المقالات
السياسة
"أبو الريح " و حكاية البطة البرية .
"أبو الريح " و حكاية البطة البرية .
08-30-2016 04:03 AM


رأيته للمرة الأولى في العام 1990 . كنت حينها فردا تعيسا في معسكر للدفاع الشعبى خارج مدينة القطينة . قضيت هناك شهرين من أسوأ شهور حياتى ، تعرضت خلالهما للتجويع و الإذلال ومحاولات التدجين . لكن تلك قصة أخرى . المهم أنه في الحفل النهائى لتلك المهزلة رأيت " الريح عبدالقادر " للمرة الأولى . كان قائد المعسكر - و يدعى " محمد خالد " - يمسك بالمايكروفون متحدثا حينما انبرى طالب من اللا مكان معربا عن نيته في إلقاء قصيدة من تأليفه عن المعسكر . نظرت إليه من بين جموع الطلاب فاذا به أسمر اللون ، طويل كما سارية العلم في قلب ساحة المعسكر . قدم نفسه قائلا " الريح عبدالقادر " و قبل أن ننتبه بدأ يلقى قصيدة ركيكة مهلهلة ( و تنتهى قافيتها بضم الدال ) :
جئنا لكى نجاهد
جئنا نغنى أنا عائد
نستيقظ في كل صباح فنشرب الشاى
و نذهب الى الميدان الصاعد
و نؤدى البيادة
ثم نصلى
و نستمع إلى محمد خالد
الرجل الخالد
( ثم حين التقت بحثا عنه و لم يجده أردف بسرعة ) أين هو ؟
انفجر الجميع بالضحك . حتى الملازم " ياسر " الذى كان مثالا على الصمت و القسوة نسى وقاره و تحول صدره الى نرجيلة تكركر بقهقهة متواصلة .
ذهبت إلى الجامعة بعد ذلك . و نسيت " الريح " في خضم محاولاتى التعرف على المكان الجديد و الوجوه الجديدة . كانت براعم الحلم حينها تتثاءب مستيقظة للتو في حقل العمر . ثم ذات يوم رأيت "الريح " قرب الكشكش الصغير جوار داخلية " عطبرة ب " . كان يرتدى عراقيا قصيرا رغم طول قامته فبدا شكله كركيا مضحكا . ذهبت إليه و برغبة طفولية في العبث البرئ قدمت إليه نفسى باعتبارى واحدا من معجبيه الكبار في الكون . التمعت عيناه ببريق رضا أخاذ و أصر يدعونى لكوب من الشاى . بعد يومين جاءنى زائرا في الكلية . كنت أقف قرب حجر " الدسمس " الشهير حينما رأيته . جاءنى معبرا عن رغبتى في قراءة بضعة قصائد على مسمعى ، مبررا ذلك أنه يود الاستفادة من رؤيتى النقدية باعتبارى دارسا في كلية الآداب . و في الحال استعرت في داخلى تلك الرغبة الطفولية في المرح فجمعت عددا من زملائى و قدمته إليهم " الريح عبدالقادر ، طالب بكلية العلوم الإدارية ، شاعر من غطاريف الشعراء " . المعت عيناه بذات البريق الذى ينم عن رضا عارم بالذات ، و قرر أن يلقى على مسامعنا قصيدة بعنوان " سرب الظبا الجانى " . سألته – متخابثا – عن مناسبة القصيدة فقال إنه زار شركة ما في الخرطوم ، و هناك فوجئ بأسراب من الحسان تلتف حوله . تنحنح قليلا ، ثم غاصت عيناه في أفق بعيد و هو يرتل قصيدته ذات القافية النونية المكسورة :
سرب الظبا الجانى
تتمايل خطاهو في الختل و الختلان
كطاؤوس بيقدل بين ظل و دوحان
مالوكان حيانى ؟
سنة الاسلام السلام
( ثم التفت إلينا مرتجلا ) و لا شنو يا اخوانى ؟
انفجر الجميع بضحك محموم ، بينما تظاهرت أنا بالتماسك و صرت أصفق تصفيقا عظيما . قلت له " أنت شاعر مجيد . فهمت أن " الختل و الختلان " هما ضربان من السير " . أطرق برأسه إطراق نابغة يحاول النزول الى مستوى بعض الغوغاء و همس " فعلا ، فعلا " .
مرت الأيام و بدأ صدامنا الأول مع سلطة المهووسين عبر مظاهرات سلمية داخل الجامعة . كان الجو خانقا حينها و الجامعة تمور بالأمنجية ، و كانت أركان النقاش تستعر بوجهات نظر متضادة ، متضاربة . فجأة ، جاءنى " الريح " . أخبرنى أنه نظم قصيدة عن مجد جامعة الخرطوم و أنه قرر أن يقرأها على مسمعى أولا . تظاهرت بالإطراق و قلت له تفضل ، فقرأ على مسمعى قصيدة قافيتها ياء مضمومة:
جامعة الخرطوم أتاك ركب
قال من أين ؟ أمن الغرب ؟
قلت لها بلى
فنحن قوم يعرف شرفنا حتى الكلب
ثم انتقل الى قافية مختلفة ( لام مضمومة )
جامعة الخرطوم نحن جئناك بالرجال
نحن جئناك بالعكازات الطوال
ثم استمر صوته يهدر عاليا . و شيئا فشيئا بدأ الطلاب يصطفون حوله كما طيور البطريق . المعت عيونهم بسعادة غامرة و هم يستمعون إليه يرتل قصديته الكوميدية الهزيلة . و بين الفينة و الأخرى ينفجرون في ضحك عارم ، عظيم . نسى الحضور قلق المظاهرات ، و القنابل المسيلة للدموع ، و الهراوات التى واجهت بها السلطة مظاهراتنا السلمية ، و تحول المكان إلى مهرجان بهى يضج بالحياة . تلك كانت سمة " الريح " الكبرى : بث الحب و الحياة في أى مكان يذهب إليه . وعقب فراغه من قراءة قصيدته العصماء ضج المكان بتصفيق هائل . انتحيت بشاعرى جانبا . سألنى عن وجهة نظرى فوضعت على وجهى تلك النظرة الجادة ، و قلت له " تعرف أن أمثالى من الهواة لا يرتقون إلى سماوات إبداعكم . لكننى أرى أنه من الأصوب استبدال كلمة " العكازات " بكلمة " العكاكيز " . فالعكازات جمع قلة و العكاكيز جمع كثرة ( كلام لا أساس له من الصحة طبعا ) ، و بما أن طلاب الجامعة ثوار يهدرون في ثنايا المكان وجب وصمهم بالكثرة . التمعت عيناه بحب جارف فعانقنى و هو يهمس " لهذا أحرص على صداقتك يا مهدى . أنت كنز " . في تلك اللحظة حدث شئ غريب . شئ رفع من سقف شقاوتى مع " الريح " بصورة هائلة . مر قربنا " برفسور " الحبر يوسف نور الدائم " . كان الرجل يتقلد رئاسة شعب اللغة العربية حينئذ و كان – و لا يزال – عالما من علماءها الكبار . قلت للريح بسرعة " لماذا لا تلقى قصيدتك هذه على بروفسور الحبر ؟ سألنى في لا تصديق " أممكن هذا ؟ " . قلت له و قلبى يخفق في انفعال غذته المغامرة " و لم لا ؟ " . ثم قبل أن يفيق من دهشته أقتدته من يده الى حيث يقبع مكتب البروف . طلب منى الشاعر العظيم أن أقابله مع عالمنا الكبير ، لكننى تظاهرت بالانكسار و قلت " و ما الذى يجلسنى بين نجوم السماء ؟ " . هز رأسه لا مباليا لثوان ثم دفع الباب و دخل . مضت نصف دقيقة فقط قبل أن يرتفع صوت البروف مقهقها في هستيريا غريبة ، وبين ضحكة و ضحكة كنت استمع الى صوت يد تضرب على الطربيزة في قوة . غنى عن القول أننى تسللت من المكان بهدوء قبل أن أرى ختام تلك المسرحية اللطيفة .
آخر مرة رأيت فيها " الريح " كانت قرب مكتبة " المين " . كان ممسكا بأوراق متناثرة و قد شحب وجهه من فرط الدراسة فقد كنا على بعد أسبوعين من الامتحانات . رآنى فهشت ملامحه الطفلة . عانقنى في حب حقيقى . انضم الينا بعد قليل زميل لطالما هاجمنى بسبب تشجيعى للريح . قال لى ذاك الزميل إننى أرتكب جرما بتغذيتى خيال الريح المريض . لكن الظاهر أن ذلك الصديق العزيز لم يفقه فلسفتى الكلية في الوجود . كنت – و لا زلت – أرى الحياة معاناة هائلة كما عبر عن ذلك بوذا ، و أرى أن الإنسان بطبعه موجود في عراء قاس يموج بالأسئلة و الغموض ، و لكى نتعامل مع هذا الكون لا بد من بعض الوهم الجميل . أذكر أننى حينما قرأت مسرحية " البطة البرية " للعظيم هنريك ابسن تأثرت بها جدا ، و هى مسرحية يقدم من خلالها الدرامى النرويجى العبقرى فلسفته العميقة : أن السعادة شعور إنسانى قد يكون مبعثه الوهم ، و أن التعاسة شعور إنسانى قد يكون مبعثه الحقيقة ، و أننا إن وجدنا واهما سعيدا علينا أن ندعه في وهمه ، و ألا نحاول سوقه إلى حقيقة قد تجلب له شقاءا و بؤسا . بتلك الرؤية كنت أتعامل مع " الريح " . كنت أثق أن الرجل لن يكتب شعرا عظيما يوما . لكن ، ما الضير من جعله يعيش سعيدا و لو لبضع دقائق ؟ ثم إن " الريح "نفسه تحول إلى وسيلة ناجعة لإسعاد العشرات من حوله . أخرجنى صوت " الريح " من تأملاتى فسألته عن جديده الشعرى . برقت عيناه كما هى عادته كلما أراد أن يرتل على شخصى شيئا من إنتاجه الأدبى . قال لى " لهذه القصيدة مناسبة . سألتنى إحدى الحسان عن سر اختفائى فقلت لها ( و القصيدة تنتهى بحاء مكسورة ) :
قالت و قد تمايلت في تمليح
أين أنت يا بو الريح ؟
أتراك قد تركت البنش و النجيلة الخضراء و الشرحيح ؟
قلت لها كفاك أسئلة يا اختى في هذا الزمن القبيح
فأنت تجلسين في " المين رود " لاهية
و أنا أعانى تحت المراويح !!
انفجرت و صديقى في ضحك انبعث من دواخلنا الشقية . ثم من بعيد قدمت إلينا زميلة جميلة . رجوت " الريح " أن يقرأ على مسامعها قصيدته ثانية ففعل بكل طيبة خاطر . ترجرج خليج ينام على نهديها الصبيين من فرط الضحك الهستيرى ، وتراقصت خصلتها الشهيرة تلك على جبينها البدرى ، ثم ركضت بعيدا و ثلاثتنا نحدق وراءها في غياب كامل .
" الريح عبدالقادر " : لا أعلم ما فعلته بك الليالى يا صديقى . لكن سلام عليك حيثما تكون الآن !!
....
مهدى يوسف
جدة
الجمعة 26 أغسطس ، 2016
[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1335

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1513742 [الريح عبد القادر محمد عثمان]
0.00/5 (0 صوت)

09-01-2016 04:13 PM
أخي العزيز مهدي يوسف
أهنيك على أدبك ورحابة صحدرك، وأشكرك على قبول الحوار معي .
أود فقط أن أوضح أن أسلوبك في الكتابة يدل على أنك كاتب جيد تمتلك ناصية البيان، لكن الموضوع الذي تناولته، في هذة المقالة تحديدا، فيه سخرية استنكرتُها. ولذلك فقد قضى الموضوع على الأسلوب، في تقييمي البسيط. يأمرنا ديننا ألا يضحك أحد من أحد ساخراً منه، مهما بدا ذلك مسليا أحيانا. ومع التضرع لله أن ينزل الله شآبيب الرحمة على أديبناالطيب صالح، لا أدرى كيف تستند على السخرية التي افترضتها في "منسي" ولا تستند على النهي عن السخرية في الآية الكريمة "لا يسخر قوم من قوم"؟ وعلى كل حال لا يجوز أن نقارن شخصا من لحم ودم بشخصية روائية. ولا أعتقد أن صديقك الريح عبد القادر سيرضى عن هذا المقال، بل سوف يحزن جدا لأنك هزأت من شاعريته. ثم إنه لم يصبح شخصية عامة حتى يتاح لنا نقده في المنابر العامة. وحزنه هذا قد يدخلنا في باب الغيبة. والحكمة ضالة المؤمن، والكِبر بطر الحق (إنكاره) وغمط الناس (استحقارهم). ولك مني العتبى، والتحية التقدير.
وسأتابع كتابتك لأقرأ لك ما هو أفضل بإذن الله تعالى.
أخوك/الريح عبد القادر

[الريح عبد القادر محمد عثمان]

#1512422 [الريح عبد القادر محمد عثمان]
0.00/5 (0 صوت)

08-30-2016 01:39 PM
أخي الكريم مهدي يوسف.
لقد سخرت عبر الأسافير من رجل يبدو من حديثك عنه أنه كان يحبك ويتوسم فيك خيراً. وفي النهاية تناديه بقولك "يا صديقي"، أي صداقة تلك؟ رب صداقة خير منها العداوة. "يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيرا منهم". لقد حاول هو أن يكتب شعرا. لم ينجح في الكتابة لكنه لم يؤذ أحداً. وحاولت أنت تكتب نثراً. لم تفلح في الكتابة ولكنك آذيت صديقك وآذيت القراء بأذى صديقك.
فهاك هذه بلسان "صديقك الذي كان" الريح عبد القادر:

ظننتُك يا ابنَ يوسفَ من أُساتي *** فخابَ الظنُ فيكَ وفي الأساةِ
لقد رمتُ المــــودة من أناسٍ *** يبيعون المــودةَ بالفُتاتِ
فضحتَ مساوئي وكشفتَ ســـــري *** وكانت غلطتي بعد الفـواتِ
زرعتَ الشـوكَ عمداً في طـريقي *** فتاهَ القلبُ يهفو في فَلاتي
ســأعفو حين أُظْلَمُ في حـياتي *** وأعفــو حين يدركني مماتي
سألتُ الله غــــــفراناً لذنـبي *** وذنبك بومَ سُودٍ كــــالحاتِ

****************
أخوك وصديقك الريح عبد القادر

[الريح عبد القادر محمد عثمان]

ردود على الريح عبد القادر محمد عثمان
European Union [مهدى يوسف ابراهيم عيسى] 08-30-2016 09:04 PM
أخى الكريم الريح عبدالقادر
تحياتى الكبار و بعد
ليس الأمر كما تظن على الإطلاق ، و يبدو أنك أخذت الأمر بفرط حساسية لم يستأهلها المقام أصلا ..ليس عيبا ألا يكون الإنسان شاعرا ..النبى عليه الصلاة و السلام قال عنه الله تعالى ( و ما علمناه الشعر )..الريح كان و لا يزال صديقا عظيما ..و أشعاره كان مبعثة طرفة بيننا لا أكثر ..و هو رجل أخضر القلب ..و لديه قدرة حية على خلق الحب فيما حوله ...وهذا سر كتابتى عنه ..و لو رجعت الى كتاب ( منسى ) للعظيم الطيب صالح لوجدت أنه تعامل مع منسى بذات الطريقة ..ألم يصف الطيب وقفة منسى و مشيته و ادعاءه و طريقة كلامه بتلك الطريقة الكوميدية العبقرية العذبة ؟..و مع ذلك لم يهاجم أحد الطيب صالح ..و لا اتهمه بالإساءة ...و ربما كان مبعث حساستك تجاه الموضوع تطابق الاسم فقط !!
اما قولك اننى لم أوفق فى كتابة نثر ..فذاك نقد أقبله بصدر رحب - على تعميمه وغموضه - و أعدك أن أحاول التجويد أكثر يا صديقى فى قادم الأيام ، ..


#1512307 [محمد عثمان]
0.00/5 (0 صوت)

08-30-2016 10:48 AM
زكريات جميلة وحكى مسبوك قبل فترة ظهر فى الاسافير السودانية واحد من هولاء اسمة ابيض اللون , اظنة الريح كان ابيض لونكم فى تلك الفترة .


لك تحياتى مهدى

محمد عثمان
المنامة - البحرين

[محمد عثمان]

ردود على محمد عثمان
European Union [مهدي يوسف الراهيم] 08-30-2016 03:03 PM
اهلا اخى محمد ..الريح كان يصنع الحب و الحياة حيثما حل . امثاله كثر لكنا لا نلتفت اليهم .


مهدى يوسف
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة