المقالات
السياسة
السودانيون في الخارج هل هم مغتربون أم منفيون؟
السودانيون في الخارج هل هم مغتربون أم منفيون؟
08-28-2016 11:02 AM




كلما ادلهمت الخطوب وتلبدت سماء الخرطوم بارتفاع أسعار المواد وانخفاض قيمة الجنيه السوداني، المترنح أصلاً كمن أصابه الشيطان من المس، تتجه أنظار الحكومة شاخصة ببصرها نحو دول الاغتراب، حيث المعذبون في الأرض من أهل السودان الذين يكابدون الأمرين معاً، أحلاهما مر: ويلات الغربة والبعد عن الأهل والوطن من جهة ومكابدة الحياة من أجل توفير لقمة عيش كريمة ولو بالكاد من أجل أسرهم في السودان من جهة أخرى بعد أن لفظتهم أمواج الحكومة الى الساحل المجهول...
تتجه أنظار الحكومة لاستمالة من بدول الاغتراب وخاصة أولئك الذين يعيشون بدول الخليج وهم يتجاهلون أو يتناسون بأن من في الخليج خاصة بعد الانخفاض العالمي الذي طرأعلى أسعار البترول، ليسوا كما كانوا من وقت مضى، بل هم يتحسسون بصيص أمل في النفق المظلم من عودة الى السودان والاستقرار بما فيه من شظف عيشٍ وفقر مدقع للمساهمة في بناء ما دمرته الحكومة بسياساتها المرتجلة والعرجاء... فقط يتحينون الفرص للعودة فمنهم من قضى نحبه في دول الاغتراب ومنهم من ينتظر...
تتجه أنظار الحكومة لمن هم في الغربة وكأنهم مجرد محافظ استثمارية لإدارة عجلة الحكومة التي تدور في حلقة مفرغة، كساقية جحا ولا ندري الى أين يذهب كل هذه الجبايات!!! عقود من السنوات يتفننون بإتباع طرق رخيصة ومكشوفة وغبية لنهب مدخراتهم ...
يقولون استمالة مدخرات المغتربين، فكيف تستميلون مدخراتهم وأنتم من حررتم السوق وجعلتموها (عرض وطلب)... فإذا بالدولار يرتفع الى عنان السماء في السوق السوداء بين ليلة وضحاها متجاوزاً ألـ 16 جنيه وعند الحكومة = 6 جنيه فهل يعقل أن يحول المغترب مدخراته عن طريق الحكومة أو عن طريق السوق الموازي المنتشر في دول الاغتراب... فاذا كانت الحكومة تريد استمالة مدخرات المغتربين فليجعل الدولار = 16 جنيه كما هو فعليا على ارض الواقع... وأن يكون الدولار له سعرين مختلفين ما بينهما كما بين الثرى والثريا، في بلد واحد ليس له معنى أصلا ولا يدخل العقل إلا أن تكون هنالك لعبة من الحكومة لبيع هذه الدولارات للمحسوبين عليها ليتاجروا بها مرة أخرى في السوق السوداء!!! فتجار العملة الذين نراهم بالقرب من برج البركة وما حولها هم فقط جبل الجليد الذي يظهر فوق سطح المحيط وما خفي تحت القاع كان أعظم ... فهؤلاء مجرد أذرع ... فانظروا لعملية تطاول البنيان في الأحياء الراقية بالخرطوم لتروا بأم أعينكم لمن يتبع هؤلاء...
فليست هنالك خدمات تقدم للمغترب أصلا سواء عن طريق السفارات والقنصليات المنتشرة بالخارج أو عن طريق جهاز شئون العاملين بالخارج... فهي بعثات للجباية فقط، فالمغترب يدفع للحكومة من حر ماله دون مقابل ، فالحكومة لا تهتم حتى بمظهر ممثليتها وبعثاتها في الخارج، فعلى سبيل المثال للحصر فالقنصلية في جدة تدير أعمالها من شقة كبيرة وسط الأحياء السكنية... أين القنصلية القديمة التي كانت تعتبر فيلا في منطقة استراتيجية ووقفا من أوقاف السلطان علي دينار؟ فلماذا القنصلية الآن مجرد شقة كبيرة لا ترتقي لمستوى الفيلا، وسط الأحياء السكنية؟ وأين تذهب الأموال التي تجبى من المغتربين على مدار الساعة والقنصلية في حالة يرثى لها... فلماذا لا يدخر جزء من الجباية في بناء قنصلية أخرى تليق بالمغتربين فهذه القنصلية (الشقة) إذا دخلها أكثر من (50) شخصاً فلن يجدوا موطئ قدم لهم... فماذا يفعل جهاز شئون العاملين بالخارج.. فلم نر له شأناً غير الجباية والتفنن في ابتكار أساليب جديدة للجباية...
فيمكن استمالة مدخرات المغتربين باتباع أساليب عملية ومبرمجة (خدمة في مقابل خدمة)... فهل سألت الحكومة (متمثلة في أمانة شئون العاملين بالخارج) نفسها يوما عن ماذا قدمت للمغتربين؟ فالمغترب ينظر لهذه البعثات نظرة توجس وريبة لأنها وجدت لتأخذ ولا تعطي...
فمن واجب الحكومات على مر العصور أن تحمي شعوبها وتقدم الخدمات لها في مقابل فرض ضرائب تنازلي من الأغنياء نزولا الى الفقراء، فذو المال يستفيد أكثر من الدولة وخدماتها لذا وجب عليه أن يدفع أكثر للحكومة حتى يصل الأمر نزولاً الى الفقراء الذين بالكاد يعولون أنفسهم لتنتهي الجباية عندهم ولا يدفعون... ولكن في السودان على العكس من ذلك فالذين يحملون عبء الحكومة ومصروفاتها الباذخة هم الفقراء، يدفعون من حر مالهم فأصحاب عربات الكارو والبصات السفرية وستات الشاي والدراقات وأصحاب الأعمال الهامشية في الأسواق وذوو المرتبات المتدنية في الحكومة كالأساتذة وموظفو الخدمة المدنية لا يسلمون من الاستقطاعات المتكررة من مرتباتهم التي لا تفي بالحد الأدنى من الكفاف بالإضافة الى فئة الشتات ولا أقول المغتربين لأن كلمة اغتراب كانت تعني الإنسان المرطب حينما كان السودان سودانا والحكومة حكومة بحق وحقيقة.... أما الآن فهؤلاء يعتبرون أنفسهم منفيين الى اجل غير مسمى...

[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1186

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1511135 [أبوقرجة]
0.00/5 (0 صوت)

08-28-2016 01:30 PM
كلام جميل ... ورائع ... عايز أرجع السودان .. لكن الخوف مالي الواحد ..

[أبوقرجة]

حمدي حاج هلالي
حمدي حاج هلالي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة