المقالات
السياسة
حقوق وواجبات الإستاذ الجامعي في السودان: القوانين والواقع (1)
حقوق وواجبات الإستاذ الجامعي في السودان: القوانين والواقع (1)
08-27-2016 04:31 PM

حقوق وواجبات الإستاذ الجامعي في السودان: القوانين والواقع (1)
د. حمد عمر حاوي -أستاذ جامعي
مقدمة:
يحدث في البيئة السودانية نقاش كثيف حول الكثير من الموضوعات منها: الحالة الإقتصادية وقضايا الحرب والسلام وغيرها...، إلا أن قضايا التعليم العالي وحقوق وواجبات الأستاذ الجامعى تبقى من أقل الموضوعات عرضة للنقاش ولم ترد كثيراً إلا في سياقات عامة كهجرة الكوادر أو العنف بالجامعات، رغم موقعها المحوري في أي مسيرة للتطور والتنمية والتنظيم المنشود، ورغم تأثيرها المباشر على غالب حياة الأسر والأفراد في البلاد.
إلى وقت ليس بعيد كان يُنظر للجامعات في السودان كقلاع علمية ومؤسسية حصينة ستكون هي الأقل تأثراً بالصراع السياسي والإجتماعي في البلاد، والأقل عرضة للتدهور والإنتهاكات لطبيعة الوعي والمؤسسية فيها والتي تمكنها –على الأقل- من إدارة ذلك بطريقة بناءة، وإلا لما شكلت بعض الأحداث صدمة للرأي العام، رغم أنها موجودة في مواقع أخرى في المجتمع، كالعنف المفضي لإزهاق أرواح، أو الفصل من الخدمة، (حوادث إغتيال بعض الطلاب داخل الحرم الجامعي أو فصل بعض الأساتذة الجامعيين عن الخدمة). فهل يرجع ذلك إلى الإعتقاد بأن الحياة الجامعية لازالت تحتفظ بمثالياتها أو أنها لازالت خلواً من مثل هذه المشكلات؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون غياباً أو تغييباً للمعلومات؟
يظل حجم الدراسات والمعلومات والتحقيقات الصحفية عن ما يدور داخل الجامعات قليلاً، وبالتالي تغيب الكثير من المعلومات، الجيدة والسيئة، عن المواطن العادي غير المتابع لما يدور داخل الجامعات. قد يرجع ذلك إلى طبيعة الجامعات غير المفتوحة تماماً أمام الرأي العام والإعلام؟ وقد يكون الأستاذ الجامعي نفسه مسؤولاً عن عدم تبيان الصورة الحقيقية لما يدور داخل الجامعات لمجتمعه، حيث فضل بعضهم حزم حقائبه والمغادرة في صمت بحثاً عن واقع آخر، وأعتصم بعضهم بالصمت النبيل أو غير النبيل، بينما يصارع آخرون واقعهم الإقتصادي الطاحن الذي لا يجدون منه فكاكاً ولا يجدون معه وقتاً ولو لمجرد التفكير وفي واقعهم ذاته. الطلاب هم الآخرون لهم مشكلاتهم الخاصة كما أنهم قد لا يكونون على إحاطة تامة بكل ما يدور في أروقة الجامعات.
مؤسسات التعليم العالي ودورها
مؤسسات التعليم العالي هي مؤسسات تنموية أنشأت كجزء من المشروعات التنموية والتحررية عقب الإستقلال من المستعمر بهدف قيادة التنمية الشاملة في البلاد (ثقافياً وإجتماعياً وإقتصادياً وعمرانياً ...ألخ)، لهذا أصبحت جزء من مؤسسات المجتمع العامة والتي يتولى المجتمع الإنفاق عليها من ميزانيته العامة طمعاً في قيامها بالدور الموصوف أعلاه، بالرغم من ذلك إلا أن مؤسسات التعليم العالي يجب أن تحتفظ بقدر من الإستقلالية والمؤسسية والحريات والتي تعتبر ضرورية لها لتقوم بدورها الموصوف.
إن الحديث عن مؤسسات التعليم العالي ودورها وطرق تنظيمها يطول مما لا تسمح به طبيعة هذا المقال، ليس هذا فحسب، بل أن قضايا التعليم العالي في السودان، وما إذا كانت الجامعات تقوم بدورها أم لا؟ ولماذا؟ وماهي المشكلات التي تواجهها وغيرها تحتاج لنقاشات مطولة كما أن بها الكثير من القضايا الداخلية التي تحتاج إلى مؤتمرات وورش عمل لسبر أغوارها.
إن إصلاح بيئة التعليم العالي في السودان تحتاج للبداية من الأعلى، وذلك بمراجعة الوضع العام في البلاد وموقفه وسياساته وأهدافه من التعليم العالي ومؤسساته، فوضعية التعليم العالي هي جزء من وضعية البلاد العامة ويصعب أن ينصلح حالها بمعزل عن الوضع العام، ثم يأتي بعد ذلك مراجعة القوانين والسياسات الحاكمة له والبيئة التي يعمل فيها. وفي هذا الإطار، يلاحظ أنه قد ثار جدل كثيف في السودان حول بعض القوانين على أساس أنها غير دستورية أو تنتقص من حقوق الإنسان كقانون الصحافة والمطبوعات وقانون النظام العام وقانون الأحزاب وقانون الأمن الوطني وغيرها، ولكن لم يتم التعرض بشكل واضح لقانون تنظيم التعليم العالي، من داخل التعليم العالي أو من خارجة، فهل يعود هذا لمثاليته وعدم وجود عيوب به أم أن هناك عوامل أخرى منعت من التطرق له؟ أم أن العيوب تكمن في التطبيق فقط؟ وهو ما يحتاج لبحث جاد لكنه خارج إطار هذا المقال. تنصب سلسلة المقالات هذه حول جزئية صغيرة جداً متعلقة بحقوق وواجبات الأستاذ الجامعى بالتطبيق على حالة السودان الراهنة.
حقوق الأستاذ الجامعي
حقوق الأستاذ الجامعي كثيرة، تبدأ بحقوقه كإنسان وما يتبع ذلك من جميع حقوق الإنسان المعروفة، وهو بالدرجة الثانية مواطن في بلده وله كل الحقوق التي تُكفل للمواطنين الآخرين مثله، ولكنه فوق ذلك كله له خصوصية تكلفل له حقوق أخرى الهدف منها كفالة بيئة تمكنه من الإبتكار والإبداع والوصول إلى الحقائق في كافة المجالات بما في ذلك الإجتماعية والثقافية والسياسية منها، لأنه يمثل عقل الأمة ويعول عليه توجيهها وتبصيرها إلى الطريق الأفضل، لهذا لابد من أن تُكفل له حرية البحث عن الحقيقة والحق في الوصول إلى المعلومات ونشر نتائج ذلك وحرية التدريس وغيرها، وفي ذيل قائمة تلك الحقوق جميعها يأتي حقه في الحماية والمحاسبة العادلة وفق قوانين عادلة تسهم في إنصافه وتشجيعه على المبادرة والإبتكار. فهل تُكفل للأستاذ الجامعي في السودان هذه البيئة وهذه الحقوق؟ أخذاً في الإعتبار تداعيات فصل الدكتور عصمت محمود من الجامعة.
لن تناقش هذه الحلقات البيئة العامة لحقوق الإنسان في السودان، رغم أن الأستاذ الجامعى جزء منها، ولا حقوق المواطنة العامة، لكنها ستناقش الحقوق الخاصة بالأستاذ الجامعى المختصرة في حرية البحث والتدريس والنشر رغم أنها تشمل جميع الحريات الأكاديمية والحق في الوصول إلى المعلومات والحق في نشر الحقائق المتوصل إليها وحقوق الطلاب وإستقلالية الجامعات باعتبار أنها تمثل جميعها حلقة واحدة داعمة لبعضها ومعتمدة على بعضها البعض، هذا ما سيتم نقاشه في الحلقات القادمة، ولكن لدواعي ظرفية (حادثة فصل الدكتور عصمت محمود من جامعة الخرطوم) سنبدأ بنقطة صغيرة جدا تقع في ذيل هذه الحقوق، وهي النقطة التي إن أُنتهكت فليس بعدها من الحقوق للأستاذ الجامعى مثقال حبة من خردل، ألا وهي كما وردت أعلاه: حقه في الحماية والمحاسبة العادلة وفق قوانين عادلة تسهم في إنصافه وتشجيعه على المبادرة والإبتكار.
سيكتمل إستقصاء هذه النقطة من خلال دراسة قانون تنظيم التعليم العالي، ومن بعده قوانين الجامعات، وأخيراً لوائح الحقوق والواجبات والمحاسبة والتي درجنا في السودان على قصرها على لوائح العقاب فقط (لوائح المحاسبة).
قوانين الجامعات في السودان
لقد أشتهرت قوانين الجامعات في السودان بأنها نموذج واحد يتم التعامل معه كإطار عام ملزم لكل الجامعات ويفرض وضعا متشابهاً لكل الجامعات ولايسمح باستقلالية أو مراعاة خصوصيات الجامعات وإختلافاتها، بالتالي فإن قوانين الجامعات لا تكاد تختلف عن بعضها البعض إلا بإختلاف التسميات الخاصة بالجامعات نفسها، ولا يوجد مجال لخصوصية أو تميز أو إبداع إلا في أطر التطبيق. بمعني أنها تشابه تماماً قانون اللجان الشعبية الذي يتم تسليمها له وما عليها إلا أن تملأ الأماكن الشاغره التي قد تختلف من لجنة إلى أخري كإسم الحى أو المحافظة أو المحلية أو غيرها من التفاصيل الخاصة، أو القانون النموذج الذي يتم تسليمه من قبل مفوضية العون الإنساني لأي مجموعة تريد تأسيس منظمة طوعيه أو خيرية أو غيرها. وحتى إن تركت بعض النقاط الشاغرة كالأهداف أو الوسائل بحكم أن بعض المنظمات قد تختلف في أهدافها ووسائلها وطبيعة عملها، إلا أن الجهة المشرعة تحتفظ بالحق في رفض أى هدف أو وسيلة ترى، بمعاييرها هي، أنها غير مرغوب فيها.
لقد أشتهر من بين قوانين الجامعات ما بات يذكره الأساتذة كثيراً بإسم المادة (16) (وهي المادة التي اسند إليها حق مدير جامعة الخرطوم في فصل الدكتور عصمت محمود) وهي المادة التي يتحدث الكثيرون عن أنها تعطي مدير الجامعة يداً مطلقة بالكامل في تسيير أمورها على النحو الذي يراه، هو أو مجموعته. وبالرغم من أن هذه المادة نفسها قد قيدت تصرفاته بما يحقق مصلحة الجامعة، إلا أن من يقدر مصلحة الجامعة يبقي غير محدد مما عاد بذلك لمدير الجامعة نفسه، بالتالي فإن هذه المادة تفتح الباب أمام استغلالها لخلط الخاص بالعام وتحويل الجامعات إلى إقطاعيات خاصة (سواء خاصة بأفراد أو مجموعة معينة)، خاصة وأن الجامعات في السودان تعيش في ظل بيئة سياسية ومجتمعية تأثر فيها.
وبالرغم من أن الجامعات يفترض فيها أن تكون مجتمعات مثالية للديمقراطية والشوري وحكم القانون تلهم المجتمع كيفية إدارة شأنه العام، إلا أنها تحولت بفعل هذه المادة إلى قلاع يسيطر عليها أشخاص ومن خلفهم منظومات مسيطرة (سواء حزبية داخل الجامعة، أو سياسية داخل الدولة). فمادام أن مدير الجامعة يعينه النظام السياسي الحاكم، في ظل أوضاع تستخدم فيها الجامعات كأدوات لتثبيت أركان النظام أو زعزعتها، سواء أكان ذلك بتوصية من فرع التنظيم القابض على الجامعة من داخلها أو عدمها، فإن المدير في هذه الحالة يكون جزءاً لا يتجزأ من هذه المنظومة وينفذ سياساتها وأوامرها. ومادام أن المدير يُعين ويفصل من يشاء من المواقع التي هي دونه فستكون سلطته الهرمية المطلقة (منفرداً أو بمعاونة التنظيم الداخلى) ستكون هي المسيرة للجامعة، وأن إرادته هي النافذة، بما في ذلك لجان التحقيق أو المحاسبة التي يشكلها، والتي سنفرد لها مقالاً خاصاً يوضح كيف أنها لجان صورية فقط، من حيث التشكيل وآليات العمل وإصدار القرارات.
لائحة محاسبة العاملين بمؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي 1994 (التي فُصل على ضوءها الدكتور عصمت محمود من الخدمة بالجامعة) هي نفسها تنص على أن للمدير الحق في: تأييد قرارها، أو إلغاء الإدانة وتبرئة من أُدانته، أو إلغاء قرارها إذا لم يعجبه، وتشكيل لجنة جديدة، علماً بأن الإستئناف ضد القرار يكون أمام المدير نفسه.
سنجري في الحلقة الثانية مقارنة بين قانون محاسبة العاملين بالخدمة المدنية القومية 2007 ولائحة محاسبة العاملين بمؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي 1994، لنرى دستورية وقانونية هذه اللائحة ولنبحث موقع حقوق الأستاذ الجامعى على ضوءها.
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 2138

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1510792 [القائد]
0.00/5 (0 صوت)

08-27-2016 09:02 PM
مقال مهم وكنت حقيقة انتظر لمعرفة ماهي المادة التي ذكرها خطاب الرفت في متنه.
اضيف ان خطاب الرفت به عيوب جوهرية يمكن اخذها كمؤشر لللتردي الذي اصاب شئوون الادارة بجامعة الخرطوم وبالبلاد عموما.
مثلا الخطاب يتهرب من ذكر سبب الفصل وحيثياته ويعمد للاحالة للمواد كارقام، كذلك القرار نفسه لايتحدث عن تأييد قرار لجنة المحاسبة بل هو امر فصل اتخذه المدير بشكل فردي، كذلك لامعلومة عن لجنة المحاسبة من هم وهل مثل المعني امامهم ام رفض.
فضلا عن مسألة اعلام المرفوت بالقرار والتي تجاوزها الذي صاغ الخطاب بصورة معيبة لان الفصل هو انهاء تعاقد مع طرف اخر يستلزم اعلامه بصورة مباشرة.
لكن يبقى المحك فعلا هو ماذهب له المقال ان القانون اصلا معيب في مادته 16 حيث يطلق سلطة فرد في مؤسسة عامة بما ينهي مؤسسيتها.

[القائد]

د. حمد عمر حاوي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة