المقالات
السياسة
أساس الفوضى 32
أساس الفوضى 32
08-29-2016 02:47 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

أساس الفوضى 32

نواصل تدبُّر معاني حديث المصطفي صلي الله عليه وسلم عن "شرار النَّاس"، ففي رواية أخري قال:
"ألا أُنبِّئكم بشرٍّ من ذلك؟ قالوا بلى.

قال: "الذين لا يُقيلون عثرةً، ولا يقبلون معذرةً، ولا يغفرون ذنباً".
ونري المصطفي صلى الله عليه وسلم يُوضِّحُ المعايير التي يُمكن أن نستخدمها لتمحيص النَّاس، كالذي ينزل دَرْكاً ينتقل من طابق أعلى لطابقٍ أسفل، فالذين لا يُقيلون عثرةً؛ أي الذين لا يُساعدون أحداً وقت ضيقه، كالذي يتعثَّر في الطَّريق ويقع.

وهو رمزٌ لتعثُّر الإنسان في طريق الحياة إن كان نتيجةً لفقرٍ، أو مرضٍ مثلاً، فلا يجد من يُهرع إليه ليساعده، وهو دليل على قسوة القلب ولكنَّه لا يتصلَّب تماماً، أو نقص الرَّحمة والخير ولكنَّهما لا ينعدمان تماماً لأنَّه لا يضنُّ بذلك على خاصَّة أهله.
وعند الوصول لهذه المرحلة فإنَّ النَّرجسيَّة تكون أكثر وضوحاً وتمكُّنَاً من المرء فيظهر المرء فرِحاً بما ناله من مكانةٍ وبعَظَمَتِه مُترجماً في سلوكه ومظهره: "ولا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً، كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا، ‬‫ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ". والسَيِّئ هو كلُّ قبيح وشائن، وتطهير النَّفس ممَّا يُقبِّحها ويُشينها هو غاية الحكمة؛ والتي هي معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، وهي غاية الدِّين لأنَّ الدِّين جوهره نقل الإنسان من البداوة والجلافة إلى الحضارة والرُّقِيِّ. ‬

ولا يفوتنا أنَّ الأعراب الذين بدأ الإسلام في ديارهم أهل بداوة، بل إنَّ السَّبب الذي جعل الأنصار يؤيِّدونه وينصرونه قبل غيرهم من العرب، لأنَّهم أكثر حضارة من كثير من قبائل العرب لاستقرارهم ولاختلاطهم باليهود وتأثّرهم بهم، ولأنَّ الإسلام لاقي هويً في نفوسهم كانوا يتوقون له وهم يُقارنون حالهم بأهل العلم والقوَّة والمال والصناعة من اليهود، بل كانوا يقتدون بهم في كثيرٍ من عاداتهم، وعلموا ضمنيَّاً أنَّ ما ميَّز اليهود هو نوع الدِّين الذي عندهم والذي منه استمدُّوا أسباب قوَّتهم وسلطانهم.

فالنَّاس ثلاثة فمثلاً التِّلميذ الذي يجلس لامتحان قد يظنُّ أنَّه مُلِمٌّ بكلِّ شيء وسينجح بلا صعوبة تُذكر حتى إن لم يُذاكر لأنَّه أذكي من كلِّ زملائه ولا فرصة ممكنة لفشله ولا يؤنِّبه ضميره إن استغلَّ زميل دراسة لوصول غاياته.
فهذا يُعاني من الإفراط في حبِّ ذاتيَّته فهو الذي وصفه المولي عزَّ وجلَّ "بالمختال الفخور"، وأظهر بغضه له وربطه بسبب البُغض وهو البخل: " ‫إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ‬"، فهو يأخذ دائما ولا يُعطي.‬

والبخل يبدأُ في النَّفس قبل أن يُترجم لسلوك، بل قد يُنفق البخيل رياءً وقلبه مُنكر متألِّمٌ، ويكون الإنفاق لأي معروف يمكن نفقته، إن كان شيئاً معنويَّاً أو مادِّيَّاً، بل الإنفاق المعنوي أهمَّ لأنَّه أكثر ما يحتاجه الإنسان، ولأهميَّة هذا الأمر فقد وصَّانا المصطفي صلَّي الله عليه وسلَّم بعدم استصغار المعروف مهما كان؛ مُقدِّماً المعنويِّ على المادِّي: "لا يَحْقِرَنَّ أحدُكم شيئًا من المعروفِ ، فإن لم يَجِدْ فلْيَلْقَ أخاه بوَجْهٍ طَلْقٍ ، وإذا اشْتَرَيْتَ لحمًا أو طَبَخْتَ قِدْرًا فأَكْثِرْ مَرَقَتَه ، واغْرِفْ منه لِجارِكَ".

والشَّخص النِّرجسيِّ كثُر ذكره في القرآن المجيد لكثرة ضرره ولاستغلاله للنَّاس وفرحه من مقدرته على غشِّ النَّاس واستغلالهم لأنَّه يراهم أغبياء يستحقُّون الاستغلال وليس له في قلبه من القيمة أكثر ممَّا في قلبه لطعام يأكله ويستفيد منه ويُخرجه فضلات لا يودُّ رؤيتها.

أو قد يظنُّ التِّلميذ أنَّه ذاكر بما يكفي لأداء الامتحان وإن كان لا يزال يجهل الكثير ولكنَّه واثقٌ من نفسه ويُغلِّب فرصة النَّجاح على الفشل.

فالمرء السَّوي له ثقةٌ بقدراته مبنيَّة على دليل، ويمكن إثباتها بالتَّجربة ولذلك فقرارات مثل هذا المرء لا تُسبِّب أضراراً لأنَّ تفكيره سليم ومُرتَّب ومنطقي، وأهدافه واضحة وواقعيَّة، ونيَّته طيِّبة يقصد خير نفسه وغيره.
وذلك لا يعني أنَّ النَّرجسيَّة كلّها شرٌّ مستطير؛ إذ أنَّ الإنسان يُولد نرجسيَّاً يري نفسه مركز الكون، وقليلاً قليلاً يُدرك أنَّ الكون وطن للجميع وأنَّه يجب أن يشارك الآخرين لأنَّ وجوده يعتمد على وجودهم، وبذلك يُقلِّص نرجسيَّته ويساعده والداه على تقليم أظفار نرجسيَّته ولكنَّهم لا يقلعون الأظفار تماماً.
ولذلك فمن النَّرجسيَّة ما هو صِحِّي ومطلوب للعافية النَّفسيَّة للإنسان، وواجب من يرعاه صغيراً أنَ يساعده ليُشذِّب حبَّه لنفسه ويُوسع في نفسه مكاناً للآخرين، ولا يتمُّ ذلك إذا حرمه من يُربِّيه من العاطفة والتَّقييم الإيجابي، ونري أنَّ قصد الدِّين هو الوصول لهذه المُعادلة الصِحيَّة بين حبِّ الذَّات وحُبِّ الآخرين بحيث يكون الحبُّ متساوياً: " لا يُؤمِنُ أحدُكم حتى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنَفْسِه". والنِّرجسيَّة مثل ملح الطَّعام الكثير منه يفسده ويفسد الجسد، وعدمه يجعله ماسخاً، والقليل يجعله طاعماً ونافعاً.

بل إنَّ الله سبحانه وتعالي يتعامل مع الإنسان بواقعيَّة طبيعته البشريَّة، وبما أنَّه من العليم اللطيف الخبير الذي خلقه فإنَّه يعلم أنانيَّته، وطمعه، وجشعه، ولذلك لم يطلب منه أن ينزعهما ولكنَّه قايضه بنوع آخر من التِّجارة وسمَّاها التي لن تبور: " إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُور"، وهي التَّنازل عن بعض ما لك في هذه الحياة الدُّنيا، وهي ذات وقتٍ مُحدَّد، لتنال أضعافه في الحياة العُليا، وهي أبدية الزمن، وصاحب الذَّكاء العاطفي هو الذي يُدرك حقيقة الأشياء ويفوز. بمعني آخر أن تدفع سعر سلعة وهي مُخفَّضة جدَّاً في سوق التَّنزيلات التي يتكالب عليها النَّاس عندما يجدون أغلي الأشياء بأرخص الأسعار.

فالإفراط في النَّرجسيَّة إذن؛ بحيث يكون المرء غارقاً في حُبِّ نفسه، أو التَّفريط فيها؛ بحيث لا تكون للمرء ثقةٌ بالذَّات، هما ما يجب أن نتجنَّب؛ وهذا يذكِّرنا بالتَّوسُّط في الأشياء وهو جوهر الحكمة.

أو قد يظنُّ التِّلميذ أنَّه سيفشل في امتحانه مهما اجتهد وبرغم شهادة أساتذته بالتَّفوُّق ونجاحه السَّابق في كلِّ امتحاناته. فهذا يعاني من التَّفريط في درجة النَّرجسيَّة لأنَّ طفولته تميَّزت بالحرمان العاطفي وربما بالمادِّي أيضاً وإن كان الغذاء العاطفي يكفي. وهو شخصٌ يُحبُّ العطاء ولا يأخذ مُقابلاً إلا بعد لأيٍ ولكن خطورة مثل هذا الشخص أنَّه قد يتغيَّر تماماً إذا ما وصل لمصدر سلطةٍ ويصير جبَّاراً تعويضاً عن كلِّ حرمانه ولا شيء يكفيه إذ يعيش حياته بتكديس الأشياء حوله ليُثبت أهميَّته ووجوده فتكون هويَّته في الكم الذي يملكه وليس الكيف أو النَّوع. فهو شَرِهٌ دائماً لا يشبع.

وإذا تخيَّلنا الذَات كبالون ينفخه الإنسان فالشخص النَّرجسيِّ ينفخ بالون ذاتيَّته حتى يكاد أن ينفجر وبذلك يُخرج كلَّ العالم من نفسه ولا يصير في داخلها سواه، وهي حالة الطُّغيان الذي وصفه المولي عزَّ وجلَّ كطبيعة بشريَّة أصيلة: " ‫كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى، أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى"، ‬ولذلك أقَلَّ انتقاد لمثل هذا المرء يؤدِّي لثورة عارمة تُسمَّي بثورة الخدش النَّرجسيِّ، أي أنَّ خدشاً بسيطاً يفرقع البالون لشدَّة انتفاخه ورِقَّة جلده. ‬
فهو يأخذ ولا يُعطي، ويظلم الآخرين ويفعل ذلك بإحساس المُستحقِّ للأخذ أكثر من جميع النَّاس والمُستغني عنهم. ومثل هذا المرء إذا طُلِب منه شيء غالباً ما يقول لا أو قد يعِدْ بفعل الشيء ولا يوفِ بوعده.

أمَّا الشَّخص السَّوِيِّ فيكون بالونه منفوخ بالقدر الذي يسمح للآخرين بالتَّواجد معه، ولذلك فهو يأخذ وقتاً أطول في الانفعال إذا ما خدش النَّاس جدار بالُون ذاتيَّته، لأنَّه لا يزال سميكاً ويتحمَّل ضغطاً أكبر قبل أن يُفرقع، وهو شخصٌ كريم يحترم ذاتيَّته وذاتيَّة الآخرين يعرف قدر وقيمة نفسه وقدر وقيمة الآخرين ولكنَّه أيضاً يُعطي ويأخذ من الآخرين لا يظلمهم ولا يظلم نفسه، فهو يستطيع أن يقول لا للشيء الذي لا يستطيع تأديته أو قد يتغوَّل على حقٍّ آخر ولا يُحسُّ بوخز ضمير وأيضاُ يقول نعم بنفس السُّهولة والتَّوازن.

وهو الصَّرعة الذي وصفه المصطفي صلَّي الله عليه وسلَّم: " كلُّ الصَّرعةِ الرَّجلُ الَّذي يغضَبُ فيشتَدُّ غضبُه ويحمَرُّ وجهُه ويقشَعِرُّ شعرُه فيصرَعُ غضبَه". أي ليس الرَّجل القوي الشَّديد الذي يصرع النَّاس حين يُصارعهم ولكنَّه الذي يُصارع غضبه فيهزم غضبه.

أمَّا النَّوع الأخير فبالون ذاتيَّته مفرَّغٌ من الهواء ومليء بالآخرين لأنَّ تقييمه لذاته ضعيف، ولذلك فهو مِعطاء لا يأخذ فيظلم نفسه بإحساس أنَّه لا يستحقُّ أي شيء، وأنَّ ما عنده ملكٌ للآخرين ويوصف سلوكه بالمساعدة القهريَّة أي أنَّه لا يتمالك نفسه ولا يستطيع أن يُقاومها عند ظهور حاجة لمُساعدة حتى على حساب نفسه، أو أسرته.

فهو لا يستطيع أن يقول لا، وإذا ما قالها أو عجز عن أداء الشيء فيصاب بالكآبة أو وخز الضَّمير، ويسعي بكلِّ جهده لتحقيق الشيء أو تعويض الشَّخص، خصماً على نفسه وعلى أهله لأنَّه يخشى أن يظنَّ النَّاس به سوءاً، فهو يُهمُّه كيف يستقبله النَّاس؛ بل إنَّ احترامه لنفسه وتقييمها لها مرتبط ارتباطاً مباشراً باحترام النَّاس له وتقديرهم له.

ولذلك فهو يتحمَّل أكبر قدرٍ من الاستغلال، وينفخ بالون ذاتيَّته بهواء الحقد والغبن بدلاً عن احترام الذَّات والآخرين حتى ينفجر في نهاية الأمر، وحالة انفجاره تكون في الأكثر ذاتيَّة كالانتحار، أو خارجيَّة كالثورة العمياء، أو ذاتيَّة وخارجيَّة كالذين يُفجِّرون أنفسهم غضباً على أنفسهم وعلى العالم الذي حرمهم وعذَّبهم، أو يقتلون أزواجهم وذريَّتهم ثمَّ أنفسهم. وقد يبدو مثل هذا المرء كمثال للإيثار ونكران الذَّاتَ ولكنَّه في الواقع أنانيٌّ بصورة مقلوبة، أي نرجسيَّته باطنة، لأنَّ كلَّ جهده مُوجَّهٌ لنفسه أوَّلاً وأخيراً، يُريد من النَّاس إظهار تقديرهم لمجهوده حتى يستطيع أن يعيش مع نفسه. وهذا هو الفرق بين الأثرة والإيثار.
فالأثرة تفضيل النَّفس على الغير؛ أي الأنانيَّة، فالذي يفعل الشيء ليعود المردود له فهو يؤثر نفسه على الغير حتى وإن ظهر من سلوكه غير ذلك، لأنَّه يُريد تعويضاً مباشراً أو عاجلاً، وإن لم يجده يُصاب بالإحباط والحقد، ودافعه في العادة يمكث في اللاوعي ولذلك يظنُّ أنَّه يُحسن صنعاً.
وهذه واحدة من مفارقات دين الإسلام لارتكازه على فهمٍ عميقٍ وصحيح لطبيعة النَّفس البشريَّة ولذلك في علم النَّفس الحديث تُعرف هذه الظَّاهرة بالتَّعويض الزَّائد؛ والذي كما قلنا كالبالون شديد الانتفاخ بحبِّ الذَّات أو بحقد الآخرين، فهناك حديث للمصطفي صلَّي الله غليه وسلَّم يتحدَّث عن هذه الظَّاهرة:
" واللهِ إنَّ أحدَكم - أو: الرجلُ - يعملُ بعملِ أهلِ النارِ، حتى ما يكونُ بينَه وبينها غيرَ باعٍ أو ذراعٍ، فيسبقُ عليه الكتابُ فيعملُ بعملِ أهلِ الجنةِ فيدخُلَها، وإنَّ الرجلَ ليعملُ بعملِ أهلِ الجنةِ، حتى ما يكونُ بينَه وبينها غيرَ ذراعٍ أو ذراعيْنِ، فيسبقُ عليه الكتابُ، فيعملُ بعملِ أهلِ النارِ فيدخُلَها".

فهذا التَّعويض الزَّائد قد يتمُّ مثلاً لأنَّ والداً حرم طفلاً من عاطفته فيسعي هذا الطِّفل منذ صِغره في التَّفاني لخدمة والده مؤمِّلاً أنَّ يوماً ما سيصحي والده من غفلته ويعوِّضه من الحنان والمحبِّة ما افتقد طيلة حياته وبذلك يظهر أنَّه إنسان بارٌّ بوالده والجميع يشهد بذلك.
وإذا ما رجع أخٌ له مُتمرِّدٌ وعاصٍ أذاق والده الأمرَّين في حياته، واحتفل به الوالد لعودته تائباً، وأظهر من الحفاوة والحنان ما لم يُظهر منه شيئاً للولد البار فقد ينتفخ بالون ذاتيَّة هذا بالحقد والغضب ويثور على والده ويخرج عن طاعته، وبذلك يدخل النَّار بينما يدخل الآخر الجنَّة.

والسَّبب نيَّة العطاء فالأوَّل أعطي حتى ينال شيئاً من والده وليس من ربِّه والثَّاني تمرَّد ليس ضدِّ والده ولكنَّه لربما كان يمُرُّ بصراع نفسي ووجودي عن هويَّته أو إلهه أو ما الذي يريده من حياته، أي يمرُّ، كما قلنا من قبل بمرحلة الشَّك المنهجي، ويعمل لذلك على تعليم نفسه بالتَّجربة لإدراك الوعي بإخلاص وصدقٍ مع النَّفس فأحسن العمل، فيحدث له ذلك نتيجة مجاهدته لنفسه وهو المقصود بسبق الكتاب. ولذلك فالآية الكريمة تُوضِّح هذا الأمر:
" ‫وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ‬".‬

وأهمِّية النِيَّة في كل أمر لا يخفي علينا:
" إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ ولِكلِّ امرئٍ ما نوَى، فمَن كانَتْ هِجْرَتُه إلى اللَّهِ ورسولِهِ فَهجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِه، ومن كانت هجرتُه إلى امرأةٍ ينكِحُها، أوِ دنيا يصيبُها فَهجرتُه إلى ما هاجرَ إليه".
فالذي هجر حياته ووهبها لخدمة والد قاسٍ ليجد تقديراً منه فهجرته لذلك والذي يهب حياته لخدمة والده امتثالاً لأمر المولي عزَّ وجلَّ: " ‫وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا‬"، فهجرته لله وثوابه عليه لا على والده وعقاب والده على الله. ‬

أمَّا الذي يؤثر غيره فلا بُدَّ أن يفعله من أجل تعويضٍ آجلٍ من قوَّةٍ أعظم، امتثالاً لأمر القوَّة الأعلى نفعاً للنَّفس، ولا يتمُّ ذلك إلا بالإيمان بالغيب بأنَّ هناك سيكون جزاء أوفي ممَّا أعطي، ولذلك فالإيمان شرط إذ أنَّ الإنسان إذا ما ظنَّ أنَّ هذه الحياة لا حياة بعدها فسيكون خاسراً بحسابها لأنَّه يُعطي ولا يأخذ.

إذن الإنسان مسموح له بأن يكون أنانيَّاً ولكن ليس في هذه الحياة الدُّنيا. وعندما ذكر المولي عزَّ وجلَّ الإيثار فقد شرطه بأمرين أوَّلهما الإيمان والثَّاني محبَّة من تُعطي إليه وليس محبَّة لنفسك، ولذلك يجب أن يكون القرار عن وعيٍ كامل بقصد العطاء، وبغير حاجة لما تُعطي في نفسك لا ترجو منه ثواباً عاجلاً من المُعطي إليه، بمعني أن تفكَّ الارتباط العاطفي تماماً فلا تشتهيه وأن تُعطيه بل تفرح أنَّ أحداً قبِل عطاءك فأنت تضعه في كفِّ الله لا كفَّ الإنسان: "
‫والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"، وبانتفاء شُحَّ النَّفس أي بخلها تنتفي النَّرجسيَّة الظاهرة والباطنة.‬
يقول المصطفي صلَّي الله عليه وسلَّم:
‬ "مَنْ تصدَّقَ بصدقَةٍ من كسْبٍ طيبٍ؛ ولا يقبَلُ اللهُ إلا الطيبَ، كانَ إنَّمَا يضَعُهَا في كفِّ الرحمنِ يُربِّيهَا لهمْ كمَا يُرَبِّي أحدُكُم فَلُوَّهُ أو فَصِيلَهُ حتى يكونَ مثلَ الجبلِ".

ونصيحة سيدنا سلمان الفارسي لأخيه الأنصاري سيدنا أبي الدَّرداء رضي الله عنهما والتي أكَّدها المصطفي صلَّي الله عليه وسلَّم: " إن لنفسك عليك حقا، ولربك عليك حقا، ولضيفيك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه"، ليس إلا تنبيهاً للتَّوازن في العطاء والأخذ ولا ينتج ذلك إلا من حدوث التَّوازن العاطفي.

وهذه معايير تساعدنا في توظيف من يُقدِّمون خدمةً للمواطن في دواوين الدَّولة، وعليه فيجب للجنة الاختيار أن تسأل عن الشخص في بيئته لتعلم خُلُقه قبل أن تُوظِّفه فيُذيق النَّاس الأمرَّين إن كان نرجسيَّاً أو كان مُحتقراً لذاتيَّته.

وفي الدُّول الغربيَّة يُضمَّن العمل الطَّوعي في المناهج الدِّراسيَّة فيصير طبعاً في النَّاس وهو شرط من شروط التَّقديم للجامعات والوظائف لأنَّه يُظهر طبيعة المرء ومسابقته للخير.

ولا يُفعل هذا من بابٍ ديني، وإن كان في أصله ديني، ولكن من باب المصلحة.
فالذي يتخرَّج من جامعة مُعيَّنة ويُعامل النَّاس بكفاءة وخُلُق وتوازن هو أفضل دعاية للجامعة، والذي يعمل في مؤسَّسة عامَّة أو خاصَّةٍ فهو يجذب الزَّبائن للشركة، أو يُقلِّل من فُرص الشكاوى والتَّقاضي والغرامات فلا يظلم الزَّبون ولا يظلم شركته ولا يظلم نفسه بإعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه. والنَّاس عموماً عند تقديم شكوى لا يهُمُّهم التَّعويض المالي بقدر ما يهُمُّهم الاعتذار لردَّ الاعتبار والكرامة.

وأيضاً من المهمِّ جدَّاً لتوظيف شخصٍ ما أن يكون "لاعب فريق"، أي يستطيع أن يلعب بتعاون مع من يعمل معه، كالذي يلعب كرة القدم ويكون أنانيَّاً ولا يُمرِّر الكرة لزملائه وبذلك يُفقد الفريق فرص الفوز أو الذي يُمرِّر الكرة للآخرين في كلِّ مرَّة حتى وإن أُتيحت له فرصة تسجيل هدف فيظلم نفسه ويصنع مجد الآخرين.

وهذا يحتاج لشخصٍ غير أناني يُفكِّر في نفسه وفي الآخرين، وله القدرة على التَّقمُّص فيُحسُّ بالآخرين، ولذلك إذا أخطأ النَّاس في حقَّه يجد لهم الأعذار، أو يقبل عذرهم إن هم اعتذروا، ومن يرفض ذلك فهو ذو نرجسيَّةٍ مريضة وطاغوتيِّةٍ كبيرة.
وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي
ودمتم لأبي سلمي



د عبدالمنعم عبدالباقي علي
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1292

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. عبدالمنعم عبدالباقي علي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة