاير للمعرفة يحدث لأنَّ فهم الأولويَّات مختلطٌ في ذهن مثل هؤلاء القوم، فشرط الاستطاعة مثلاً هو أساس الحجَّ، والذي يذهب للحجِّ ولم يُعط أجيره أجره لا يتوَّفر له شرط الاستطاعة لأنَّه مَدِينٌ لآخرين.

ولو كانوا انتبهوا جميعاً، على اختلاف مذاهبهم، لأهميَّة العدالة الاجتماعيَّة، ووضعوها على قمَّة اهتماماتهم فعلاً لا قولاً، وأتبعوا الفعل بالمثال، وكلُّهم أبناء بادية قبل أن يرحلوا أو يرحل آباؤهم، أو يرحل جدودهم إلى العاصمة، لكانوا قد كفوا الوطن الكثير من ويلات الحروب.

وإذا كان يظنُّ المسئول منهم أنَّه ليس بمُستَخْدِمٍ للنَّاس لأنَّ الدَّولة هي المُستخدمة؛ فظنُّه خاطئ لأنَّه جزءٌ من الدَّولة ومُمثِّل مباشر لها أو لرئيسها أو لإمامها.

وعليه فالأموال التي يصرفها في الحجِّ أو في الاحتفالات الأولي بها الأُجراء حتى وإن دفع من أجره الخاص، فهو مسئول عن مواطنين لا مصدر دخل لهم إلا ما يكسبونه من عملهم.

فواجبه أن يدفع للأُجراء قبل أن يقبض أجره، لأنَّ الضَّعيف المُعدم أولي من الغنيِّ المُستطيع وذلك كخُلُقٍ، وواجبٍ، ومسئوليَّته لا تقف عند حدود وظيفته فقط، وإنَّما تتعدَّاها لأنَّه مسلم في المقام الأوَّل لا يجوز له أن يطلب درجة الإيمان حتى يُحبُّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه، أو لأنَّه مواطنٌ نذر نفسه تحت شعارٍ ما لمساعدة النَّاس وبناء الوطن، فكان من الأجدر أن يفعل ما يقول ويمدّ خطوات اهتمامه خارج دائرته المباشرة.
وإذا كان ما يملكه المُستخدِم من مالٍ لا يكفي لتغطية حاجات الأُجراء، وهو يشاركهم السَّراء والضَّرَّاء كما فعل المصطفي صلي الله عليه وسلَّم، فعليه رفع الأمر لمن هو أعلى منه، وتقديم النَّصيحة لفعل الشيء المُماثل، وإن لم يُسمع له فليعلم أنَّ من وزَّره أو أمَّرَهُ على النَّاس على باطل؛ فليفارق طريقه وإلا تنطبق عليه الآية الكريمة: " لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ‬"، وإن لم يفعل فسوف يحقُّ عليهم العذاب ويعُمَّهم والأسباب ثلاثة وهي العصيان، والاعتداء والسُّكوت على الباطل بمعني عدم الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر. وفي الحديث: "قام أبو بكر الصديق فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " وإنكم تضعونها على غير موضعها وإني سمعت رسول الله يقول" إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه يوشك الله أن يعمهم بعقابه ".
وأعني بما ذكرت كلَّ حكَّام السُّودان منذ استقلاله، فما رأينا منهم حاكماً ادَّعي غير الإسلام ديناً، أو العروبة جنساً، وأكثرهم كان تبعاً لطائفة دينيَّة.

وما عدا مواقف ومجهودات فرديَّة لأعضاءٍ من جميع الفرق المختلفة، يمينهم ويسارهم ووسطهم، آمنوا بوطنهم، ومدُّوا أجنحة محبَّتهم وجابوا بِقَاعَهُ تضحيةً ونُكراناً للذَّات، فأخلصوا النيَّة وأخلصوا العمل، لأنَّ الخير ديدنهم قبل انضمامهم لحزبٍ أو طائفة، لا يمكننا أن نُسجِّل مواقفاً وطنيَّة أصيلة لأيٍّ من الأحزاب أو الجماعات، ولكن نستطيع أن نُسجِّل تنافساً مُدمِّراً، وحبَّاً للذَّات وتعصُّباً لأيديلوجيَّة أعمتهم عن مواجع الوطن.

وعندما حاول هؤلاء الأعضاء الارتفاع فوق مصلحة الفرقة أو الحزب، ليصافحوا مصلحة الوطن، أو ليغذُّوا جماعتهم بدماء فكرٍ جديدة، أو ليمارسوا حقَّاً، لم ينالوا غير الجحود تقزيماً، وتجريحاً، وحرباً لا ترحم من سدنة المعابد.

والخطر الحقيقي الأعظم لمن يرفع راية الدَّعوة للإسلام ثُمَّ يُظهر تناقضاً معرفياً وسلوكياً؛ هو تأثُّر من يدعوهم إلى الدِّين بهذا السلوك المخالف للقول، ممَّا يؤدِّي لنفورهم عنه بدلاً من إقبالهم عليه، أو أن يؤدِّي سلوكه لأن يخلع بعضٌ من مسلمي التَّقليد؛ الذين وُلدوا مسلمين ولا علم لهم به، أو أفكارهم مُشوَّشة، عباءة الإسلام بسبب رؤيتهم لمثل هذا السلوك وربطه بالإسلام.

وأهميَّة هذا الأمر أنَّه ينتقل من دائرة الضَّلال الخاصّة بالمرء؛ والتي بينه وبين ربِّه، إلى دائرة الإضلال، وهو من أعظم الذُّنوب، وهي التي تتعدَّي دائرته لتدخل دائرة الآخرين فتُضلَّهم بدلاً عن أن تهديهم.

والإضلال قد يكون مباشراً كأن يدعو شخص لعبادة إله غير ربِّ العالمين، أو لإنكاره، أو قد يكون غير مباشر مثل تنفير النَّاس من الإسلام نتيجة لسلوك المسلمين. وقد لخَّص الإمام محمد عبده، رضي الله عنه الأمر حين قال:
"الإسلام محجوب بالمسلمين".
وقد انتبه سيدنا إبراهيم عليه السلام لهذا الأمر وسأل الله سبحانه وتعالي: " ‫رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا‬"، أي لا تجعل قولنا وسلوكنا متعارضاً ومتناقضاً، فيظنّ النَّاس أنَّ هذا بسبب الدِّين وليس بسببنا نحن الذين نُقيم الدِّين فنُضلَّهم. ‬‬‬‬
فما بال الفتنة للمسلمين الذين تنصَّروا عن جهالة وحماقةً لأنَّهم أنكروا ما رأوا في سلوك المسلمين؟

ولقد كان وعي سيدنا إبراهيم عليه السلام عميقاً بخطورة هذا الأمر، وأيضاً بصعوبة تناسق القول والفعل نتيجة ضعفه الإنساني، فالإنسان ذو أغيار يتبدَّل حاله من وقت لآخر، والإنسان خطَّاء ولكنَّه إمَّا توَّابٌ أو عاصٍ مُصِرٌّ على فعله، ولذلك سأل خليل الرحمن الله العون من ربِّه، ومن أجل ذلك ذكر المولي عزَّ وجلَّ مُقرِّظاً منهجه عندما فاصل قومه: " قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ"، ثُمَّ أكَّد المعني مرَّة ثانية لأهميَّة الأمر القصوى بعد أن انتبه له خليل الرحمن عليه السلام:" ‫لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ‬، وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّه هُوَ الْغَنِيّ الْحَمِيد". ‬‬‬

والمأساة الحقيقية هي غفلة من يفعل هذا عن مآل فعل الإضلال: "
" ‫لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ".‬‬‬‬

ومنع الرِّفد أيضاً لا يقف عند عدم دفع أجر الأجير، ولكنَّه يتعدَّى إلى كلِّ حاجات النَّاس الأساسيَّة من علاجٍ وتعليمٍ وصحَّة بيئيَّةٍ، فلا يجوز صرف أموال النَّاس في عبادةٍ لا تُصلح إلا ذات المرء، وعبادات أخرى أولى وضررها أشمل لأنَّ إهمالها يُصيب الجميع بالضَّرر وإثمها أكبر.

فالذي يحجُّ لبيت الله يسأله المغفرة لذنوبه يجب أن يكون في حالة طاعة دائمة أثناء حجِّه ولا مجال له لاكتساب ذنوب أخري طالما كان في بيت الله؛ إلا إذا رفث أو فسق.

ولكنَّ المسئول الذي يترك وراءه وطناً مُمزَّقاً، ومواطنين جوعي، وأطفالاً مرضي، يحصد من الذُّنوب في كلِّ لحظة هو يتنفَّسها، فكيف يتخيَّل أن يعود من حجِّه نظيفاً من الذُّنوب كيوم ولدته أمُّه؟

وكذلك نجد بعض السلوك عند المسئولين أو النَّاس، كعلاجٍ لظاهرة "التَّنافر المعرفي والسلوكي" كالسعي لتغليب مظهر الدِّين مثلاً، كلَّما نغزهم ضميرهم، أو ارتكبوا ذنباً، أو ظهر فقرهم الفكري ولم يُحقِّقوا الشِّعارات المرفوعة، يتسارعون لبناء المساجد ويظنُّون أنَّ الإسلام يقاس بعدد المساجد التي تبنيها الدَّولة، أو بعدد الذين يتردَّدون على المساجد.

أو، إن كانوا من دعاة الفكر اليساري أو القومي، وخافوا من فطنة الجماهير لاكتشاف حقيقة فشل شعاراتهم التَّقدميَّة التي تقوم على سندٍ من الخواء الفكري أو الفكر الغير مستند إلى واقع الجماهير، فيُغلِّبون مظهر القوَّة بتشييد التَّماثيل والمباني العملاقة، أو بناء الجيوش الجرَّارة، التي تعتمد في تسليحها على سلاح الآخرين، إظهاراً للقوَّة وتثبيتاً للملك.

فلئن تبني الدَّولة مستشفى للمرضي تكون في حالة عبادة أكثر إن كان المرض أكبر عورات المجتمع، ممَّا لو أنَّها أضافت مسجداً لا حاجة عاجلة له. أو أن تبني مدرسة أفضل لها من كلِّ الصَّنميَّة الضِّمنيَّة لصور وتماثيل القائد والاستعراضات العسكريَّة لجيوش لا تصمد أمام العدو إلا أياماً.

بل الأفضل أن تبني المستشفى وتُضيف إليه المسجد في نفس الوقت لتُيسِّر له مكان الصلاة حتى يطلب العون من الله سبحانه وتعالي، وذلك إن كانت حقَّاً تُريد نشر الإسلام، فهي تُغطِّي عورة المرض الذي يؤدِّي للبطالة، والذي أيضاً قد يؤدِّي للعجز أو للموت، وبذلك يؤدِّي للفقر والحاجة والتَّشرُّد والجهل، فتصيب النَّاس الفتنة في دينها.

ونجد بعض دُول المسلمين النَّاس تتفاخر بعدد المساجد المبنيّة في مدنها وعدد المستشفيات والمدارس فيها لا يكفي المواطن، بل وتعتبر ذلك قربي لله سبحانه وتعالي، وتنسي أنَّ الصَّدقة الجارية هي ما يحتاجه وينفع النَّاس من تغطية عورات المجتمع.

أو نري المواطنين يذهبون عاماً بعد عامٍ للحجِّ والعمرة وجارهم جائع، أو هم مفسدون في تجارتهم، أو في حُكمهم ويظنونُّ نجاةً من غضب الله إن حجواَّ أو اعتمروا لأنَّهم قرأوا الحديث: " ‫مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ".‬‬‬‬‬‬‬‬
‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
ولكنَّهم لم ينتبهوا إلى أنَّ قلب قبول الحجِّ هو السُّلوك الطَّيب، والتي هي الأخلاق قبل وأثناء وبعد الحجِّ، وتراهم لا يربطونه بالحديث الآخر ليتكامل المعني:" ‫الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّماءِ يا رَبُّ.. يا رَبُّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لَهُ؟‬”.‬ ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

وكأنَّهم لم يسمعوا بالآية الكريمة: " ‫إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۚ أُولئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ‬ “.‬ ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

ويوضِّح لنا الأولويّات في العبادة وأهمِّيتها سؤال المصطفي صلي الله عليه وسلَّم، عندما وفد عليه ‫قَوْمٌ مِنْ غَزْوَةٍ فَرَأَى فيهم قَوْمًا قَدْ أَجْهَدَتْهُمُ الْعِبَادَةُ فَقَالَ: مَنْ كَانَ يَخْدِمُهُمْ؟: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَحْنُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ صلى الله عليه وسلم: أَنْتُمْ أَفْضَلُ مِنْهُمْ".‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

وأيضاً قوله: " ‫كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ"، أي لا يعطيه قوته إذا كانت القوَّة بيده، ‬‬‬
أو في حديثٍ آخر:" ‫كَفي بِالمرْءِ إِثْماً أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يقُوتُ‬"، والتَّضييع يشمل كل قوت ممكن؛ فالعلاج قوت المرض، والمال قوت الفقر، والتَّعليم قوت الجهل، والعمل قوت البطالة. ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

ولهذا فالإثم يمتدُّ أيضاً لمن يحبس لمن يملك علاجه، وتعليمه، وشرابه، وكسوته، وأمنه، ومأواه، ولا ينفع معه صلاة، ولا صيامٌ، ولا زكاة، ولا حجُّ ولا عمرةٌ، ولا بناء مساجد إذا ضُيِّعت الأمانة.

بل إنَّ ازدحام المساجد في زمن المفاسد قد يكون دليلاً على النِّفاق وليس دليلاً على الإيمان، فالتَّديُّن الظَّّاهري قد يكون غطاءً للقلوب المريضة، أو تبريراً لفعلها السيئ، ولذلك فهو مصدر ضعف لأمَّة المسلمين وليس مصدر قُوَّة.

وعند جلاء البصيرة، ونقاء السريرة، وغربلة الفكر وتشييده في نموذج فاعلٍ وفعَّال يخاطب جوهر الأشياء، وعند أمارة الأخلاق حين يُؤدِّي النَّاس ما عليهم من واجبات قبل أن يطالبوا بما لهم من حقوق، وبعد سيادة القانون على الجميع بالتَّساوي، وتغطية عورات النَّاس، وفشو السَّلام، واستوطان العلم، وإعداد القوَّة، وامتلاء المساجد بالمُصلِّين فحينذاك يجيء وقت وعد المولي عزَّ وجلَّ:
" ‫فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ".‬ ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وعليه في بلدٍ لا تتوفَّر فيه الأولويَّات الأساسيَّة فليس لمسئوليها نصيبٌ أو فرض لأداء الحجِّ، وهو مجهودٌ لا يُثابوا عليه وإنَّما يؤثموا به إن مات طفلٌ لأنَّ علاجه ناقص، أو جاع طفلٌ لأنَّ والده لا يستطيع توفير إفطاره، إلا أن يكون جزءاً من التَّكليف لتيسير أمور حجيج بيت الله المُحرَّم.

ومن أهمِّ أسباب الفوضى السياسيَّة والاجتماعيَّة التي تؤدَِّي لخلخلة وتمزِّق النَّسيج الاجتماعي والأخلاقي هو عدم احترام المسئول عن النّاس لحقوق النَّاس كلّها؛ بما فيها فرص الاقتصاد والتِّجارة حيازة لنفسه واستئثاراً بها دون العامَّة، وعندما يري العامَّة ممارسة الحاكم الباطلة يقتدون به ويصير الباطل هو السائد.
فالأخلاق هي الوجه الآخر لعملة وجهها الاقتصاد لا ينفصلان مصداقاً لقوله تعالي:
" ‫وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ‬، ‫إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ‬". والأضغان هي الحقد الشديد، والبغض، والحسد وانحطاط الأخلاق نتيجة للفقر. ‬‬‬‬‬‬
وقد وضَّح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه ارتباط الفساد بعدم تساوي الفرص في تملُّك مصادر الثروة:
"فإنَّما أهلك من كان قبلكم أنَّهم منعوا النَّاس الحقَّ فاشتروه، وأخذوهم بالباطل فاقتدوه".
أي لم يُمكِّنوا النَّاس للمنافسة الشريفة على التجارة، ومكَّنوا جماعتهم فاشتروها وحازوا عليها بالباطل، ولمَّا رأي العامَّة ذلك اقتدوا بهم برشوتهم أو بمشاركتهم.

ولذلك نجد ارتباط الفوضى بهذا النَّوع من البشر، فلا غرابة أنَّ العالم في حالة فوضى عامّة سببها سياسيُّون يسعون في سبيل مصالح خاصَّة على حساب شعوبهم، يلوِّنونها ويُغلِّفونها بما يبيع بضاعتهم من دينٍ أو مبدأ أو فكرٍ أو مذهبٍ ديني أو علماني أو طائفة دينيَّة.

وهذا النَّوع من البشر لا يختلف كثيراً، إلا في الدَّرجة، عن الذي يقتل أو يُعذِّب الآخرين فتوطين الفقر هو أكبر مهلك للنَّاس صحَّة وأخلاقاً وأخطر أسباب الفوضى.

أمَّا جلد العبد المذكور في الحديث فنراه في سلوك من يحرمون النَّاس حُرِّيتهم ويسيئون معاملتهم تضييقاً في رزقهم، وحرماناً لحرِّيته بسجنه، أو بجلده بلا حكم محكمة لجريمة شرعيَّة ارتكبها، أو يعاقبونه بطريقة مُهينة لمن خلق الله بيديه مكرَّماً فيهين الله بذلك: " ‫وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ".‬‬‬‬‬‬‬‬‬

والإمام علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه يقول في مسألة الحقوق:
"جعل الله سبحانه حقوق عباده مُقدِّمةً لحقوقه"، والمعني أنَّ حقَّ الله الذي يشمل كلَّ شيء، تابعٌ لأداء حقوق النَّاس وليس العكس، وعليه فمن لم يؤدِّ حقوق النَّاس لم يؤدِّ حقَّ الله.

فالإقرار بالحقِّ مُرٌّ، واتِّباعه شاقٌ، والإذعان له مؤلم، فمع كلَِّ حقٍّ واجبٌ أو واجبان يجب أداؤه أو أداؤهما قبل المطالبة بالحقوق.

وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي
ودمتم لأبي سلمي ‬‬‬



د. عبدالمنعم عبدالباقي علي
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1423

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. عبدالمنعم عبدالباقي علي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة