المقالات
السياسة
من مذكرات سير جيمس روبرتسون (1)
من مذكرات سير جيمس روبرتسون (1)
08-30-2016 04:05 AM

من مذكرات سير جيمس روبرتسون (1)
From: Sir James Robertson Memoir -1
جيمس روبرتسون James Robertson
ترجمة وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي

مقدمة: هذه ترجمة وتلخيص لشذرات مما ورد في كتاب Transition in Africa من تأليف جيمس روبرتسون. ويتكون الكتاب من ثلاثة أجزاء، خصص الجزء الأول لمذكراته للحديث عن عمله في أقاليم السودان، والجزء الثاني لعمله سكرتيرا إداريا بينما أورد في الجزء الثالث مذكراته في غضون سنواته حاكما عاما على نيجيريا. صدر الكتاب في عام 1974م عن دار النشر اللندنية C. Hurst & Company.
تلقى المؤلف (1899 – 1983م) تعليمه في أدنبرا وأكسفورد، ثم التحق بخدمة القسم السياسي بحكومة السودان بين عامي 1922- 1953م، في مديريات النيل الأزرق والنيل الأبيض والفونج وكردفان. وعين بعد ذلك في منصب السكرتير الإداري من عام 1945 إلى 1953م. ثم غادر السودان إلى غينيا الجديدة، ثم إلى نيجريا، والتي عين فيها حاكما عاما في عام 1955م إلى أن نالت الاستقلال في 1960م.
وبالإضافة لهذا الكتاب، نشر السير روبرتسون كتابا جمع فيه مراسلاته عنوانه The last of the proconsuls ، وعددا من المقالات منها "أصول الفونج" والمنشور في مجلة "السودان في مذكرات ومدونات"، ومقدمة قصيرة لكتاب المهندس المعماري السوداني محمد النجومي، المعنون وصاية عظيمة A Great Trusteeship .
وتسود المذكرات، كما هو متوقع من إداري استعماري حكم البلاد منذ عشرينات القرن الماضي، لغة يغلب عليها التعالي والعنصرية والتفاخر بالقيام بـ "عبء الرجل الأبيض" على أكمل وجه.

المترجم
**** **** ****

في الطريق إلى السودان

عندما حان موعد تخرجي من جامعة أكسفورد بدأت في التفكير في مستقبلي المهني. وكان والدي يحضني على الالتحاق بخدمة القسم السياسي بالهند، غير أني لم أكن أتوق للعمل بها لما سمعته من مشاكل عويصة فيها. وكنت قد سمعت بإدارة القسم السياسي لحكومة السودان من عدد من الأصدقاء والمعارف. لذا قمت بتسجيل اسمي مع الذين يرغبون للتقدم للعمل بالسودان. وكان القبول للعمل في ذلك البلد يعتمد على نتائج المقابلات الشخصية فحسب، إذ لم تكن تقام امتحانات كتابية للمتقدمين. وبالفعل أجريت مقابلة مع موظفين من موظفي إدارة القسم السياسي لحكومة السودان قدما لكلية هيرفورت لإجراء المعاينات الأولية. ولم أكن مطمئنا لنتيجة تلك المقابلة، إذ أنني كنت قد فتحت باب غرفة المعاينات بقوة، ويبدو أن قدمي قد زلت عند عتبة الغرفة فقدت توازني وسقطت أرضا، فصحت مطلقا أشنع اللعنات. ورفعت رأسي لأرى الرجلين يضحكان بشدة. غير أنني – لحسن الحظ أخبرت عقب تلك المقابلة بأنني قد أخترت من ضمن من اختيروا لعمل مقابلة أخيرة في لندن. لا أذكر الكثير مما ورد في تلك المقابلة سوى أنني ناقشت مع أعضاء لجنة الاختيار ببعض التوسع لعبة الورق "بريدج"! وتم اختياري للعمل بالسودان قبل ظهور نتائج الجامعة، ثم طلب مني تعلم اللغة العربية في معهد الدراسات الشرقية، ثم في معهد صغير في Finsbury Circus بلندن علي يد البروفيسور ر. جيب Gibb بمساعدة شيخ مصري. وأضيفت للعربية لاحقا مقررات في علم الأنثروبولوجي والقانون. وشمل مقرر العربية اللغة المكتوبة وليس الدارجة التي يتحدث بها غالب أهل السودان. ولم أكن أعرف أي واحد من زملاء ذلك المقرر، وكانوا ثمانية، ستة من أكسفورد واثنان من كمبردج. غير أن تزاملي وصداقتي لهم استمرت لنصف قرن قادم.
وقضيت أسابيعا طويلة وأنا اقرأ عن تاريخ وجغرافيا ذلك البلد الذي سأعمل فيه، وعن نظام حكمه الثنائي (الغريب)، وعلمت أنه ليس بدولة مستعمرة بريطانية (حسب التعريف الرسمي)، بل حكم مشترك بين بريطانيا ومصر. واعتراف بريطانيا بدور مصر في السودان نابع من كونها كانت تسيطر على ذلك البلد إلى أن طردتها ثورة المهدية في ثمانينات القرن التاسع عشر. ولم تكن مصر لتستعيد حكم السودان إلا بعون بريطانيا.
وأبحرت – للمرة الأولى في حياتي- من تيلبيري في العاشر من نوفمبر 1922م مع سبعة من الزملاء صوب مصر، والتي بقينا فيها عدة أيام قبل التوجه للخرطوم. وزرنا المعالم السياحية بالقاهرة (الأهرامات والموسكي ونادي الجزيرة وغيرها) وقابلنا المفوض السامي البريطاني، والذي زودنا بنصائحه عن العمل والعيش في السودان. لم أطق القاهرة قط، لا هذه المرة ولا في غيرها من المرات التي أعقبت زيارتي الأولى لها. فهي مدينة غير سعيدة، مليئة بالذباب والغبار والشحاذين والصخب والضوضاء، ويصدم المرء فيها ما يراه من تفاوت صارخ بين الباشوات الأثرياء والفلاحين المعدمين. لم أفهم قط أسباب ذلك الشغف الذي يبديه بعض البريطانيين بتلك المدينة!
وكانت رحلة القطار نحو السودان بطيئة ومملة ومُمِضّة، فقد كان الجو حارا ومغبرا ومثيرا للضيق. لذا كان السفر بالباخرة من الشلال إلى وادي حلفا مصدر راحة لي لا توصف. فقد كانت كبائن الباخرة في غاية النظافة، وكان العاملون عليها في غاية الود والتهذيب، ولم أصدم فيها إلا من ماء النيل العَكَرُ البني اللون. وسرعان ما أدركت – بعد عملي لسنوات في السودان- أن هذا هو الماء الذي كتب علي استخدامه للشرب والاغتسال والحمام.
وبعد يومين في تلك الرحلة النيلية بلغنا وادي حلفا، والتي وجدناها مدينة صغيرة نظيفة، حسنة التخطيط. غير أن مقامنا بها لم يطل، إذ سرعان ما وضعنا في قطار البريد الذي كان يشق الصحراء الممتدة جنوبا إلى "أبو حمد" على بعد 240 ميلا. وكان ذلك الخط الحديدي قد بناه كتشنر بين عامي1897 و1898م في حملته لاستعادة (غزو) السودان. ولاحظت أن المحطات العشر بين وادي حلفا وأبو حمد لا تحمل أسماءا بل أرقاما (1 إلى 10)، وكانت القطارات القادمة من الخرطوم هي "شريان الحياة" للعاملين في تلك المحطات الصحراوية. لقد تذكرت هؤلاء بعد ثلاثين عاما وأنا أعالج إضرابا لعمال السكة حديد.
وبعد المرور ببربر وأتبرا عبرنا – أخيرا - جسر النيل الأزرق حيث "بدتْ صفحة ُ الْخُرْطوم مُشْرقة".
وكانت الخرطوم في عام 1922م أصغر كثيرا مما هي عليه في 1953م عندما انتهاء خدمتي بالسودان. فلم يكن هنالك جنوب محطة السكة حديد غير قليل من بيوت الأهالي، والتي توسعت فيما بعد لتصبح ضاحية كبيرة. وكان يحيط بمحطة السكة حديد فراغ كبير، لم يسده فيما أقبل من سنوات إلا منازل الموظفين الحكوميين في المنطقة التي تقع شرق تلك المحطة. أما السوق فقد بنيت متاجره في وسط المدينة. وكان كبار الموظفين يقيمون في بيوت أنشئت على ضفاف النيل الأزرق.
وأقمنا في الأسابيع الثلاث الأولى بالفندق الكبير ونحن في مرحلة "التهيئة الابتدائية" قبل توزيعنا على مختلف الأقاليم. ورتبت لنا زيارات لمختلف المصالح الحكومية. وذهب بنا لمقابلة السير لي استاك الحاكم العام في قصره، وبدا لي الرجل حكيما وطيبا بالغ اللطف. وقابلته مرة أخرى وأنا في رحلة صيد في "بتري" حيث كنت أعمل، وكان هو في رحلة صيد أيضا. وشعرت بالحرج وهو يدعوني – أنا الموظف المستجد- للانضمام لجماعته في تلك الرحلة.
يصعب علي بعد مرور نصف قرن أن أصف مشاعري تجاه البلد الذي قضيت فيه معظم سِنُون حياتي العملية. لقد قرأت بالطبع عن مقتل غردون بالخرطوم في 1885م، واستعادة كتشنر للسودان بعد 13 عاما من ذلك، وأنا فخور بأني قد أخترت لتتبع خطى أمثال أولئك الرواد العظام الذين فتحوا هذه البلاد وجلبوا لها الأمن والسلام والنماء. لقد عملنا لخدمة سكان هذه البلاد بحسب تقاليدنا التي ورثناها وتشبعنا بها. لقد سألني أحدهم إن كنا في بداية عملنا في السودان في 1922م قد أخبرنا أن هدف حكومتنا النهائي هو قيادة السودان لنيل حق تقرير مصيره في المستقبل. وأجبت بأنني لا أذكر أن أحدا من المسئولين ذكر لنا أن ذلك كان هو الهدف. كل ما أخبرنا هو أننا خدام للشعب السوداني، وأننا نعمل تحت إمرة الحاكم العام والحكومة السودانية التي أقسمنا على الولاء لها. لم يكن لنا علاقة بأهداف الحكومة البريطانية إلا فيما يتعلق برفاهية الشعب السوداني.
******* *********** **********
عملي في الكاملين (النيل الأزرق) بين عامي 1922 – 1925م

غادرنا الخرطوم بالقطار عند الثامنة صباحا وبلغنا ود مدني (التي تبعد 120 ميلا) في الثانية ظهرا بعد توقف طويل في محطات كثيرة. وأخذنا من المحطة مباشرة إلى مبنى المديرية، حيث نقلنا المدير (آرثر هيدليستون) فور وصولنا في سيارته الفورد لزيارة استغرقت نحو ساعة ونصف لمشروع الري (بالطلمبات) في منطقة الحوش (وهو مشروع تجريبي أقيم قبل إنشاء سد سنار). ولم نتناول الغداء إلا عند الرابعة عصرا!
ثم ذهبت لمقر عملي كمساعد مفتش في منطقتي رفاعة والحصاحيصا، حيث كان هيدليستون يحرص على زيارتي في كل مرة يذهب فيها للخرطوم. وكان بيتي في رفاعة والتي تقع على بعد أربعة أميال شرق النيل الأزرق في مواجهة الحصاحيصا. وكنت أنتقل في كل أسبوع لعدة مرات بين رفاعة والحصاحيصا بالمركب وعلى ظهور الجمال. وكان لدينا عدد من المآمير ونوابهم المصريين في المدينتين الصغيرتين. وكانت الإدارة الأهلية بالمنطقة مقسمة إداريا لخطوط، وكل خط به عمودية (أو أكثر)، وتنقسم العمودية لمشايخات عديدة. وكانت الحكومة التركية – المصرية والنظام المهدوي الذي أتى بعدها قد خربتا ذلك النظام التقليدي في الحكم المحلي، خاصة في المناطق النهرية. وعندما توليت إدارة منطقتي لم يكن للشيخ في أي قرية سلطة محاكمة أي متهم أو جمع العشور والمكوس. إلا أن ذلك الوضع تغير بين سنوات الحربين.
وكانت سنوات عملي في هذه المنطقة هي سنوات تعلم واكتساب خبرة عملية. وكان بيت بيدجت مفتش المركز في رفاعة بيتا صغيرا مكونا من ثلاث غرف وفراندا، ورغم ذلك فقد قبل ذلك الرجل الكريم بأن أشاركه السكن فيه (عوضا عن اقامتي منفردا في الاستراحة الحكومية). وكان بيدجت بالفعل رجلا مرحا لين الجانب (رغم عمله السابق في سلاح الجو الملكي إبان الحرب العالمية الأولى) لا يجد أي مواطن عسرا شديدا في مقابلته وتقديم عريضة له تفصل شكوا، وذلك في مقابل دفع ثلاثة قروش ثمنا لورقة العريضة وكتابتها. وكان بيدجت يطوف على منطقته وهو يحمل لعب لجنود بكامل زيهم الحربي (toy soldiers) ليوزعها على الأطفال وأحيانا على الشيوخ ذوي اللحى البيضاء. وكان يطلق في السماء طائرة من ورق أو قماش (kite) كي يعلم السكان بمكان وجوده عند الطواف في مختلف مناطق إدارته.
وتعلمت في سنواتي تلك أيضا اللغة العربية الدراجة في السودان من جديد، فقد كان ما تعلمته في لندن من اللغة الكلاسيكية قليل النفع لي هنا. ولم يكن في رفاعة بأكملها من يتحدث الإنجليزية سوى كاتب واحد كان مشغولا دوما بكثير من الواجبات المكتبية. لذا فقد بدأت عملي دون الحاجة لمترجم مما حسن من لغتي المنطوقة. وبدأت أيضا في تجويد لغتي المكتوبة استعدادا لامتحان اللغة العربية والذي كان النجاح فيه شرطا من شروط التثبيت في الخدمة، ونيل العلاوات المقررة، والترقية مستقبلا. وفي يناير 1924م (أي بعد مرور عام على عملي في الجزيرة) جلست لامتحان في اللغة العربية والقانون، بعد أن طلبت من شيخ أبو بكر المليك ناظر مدرسة الكاملين الأولية (وهو لا يعرف الإنجليزية) مساعدتي في الإملاء. وتقاعد ذلك الشيخ من التعليم الحكومي في عام 1948م وأنشأ مدرسة بنات ثانوية خاصة في أم درمان قمت بزيارتها في عام 1962م عند مجيئي للسودان. وقابلت في يوم ذلك الامتحان عددا من الأصدقاء والزملاء السابقين وتبادلنا سريعا الكثير من الأخبار والشائعات. ولعجبي وجدت المراقبين في ذلك الامتحان في غاية التساهل مع الممتحنين. غير أن "التعاون" بين أولئك الممتحنين لم يكن بالضرورة مفيدا لبعضهم. فقد همس أحدهم لزميله بكلمتي “war drum” ولكن الآخر سمعها وكأنها “wardrobe”، ولاقى بذلك الفهم المغلوط عسرا شديدا في وضع الكلمة في السياق الصحيح لترجمة النص العربي أمامه. وعند إعلان النتائج وجدت نفسي (للغرابة، وبالكاد) مع الناجحين من المحاولة الأولى، وتم تثبيتي في الخدمة، ونلت رتبة "قاضي درجة أولى".
وفي أيامي تلك في رفاعة حدث خسوف للقمر. وذهلت عندما رأيت الناس يستقبلون ذلك الحدث (الطبيعي) بضرب الطبول والغناء والصياح، ووضع بعض الأهالي صحونا مملوءة بالطعام أمام أبواب منازلهم استرضاءا للشياطين التي "تقضم القمر".
وكان يعمل معي في وظيفة مأمور (مامور) مصري قصير وسمين ومداهن (اسمه حنفي علي) لم أسترح للتعامل معه قط، ربما لكره الأهالي له، ولشجاره الدائم مع نائبه السوداني محمد عامر بشير. كان والد عامر هذا يعمل في رعاية إبل الخليفة عبد الله. وتعلم محمد عامر بشير في كلية غردون وتعرفت عليه في الكاملين حيث كان يأتيها في عطلات الكلية. وكنت أعيره بعض كتبي الإنجليزية. وعمل فيما بعد مترجما في الجمعية التشريعية، حيث كنت أقابله كثيرا (لعل المقصود هو محمد عامر بشير فوراوي (1908 – 1975م)، والذي عمل في آخر وظيفة له مديرا للاستعلامات والعمل في عهد عبود. المترجم).
وكانت أكثر الجرائم التي كان علي الفصل فيها بمنطقة الكاملين هي سرقة الإبل (فثمن الجمل الواحد قد يصل لخمسة عشر من الجنيهات، وهو مبلغ كبير آنذاك، يكفي لتغطية تكاليف الزواج بفتاة صغيرة جميلة). وبذلت جهدا كبيرا في سبيل كبح سرقات الإبل حتى أطلق علي الأهالي لقب "تمساح الحرامية"، وكانوا ينادونني أحيانا يا "تمساح"!
**** ************* *************** ***********
عملي في النيل الأبيض بين عامي 1925 – 1930م و 1936 – 1939م

قضيت معظم سنوات حياتي العملية في مناطق النيلين الأزرق والأبيض، وبدا وكأني لا أنقل لمنطقة أخرى غير هذين النهرين.
بعد عملي في الكاملين لعامين، سافرت لإنجلترا في عطلتي السنوية، وكنت قد أخبرت بأني سأنقل لبحر الغزال عند أوبتي. ولكني عندما عدت وجدت أنه قد تقرر نقلي للقطينة على النيل الأبيض. ولعل سبب التغيير هو أني خطبت إحدى الآنسات في غضون أيامي في عطلتي تلك بإنجلترا. وكانت الإدارة لا تحبذ أن يتزوج الموظف قبل أن يعمل فيها عددا من السنوات في مناطق "الشدة"، حيث لا تطيق العيش فيها البريطانيات.
وكانت مشكلة تسجيلات الأراضي هي من أهم المشاكل التي واجهتها في القطينة، والتي تفاقمت خاصة بعد إنشاء خزان جبل أولياء، وغمر المياه لبعض أراضي المنطقة. وكاتبت السلطات في الخرطوم لمواجهة مشكلة تسجيلات الأراضي بدفع تعويضات للمتضررين. ودخلت في مكاتبات عقيمة مع مسئول الشؤون القانونية بمكتب السكرتير حول الأمر ولكن من غير جدوى. ولحسن الحظ حلت معظم المشاكل تلك بقيام مشروع الجزيرة وامتداده حتى النيل الأبيض، وبنيل المتضررين في منطقة القطينة حواشات في ذلك المشروع.
وتمت ترقيتي في عام 1937م نائبا لمدير مديرية الجزيرة، والتي أنشأت حديثا بعد التخطيط لإقامة امتداد عبد الماجد بمشرع الجزيرة، فضمت مديريتي النيل الأزرق والنيل الأبيض في مديرية واحدة حتى تسهل عملية إدارة الأراضي التي يقع فيها ذلك المشروع. غير أنه تم الاحتفاظ بمديرية النيل الأبيض لإدارة الأمور الاعتيادية الأخرى (normal administration هكذا! المترجم) وهي المديرية التي عهد إلي بإدارتها لعامين كاملين.
وشهدت تلك الفترة طفرة في تطوير الإدارة الأهلية، وكان للسير جون مافي (حاكم عام السودان في عام 1926م) قصب السبق في وضع تلك السياسة المتقدمة. فقبل تلك السياسة لم يكن للنظار وشيوخ الخط والعمد وشيوخ القرى أي دور في حفظ الأمن والقانون، ولا في الفصل في القضايا المدنية والجنائية، وجمع العشور والمكوس وغيرها من المهام التي كان يتولاها جميعا مفتش المركز والمامور ونائبه. وكان النظار والعمد يعدون من "قادة" الأهالي الذين يمكن للإداريين البريطانيين الاستعانة بهم، ولكن من دون سلطات فعلية. غير أنه، بعد إنفاذ سياسية السير مافي صار لهؤلاء القادة المحليين سلطات كثيرة كان يتولاها من قبل الإداريون الحكوميون.
وخلال عملي قاضيا بالقطينة ثم الدويم فصلت في قضايا جنائية ومدنية عديدة كان بعضها مثيرا للاهتمام. وكنت أعتمد كثيرا على عون نائب المامور السوداني محمد صالح الشنقيطي (والذي ترأس لاحقا الجمعية التشريعية بين عامي 1948 و1953م). وكان من تلك القضايا قضية أثارت كثيرا من الجدل في السودان في تلك السنوات. كان توني آركل (مفتش مركز كوستى) قد كشف عصابة في بني شنقول يقودها رجل من شمال السودان اسمه شيخ خوجلي حسن (بالتعاون مع زوجه ست آمنة التي كانت تقيم في الكرمك) كانت تدير عصابة لاسترقاق الفتيات الزنجيات الاثيوبيات بعد خطفهن من قراهن وبيعهن لبعض العرب، والذين كانوا ينتقلون بهن للنيل الأبيض، ومن بعد ذلك لكردفان ودارفور. واكتشف آركل المئات من حالات الاسترقاق (الجنسي) تلك وأرسل تقارير عنها لرئاسة المديرية وللخرطوم. قمت على إثر ذلك بإرسال عدد كبير من المآمير والكتبة والشرطة لتقصي تلك الحالات في كوستي وتندلتي، مما عطل أعمال كثير من الناس في منطقتي. وأمرت كذلك بحصر أعداد كل الخادمات اللواتي يعملن في بيوت "أسيادهن" (ممن يشتبه في أنهن مسترقات) في المنطقة. وبالفعل استجوبت بعض هؤلاء النساء وسألتهن مباشرة إن يكن يردن الحرية، فوافق عدد قليل منهن على ذلك. غير أنه بعد قيام مشروع الجزيرة قام كثير من أولئك النسوة بترك منازل "سادتهن" للعمل بالمشروع والاعتماد على أنفسهن. غير أنه يلزم القول بأن هؤلاء النساء كن يعتبرن "سادتهن" السابقين بمثابة أصدقاء قدامي، وكثيرا ما كن يعدن لمنازل هؤلاء للزيارة.
وفي يوم 21/7/ 1926م عقدتي قراني في هيدرسفيليد. وحمدت الله على أنني لن أعمل في القطينة بأطول مما فعلت. فقد كانت مدينة صغيرة كئيبة ومغبرة، والحياة فيها مملة ورتيبة جدا، ولم تكن زوجتي تجد ما تفعله في أيامها هنالك. فالخدم يقومون بكل أعمال المنزل اليومية، وأنا خارج الدار في المكتب أو في جولاتي التفقدية.
******* ********* ********
عملي في غرب كردفان بين عامي 1933 – 1936م

كانت منطقة غرب كردفان من أكثر المناطق إثارة للاهتمام بالنسبة لي، وذلك لكبر مساحتها وتعدد القبائل التي تقطنها. وشكل اختلاف تلك القبائل وصراعاتها ونزاعاتها الدائمة حول الأرض والرعي والزراعة مصدرا لمشاكل حادة لا تكاد تتوقف. ففي شمال الولاية تجد من يرعون إبلهم مع جيرانهم من القبائل العربية المتجاورة (مثل الكبابيش والكواهلة) في الشمال الغربي للولاية، ويعودون لجنوبها في شهور معينة في العام إلى دار حمر. وهنالك المزارعون، والذين يزرعون الدخن والبطيخ والشمام والفول السوداني، و"يطقون" الصمغ العربي في المناطق الممتدة من الأبيض إلى تخوم دارفور. وفي الجنوب الشرقي تجد مناطق جبال النوبة، والتي تشمل مناطق في غرب كردفان، حيث تكثر الجبال والتلال، والتي يسكن في قممها شعب النوبة المتوحش وغير المتحضر (هكذا وردت في النص الأصلي Wild and uncivilized people of Nuba origin. المترجم). ويسكن حول سفوح تلك التلال عرب البقارة (الزُرق) من المسيرية، وهم يشتغلون برعي أنعامهم وزراعة أرضهم. وفكرت الحكومة في زراعة القطن في تلك المناطق وإقامة المحالج وإنشاء مركز للشرطة في لقاوة. وإلى الجنوب يوجد عرب البقارة (الحُمر) من المسيرية، والذين يقيمون في مناطق المجلد وكيلك في الشهور الممطرة، ويهاجرون بعد نهاية الخريف جنوبا إلى مراعي بحر العرب الغنية بالخضرة والمياه. ويختلط رعاة الأبقار القادمون من كردفان برجال الدينكا الطوال القامة من فرع نوقك (Ngok) الذين كانوا يتبعون إداريا لغرب كردفان، وبآخرين مثل التويج وملوال، الآتين من مناطق التونج وأويل في مديرية بحر الغزال. وبمكن القول بأن غرب كردفان تمثل "السودان المصغر" وكان العمل فيها من أمتع المحطات التي أدرت شؤونها في حياتي.
وكان النقص في المياه في منطقة غرب كردفان هو أهم ما يميزها عن الأماكن التي عملت بها من قبل. وهذا ما دفع السكان لابتداع وسائل مبتكرة لحفظ المياه، مثل جذوع أشجار التبلدي. ومن أغرب ما مر علي من قصص أشجار التبلدي أن واحدا من الأهالي كان يعمل طباخا في بيت أحد المفتشين البريطانيين في النهود، وكان عند سفره مع المفتش في رحلاته يستغل أحيانا شجرة تبلدي ضخمة في إخفاء واحد من أطفال النوبة أو الدينكا يكون قد اختطفه، ويخفيه حتى يجد له مشتريا. واكتشفت جريمة الرجل في نهاية المطاف وحكم عليه بالسجن لمدة طويلة. وبالإضافة للمياه المخزنة في جذوع أشجار التبلدي، فهنالك الآبار، ولكن مياهها مالحة بعض الشيء. وبدأت الحكومة في حفر آبار عميقة تعمل بمضخات صغيرة donkey engines، يسميها الأهالي "الدونكي".
وكانت مسئولية إدارة غرب كردفان (ومساحتها 44000 ميل مربع، أي نصف مساحة المملكة المتحدة، وعدد سكانها نصف مليون نسمة) تقع على كاهل باشمفتش مركز واحد (في النهود)، يعاونه مساعدان بريطانيان، وماموران سودانيان، و110 من رجال الشرطة. وكانت رئاسة المركز في السنوات الماضية في "أب زبد" (على بعد 70ميلا جنوب شرق النهود)، إلا أنه لم يعد فيها الآن سوى مركز للشرطة ومحاسب واحد و"خزانة" صغيرة. وفي المنطقة أيضا "الأضية" وبها مركز مياه الآبار، وبني فيها قبل سنوات مبنى ضخم للإدارة كلف مالا طائلا، ولكنه سلم في عام 1934 للإدارة الأهلية. وعلى بعد ثمانين ميلا جنوب الأضية تجد "المجلد" حاضرة الحَمر، والتي بها مكتب صغير ونقطة شرطة. وتقع أبيي على بعد مئة ميل جنوب المجلد على بحر العرب، حيث يقطن زعيم دينكا نوقك كوال أروب. وهنالك "صقع الجمل" غرب النهود على تلال دار حمر حيث يقيم ناظر الحمر.
وكان مما يميز كردفان عن غيرها من مديريات السودان الأخرى هو كثرة الإداريين السودانيين الذين عملوا بها. فهنالك المامور القوي يوسف سعد، أحد أبناء مدني. ولعله كان من أصول زنجية مسترقة، من شدة سواد لونه وشكله المميز (هكذا! المترجم). ولم أقابل أي صعوبة قط في التعامل مع صغار العاملين معي وذلك بفضل يوسف، والذي كان يحكم السيطرة عليهم. وكانت له قدرة عجيبة أيضا على جعل الشيوخ يحضرون لنا بأنفسهم ما جمعوه من ضرائب في وقتها المحدد. وكان رده المعتاد على من يقدم عذرا أو يطلب مهلة من هؤلاء الشيوخ: "عايز فلوس بس". وكان مجيدا في إنجاز المشاريع العامة، فقد أفلحنا في بناء مدرستين، واحدة للبنين، وأخرى للبنات في النهود في وقت وجيز وتكلفة معقولة بسبب تشغيل يوسف للمساجين والحرفيين المحليين (يمكن مراجعة أمر تشغيل المساجين في هذا المقال المترجم: "الأيديولوجيات الملتبسة والتقييدات في السجون السودانية في عهد الاستعمار (1898 – 1956م)". المترجم). وكذلك نجح يوسف سعد في بناء مركز جديد للشرطة واستراحة ومبان أخرى في لقاوة عند افتتاح محلج للقطن فيها.
وكان على رأس المحكمة الشرعية بالنهود الشيخ إبراهيم سوار الدهب، أحد أفراد عائلة مشهورة في بري. وخلافا لكثير من القضاة، كان ذلك الشيخ متعاونا جدا مع محكمة الإدارة الأهلية في تقديم النصح لرجالها في أمور القوانين الإسلامية وفي القضايا الأخرى أيضا، وفي تدريب العلماء. وكنت أستعين بالشيخ سوار الدهب في كثير من الأمور، خاصة عند نظري في الاستئنافات المقدمة لي من الذين تصدر المحكمة الشرعية ومحكمة الإدارة الأهلية أحكامهما عليهم. وعيناه فيما بعد في وظيفة "مستشار ومفتش غير متفرغ للقضاء الشرعي ومحاكم الإدارة الأهلية" فشغلها بكفاءة واقتدار.
وممن لا أزال أذكرهم من الكتبة وقيع الله كرم الله، ذلك الرجل المشهور بالمحافظة الشديدة على مكتبه وأوراقه ودفاتره نظيفة مرتبة، وعلي السنوسي، المشهور بخفة الظل والتعليقات والردود الساخرة.
**************** *************** ***********

عملي في النيل الأزرق بين عامي 1930 – 1933م و1939 – 1941م

نقلت من الدويم في عام 1930 مرة أخرى لمنطقة الروصيرص بالنيل الأزرق. وواجهت صعوبة في نقل أغراضنا الكثيرة (خاصة وقد كنت قد تزوجت قبل أربعة أعوام!) بالمراكب من الدويم لكوستي، ثم بالقطار من كوستي لسنار، ومنها بمركب ولوري في رحلة طولها 200 ميل إلى الروصيرص.
وكانت الروصيرص في عام 1930 تتبع لمديرية الفونج (القديمة) والتي كانت حاضرتها مدينة سنجة (الواقعة بين سنار والروصيرص). وكانت المنطقة التي عهد لي بإدارتها منطقة واسعة في جنوب الفونج تمتد إلى الحدود الإثيوبية، وتجاور مديرية أعالي النيل في الجنوب، وتمتد للنيل الأبيض غربا. وبالإضافة لمركز المنطقة في الروصيرص، كان هنالك مركزان آخران في ويسكو على تلال الأنقسنا يقوم عليه مامور، وآخر في الكرمك كان يقوم عليه نائب باشمفتش المركز، وكان بالكرمك وقيسان سوقان صغيران على الحدود مع إثيوبيا، وتبادل تجاري بين القطرين في موسم الجاف. أما في موسم الأمطار فكان كل شيء يتوقف بسبب رداءة الطرق.
وتتنوع عناصر السكان في المنطقة. فمنهم الأنقسنا، وهم شعب نشيط متجانس، وقوي البنية ومحب للعمل. وقليل منهم فقط يتحدث اللغة العربية، إذ كانوا قد قاوموا بنجاح كبير، ولسنوات طويلة، هجمات العرب الغزاة. أما البرتا فقد كانوا يمثلون أكبر قبيلة في المنطقة، وينقسمون لفرعين رئيسين: الفرع الذي لم يسترق قط، والفرع الآخر الذي تم تحرير أفراده من الاسترقاق، وقطنوا في قرى على النهر على بعد مسافة بعيدة نسبيا من الحدود الإثيوبية. ويعيش البرتا من الفرع الأول الآن تحت ظروف اقتصادية واجتماعية وأمنية أفضل من النوع الثاني، ويستخدمون لغتهم الخاصة، والتي يشيع استعمالها في كل المنطقة حتى فازوغلي، حاضرة زعيمهم حسين (لمزيد من المعلومات يمكن مراجعة المقال المترجم "أصول الفونج" والذي نشر عام 1934م في العدد السابع عشر مجلة "السودان في مذكرات ومدونات" بقلم مؤلف هذا الكتاب. المترجم). وتوجد أيضا "جيوب" من قبيلة القمز يقطنون المنطقة في الضفة المقابلة لفازوغلي، وأماكن أخرى. ولهؤلاء لغتهم الخاصة وعاداتهم التي تميزهم عن جيرانهم.
وسكان هذه المنطقة أشد حياء ويسهل اخافتهم (هكذا! easily frightened. المترجم) مقارنة بالعرب الذين يقطنون المنطقة التي تقع شمال مناطقهم. ولاحظت اختلافا كبيرا في الطريقة التي يأتون بها لرؤيتي عندما أطوف بقراهم. غير أنه اتضح لي أن سلوكهم ذاك كان من باب الحذر وهم في مرحلة تقويمهم لشخصيتي. إذ تبين لهم، بعد مرور عدد من الشهور، أنني رجل "معقول" بما فيه الكفاية فيما يبدو، فبدأوا في التجمع ليلا حول معسكري وهم يغنون ويرقصون لساعات طويلة حتى مطلع الفجر. واستيقظت فزعا ذات ليلة وأنا في جبل فالبت? (Falabut) مع زوجتي تحت "ناموسية" تحيط بسرير نومنا على أصوات مجموعة كبيرة من رجال ونساء الأهالي يحيطون بنا وهم يحملون شُعُلات مشتعلة torchs ويغنون ويرقصون حتى خشينا أن تشتعل "الناموسية" من تلك النيران التي كانوا يحملونها!
ولم أفلح كثيرا – لأسباب متنوعة- في محاولاتي الحثيثة لإقامة إدارة ومحاكم أهلية في هذه المنطقة، رغم أنني أفلحت بالفعل في بلدة أو بلدتين في إقناع شيخيها بتولي بعض السلطات المحلية. وتوصلت لحقيقة أنه من الباكر جدا على هؤلاء القوم أن أتوقع منهم القدرة على حفظ الأوراق والملفات والمذكرات، خاصة في غياب كادر كتابي في المنطقة. ورغم أن غالب سكان المنطقة يدينون بالإسلام (على الأقل اسميا) إلا قلة قليلة منهم فقط تتحدث بالعربية، ويصعب على غيرهم تعلم لغاتهم العديدة. ولكني رغم ذلك تعلمت بعض كلمات لغة الانقسنا مما مكنني من الحديث معهم على نحو مبسط ومفهوم. بل لقد اجتزت امتحانا في لغتهم اجراه شارلس طومسون مدير المديرية، والمامور حسن سيد أحمد، وذلك قبيل مغادرتي النهائية لتلك المنطقة.


تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 2380

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1512408 [abdulbagi]
5.00/5 (1 صوت)

08-30-2016 01:17 PM
تصحيح ( النظار والعمد )ولا اظنها تفوت على فطنة القارىْ

[abdulbagi]

#1512379 [abdulbagi]
5.00/5 (1 صوت)

08-30-2016 12:39 PM
الاستاذ الهاشمى لك التحيه .كيف يمكن الحصول على تسخة الكتاب (ترجمه)لك التحيه

[abdulbagi]

#1512288 [abdulbagi]
5.00/5 (1 صوت)

08-30-2016 10:15 AM
ما يفهم من حديثه عن الاداره الاهليه انها كانت موجوده وكل ما عمله الانجليز هو تنظيمها واعطاء النظار والعمط وشيوخ الخط سلطات محدوده. قبلها كان شيوخ العرب يحلون مشاكلهم بالجوديه . وهذا رد على الذين يقولون ان الاداره الاهليه صنعها الانجليز

[abdulbagi]

#1512215 [اسامة الكاشف]
5.00/5 (1 صوت)

08-30-2016 08:19 AM
د. بدر الدين تحياتي

هل وجد لديك موقع بالإنترنت أو رابط لتجميع تراجمك الشيقة
ما تفعله جدير بالتقدير والثناء
لك عاطر التحايا

[اسامة الكاشف]

#1512165 [أبو محمد]
5.00/5 (1 صوت)

08-30-2016 07:46 AM
شكرًا لك جزيلًا على ما تنشره من المحتوى الثر
لكن أقترح عليك أو على إدارة الراكوبة
ربط المقالات بصفحة واحدة تحت اسمكم الكريم
حتى يمكن الوصول إلى كافة المقالات
فكثير من القراء وأنا منهم يريد جرد هذه الترجمات الثرة المفيدة
مثلًا الأستاذ محمد علي محمد صالح ترتبط ترجماته مباشرة بصفحة خاصة به
انظره لطفًا هنا:
http://www.alrakoba.net/articles-action-listarticles-id-56.htm
بينما مقالاتكم تندرج تحت تبويب السياسة
وليت كتبكم تتوفر في السوق السوداني

[أبو محمد]

ترجمة وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة