المقالات
السياسة

08-31-2016 06:20 PM

لقد تميزت مسيرة الثورات الشعبية في السودان بالسلمية. فثورة أكتوبر 1964، وثورة أبريل، 1985، كانتا ثورتين بيضاوين. غير أن البنية التي انتجت تلكما الثورتين تغيّرت جذريًا عبر العقود الثلاثة الماضية. ويستلزم هذا التغيير الجذري تفكيرًا جديدا. غير أن المعارضة الحزبية السودانية للأنظمة العسكرية الشمولية ظلت تراهن على ذلك الميراث من الثورات السلمية، ظانّةً أنه سيبقى كما هو، يد الدهر. بقيت المعارضة على تصورها الخاطئ بأن الثورات السلمية، تنجح، في كل مرة. وفات عليها أن الوعي الذي أسقط الحكومات العسكرية، من قبل، لم يكن وعيًا راسخًا. فهذه الجماهير التي أسقطت الأنظمة العسكرية مرتين، هي نفسها الجماهير التي هللت لمجيء العسكر ثلاث مرات، بما في ذلك مجيء نظام الانقاذ الحالي. وكلنا يذكر ميثاق الدفاع عن الديمقراطية الذي وقعته الأحزاب في مدينة ود مدني في فترة الديمقراطية الثالثة، وكيف أن هذا الميثاق الهلامي، سقط عند أول امتحان له، حين جاء انقلاب الإسلامين. فبين ما نسميه المعارضة، والأنظمة العسكرية صلةُ رحمٍ، وخيوط اتصال لا تنقطع. والشعب ظل مطيّةً للعساكر وللمعارضة معًا، وقد وعى الشعب هذا الدرس، أو كاد.

في المصالحة الوطنية التي أطلقها نظام نميري، عام 1977، أدار الإخوان المسلمون ظهرهم لأهل الحزبين الكبيرين الذين كانوا متحالفين معهم في ليبيا، ونفذوا معهم محاولة قلب نظام نميري بالقوة في عام 1976. فقد وعى الإسلاميون الدرس عندما جرى تهميشهم في مرحلة تنفيذ تلك المحاولة المدعومة من ليبيا. لذلك، اختار الإخوان المسلمون أن ينخرطوا، بكل قوتهم، بقيادة الدكتور حسن الترابي، في بنية نظام نميري، مفعلين أجندتهم من داخله. وبقي السيد الصادق المهدي، والسيد محمد عثمان الميرغني خارج الحلبة، حتى انتفاضة أبريل. ولم يكن نميري محتاجًا لأكثر من حليفٍ من قوى المعارضة، وقد وجد ذلك الحليف في الترابي وقبيله، فاستغنى عن البقية. وحين جاءت انتفاضة أبريل، مال السيد الصادق المهدي إلى معسكر الترابي، وأسهم معه في اجهاض شعاراتها.

كما أشرت في المقالة السابقة، أن السيدين الصادق المهدي ومحمد عثمان الميرغني فشلا في خلق أي قوةٍ عسكريةٍ ذات شأن في إرتيريا، واكتفيا، بأن راهنا، في سذاجةٍ سياسيةٍ بالغة، على بندقية قرنق. غير أن قرنق كان أذكى من أن ينخدع، بمناورات السياسيين الشماليين. فهو مُلمٌّ بمسلسل نقضِ العهودِ المستمر، الذي مارسه السياسيون الشماليون على إخوانهم الجنوبيين. وهو مسلسلٌ وثّقه الكُتّاب الجنوبيون السابقون له، بصورة مستفيضة، (راجع كتاب أبيل ألير: "جنوب السودان: التمادي في نقض المواثيق والعهود"). وقد رأى قرنق نقض العهود بنفسه في حقبة الديمقراطية الثالثة. فبعد أن جرى توقيع اتفاق الميرغني/قرنق، وأوشك أن يعيد قرنق إلى العمل المدني من الداخل، قام السيد الصادق المهدي رئيس الوزراء، حينها، بإجهاضه، بسبب تغليبه الكسب السياسي الضيق، على الكسب القومي الواسع. فالخير، في ما يبدو، إما أن يأتي على يديه، أو لا يأتي أبدا.
أما قوات التحالف التي أسسها العميد عبد العزيز خالد، وقد كانت قلية العدد، وغير مؤثرة، فقد دخلت في دوامةٍ من التناقضات الداخلية، والتجاوزات الرهيبة مع المنخرطين فيها، أنفسهم. وانتهى أمرها تمامًا، في نهاية المطاف. فعاد قائدها إلى الخرطوم، في ما يشبه المسرحية، لينشئ حزبًا ديكوريًا برعاية المؤتمر الوطني. وانتهى العراك العسكري في الشرق، عبر وساطةٍ إرتيرية، بكلٍّ من موسى محمد أحمد، وآمنة ضرار، ومبروك مبارك سليم، ليصبحوا جزءًا لا يتجزأ من بنية نظام الانقاذ، ومنظومة توازناته المتذبذبة التي دائمًا ما تنتهي بالمعارضين إلى الرفوف، أو ما يشبهها. وحدث مثل ذلك مع العديد من الفصائل الدارفورية، ولا يزال يحدث كل صبحٍ جديد.

كان قرنق موقنًا من أن السياسيين الشماليين سوف يقلبون له ظهر المجن، إن هو أوصلهم ببندقيته إلى الحكم في الخرطوم. ولذلك، استغل قرنق فترة وجود المعارضة الشمالية معه في الخارج، لخدمة أجندته الجنوبية، بمنأى عن أجندة القطر. وقّع قرنق مع قوى المعارضة الشمالية عددًا من الاتفاقيات، وافقت فيها قوى المعارضة على تقرير المصير، (راجع: سلمان محمد أحمد سلمان، "انفصال جنوب السودان: مسؤولية القوى السياسية الشمالية"، (الصفحات من 317 إلى 387). وعمومًا، انتهى مسلسل المناورات السياسية بين قرنق والأحزاب الشمالية المعارضة لنظام الانقاذ، من جهة، وبينه وبين نظام الإنقاذ، من الجهة أخرى، عبر مسار شائكٍ معقد، ومتعرج، إلى محصلةٍ عمليةٍ، نهائيةٍ، واحدةٍ، مدمرة، هي انفصال الجنوب.

لاحت لقرنق فرصة المشاركة في الحكم مع المؤتمر الوطني لمدة ست سنوات، يعقبها استفتاءٌ مرعيٌّ دوليًا، على انفصال الجنوب، فأدار ظهره نهائيًا لما سمي بالتحالف الوطني. تحول قرنق، إلى شراكةٍ سياسيةٍ ثنائيةٍ حصريةٍ مع نظام الانقاذ. وهكذا وجدت المعارضة الشمالية، نفسها في العراء، فطفقت تستجدي الشريكين قرنق والحكومة، الشراكة الموسعة. ولمّا لم يكن للمعارضة من الشوكة ما تضغط به، فقد بقيت تؤذن في مالطا. فبندقية قرنق أصبحت إلى جانب بندقية الانقاذ، وبقيت المعارضة بلا بندقية، بل انخرط قسمٌ معتبرٌ من هذه المعارضة الزئبقية في أحبولة ما سُمِّي "أحزاب الوحدة الوطنية".

كما تقدم، وجدت الإنقاذ بقبولها الشراكة الانتقالية مع قرنق، اعترافًا دوليًا، ضمن لها سلامتها، لست سنواتٍ مقبلةٍ، على الأقل. وقد كانت الانقاذ في أمس الحاجة إلى تلك السنوات من السلم، لتعيد ترتيب أمورها، خاصة وأن جبهة دارفور كانت قد اشتعلت، وقتها. كما كانت الانقاذ في فورة طفرتها النفطية، قصيرة الأجل، فأسكرتها الأماني الخُلّب، وعميت عن رؤية ما يختبئ لها وراء المنعطف من انهياراتٍ محتملة. وقد قال قرنق للبشير مازحًا، عقب توقيع اتفاق الشراكة: "لقد منحناكم ست سنوات جديدة في الحكم"، وكان قرنق يعرف حقيقة ما تضمنته تلك المزحة الحامضة.

بقيت المعارضة، طيلة الفترة الانتقالية، تهفو إلى الشراكة في الحكم، وتفكيك نظام الانقاذ، رغم أنها لم تكن تملك في يدها أي ورقة للضغط، سوى انتفاضةٍ شعبيةٍ متخيَّلةٍ، لم تكن تملك أزرار إطلاقها. شقّقت الانقاذ في تلك الفترة، جسد حزب الأمة، وجرّت شظاياه العديدة إلى شراكاتٍ سياسيةٍ معها، انتهت بوضعهم، جميعًا، على الرف. وانطبق نفس الشيء على فصيل الهندي من الاتحاديين. ولا غرابة، أن بقيت المعارضة الشمالية، في الفترة الانتقالية (2005-2011)، جالسةً في مقاعد المتفرجين، تنعي على الحكومة تغولها على الحريات، وعدم جديتها في جعل خيار الوحدة جاذبًا. هذا، في حين طفقت صحيفة "الانتباهة"، التي استُولدت عملاقةً، تسمم الأجواء بكيل الإساءات للجنوبيين، والتغني بمحاسن الانفصال، إلى أن انفصل الجنوب، ووقعت الفأس، أخيرًا، في الرأس.

فككت الانقاذ كل البنى والهياكل والقوى التي كانت، في الماضي، تجعل قيام ثورةٍ شعبيةٍ ناجحةٍ، أمرًا ممكنا. ولو حدثت ثورةٌ شعبيةٌ، تمكنت فعلاً من اسقاط نظام الانقاذ، وهو احتمالٌ ضعيفٌ جدًا، فإن مقاليد الأمور لن تصبح تلقائيًا في يد الشعب. فالاعتقاد بأن الشعب قبيلٌ واحدٌ وكتلةٌ صماءُ متجانسةٌ، تعرف ما تريد، اعتقادٌ تنقصه المعرفة بتركيبة المجتمعات، خاصة المجتمع السوداني، في هذا المنعطف التاريخي الحرج. يقول تاريخنا القريب، إن ثورتي أكتوبر 1964، وأبريل 1985 لم تنجزا ما قامتا لأجله. ومؤخرًا، أعطت مصر مثالا لهذا النوع من الثورات الشعبية المُجهضة. أسقطت الثورة المصرية، نظام مبارك رغم جبروته وتغلغله في البنى السياسية والاجتماعية المصرية. غير أنها انتهت، في نهاية تداعياتها، عبر انقسامٍ رأسي في المجتمع المصري، إلى تسليم الأمور، من جديدٍ، إلى يد جنرالٍ أقل قدرة وحنكة من سابقه.

إن أقرب الاحتمالات، في حالة حدوث ثورةٍ شعبيةٍ في السودان، الآن، هو أن تنزلق البلاد، من جميع أطرافها، في دوامة عنفٍ دائريةٍ، متعددةِ المحاور، وبلا وجهة. وكما شهدنا، فلقد بدأت الثورة السورية بصورةٍ سلمية، وقد وقف وراءها دفقٌ جماهيريٌّ كبير، انتظم سائر المدن السورية. غير أن تلك الثورة سرعان ما جرى تحويلها، بعملٍ ممنهج، أستخدم النظام السوري فيه عنفًا فالتًا، عن كل قيد، إلى حربٍ أهليةٍ، ثم إلى فوضى شاملة، يقتل فيها الثوار بعضهم، بلا رحمة. فالتحدي ليس هو اسقاط النظام، وحسب، وإنما هو تثبيت الأحوال عقب سقوطه.

للحكومة السودانية الآن ميليشياتها المسلحة المتمثلة في "قوات الدعم السريع"، التي استبدلت بها الجيش الوطني. بل إن الجيش الوطني، وقوات الشرطة، وجهاز الأمن جرى تسيسيها تمامًا، وأضحت ذات مصلحةٍ حقيقيةٍ في بقاءِ النظام. والحديث عن جيشٍ وطني، بعد ما يقارب الثلاثين عامًا من عبث الانقاذ به، هو في تقديري، مجرد توهُّمٍ، يدخل في نطاق التفكير الرغبوي. يضاف إلى ذلك، أن جهاز الأمن تحوّل، على يد هذا النظام، إلى قوةٍ مقاتلةٍ، على النسق الإيراني. كما ينبغي ألا ننسى طلاب المؤتمر الوطني المسلحين، المغرّر بهم، بإغراءات الوظائف وغيرها من منظومة المصالح الشخصية، التي طالما أتقنت الإنقاذ استخدامها. كل ذلك، يجعل انزلاق البلاد في صراعٍ مسلحٍ متعدد المحاور أمرًا حتميا.

كان موت طالبين، أو يزيد قيلا، كافيًا في أكتوبر 1964 لأسقاط حكومة الفريق عبود. وسقط نظام نميري في 1985، من غير أن يموت أحد. لكن، لم يفلح موت المئات من الشباب، في سبتمبر 2013، في إحداث ثورة. فلقد تغيرت الخارطة السياسية، وتغيرت بنيات الوعي السياسي، وتهدمت كل البنى القديمة التي منحت الشعب، في مضى سلاحا ماضيا، هو الاضطراب السياسي. كما ولّى، في ما أحسب، زمان تعاطف الجيش الوطني مع الثوار. فقد جرى اجتثاث كل تلك العناصر المؤثرة من جذورها. كما حدثت في البلاد انقسامات مجتمعية؛ أفقية ورأسية، جعلت الحراك الموحد المنتج حقيقةً، أمرًا غايةً في الصعوبة.

من الجانب الآخر، هناك الحركات المسلحة وميليشياتها في دارفور وكردفان والنيل الأزرق وتخوم الجنوب. وهناك سلاح الشرق، وقبائل الغرب التي أضحت تعادل الجيوش النظامية في تسليحها. وأخطر من كل ذلك، هناك الدواعش الذين أصبح لهم موطئ قدمٍ في ليبيا، وانتشارٌ عبر الصحراء الكبرى وحواشيها. كما أنّ لهم خلايا "صاحية" داخل السودان نفسه. فزعماء الدواعش، الآن، جزءٌ من المؤسسة الدينية الإنقاذية الرسمية. وهم يعلنون عن توجههم هذا بلا مواربة، ومن غير خشية. ويمكن للدواعش أن يزحفوا على السودان، من الخارج، ومن الداخل، لحظة انفراط عقد حكومته المركزية وحدوث فراغٍ سياسي فيه.

أيضًا هناك القوى العربية، المقتدرة ماليًا، المرتبطة بحراك الإسلاميين المعولم. وهؤلاء ضالعون مع الدواعش من طرف خفي، مما لا يحتاج إلى شواهد، إذ تقدم أحوال سوريا والعراق مثالاً حيًّا له. يمكن لهذه القوى أن تخلق حلفًا بين النظام السوداني وبين الدواعش، في اللحظات الحرجة، من أجل إبقاء السودان موطئ قدمٍ، ومعملٍ مفتوحٍ لمشروع الإسلاميين الدولي، الأخطبوطي، متعدد الأذرع، طويل النَّفَس. وما قامت به إيران، عسكريًا وسياسيًا، في دعم النظام السوري ضد الثوار، يمكن أن تقوم به بعض القوى العربية الإسلامية، في إبقاء النظام السوداني في سدة الحكم.

تشير كل الشواهد إلى أن الحكومة السودانية الحالية قد أضحت بلا أجندة وطنية. فهي قد قضت على كل القوى السودانية الحية، وحاربت كل صنوف المعارضة لها، بجهالةٍ شديدة. قضت الانقاذ، بعملٍ ممنهج، على كل ما يمكن أن يجعل أيَّ دولةٍ كيانًا متماسكًا، قضاءً مبرما. وهكذا، حكمت الانقاذ على نفسها، بنفسها، بعزلةٍ مهلكة، فأصبحت غريبة على شعبها. وهكذا، عرفت، بعد فوات الأوان، أن مصيرًا أسودًا ينتظرها، فلم تجد أمامها، سوى أن تصبح مطيةً للقوى الإقليمية.

قضت الانقاذ على المعارضة الحزبية، وقضت على المؤتمر الشعبي. ثم ما لبثت أن قضت على الإسلاميين الذين أقصوا معها الترابي. أصبحت الانقاذ الآن نظام أفرادٍ مكشوفٍ فاقدٍ للسند الداخلي المستدام. فهي لا تملك الآن سوى سلاح مليشياتها وأجهزتها الأمنية. كما أنها أضحت، في نفس الوقت، خاويةَ الوفاض من المال الذي يكفل لها حتى تصريف الشؤون اليومية للدولة. ولذلك لم تجد سوى أن تعرض خدماتها على القوى الإقليمية، في انبطاحٍ مهينٍ، وتخلٍ عن الأجندة الوطنية، منعدمِ الشبيه.
ليس من أهداف هذا المقال التخويف من اسقاط نظام الانقاذ. فنظام الانقاذ لا يملك إلا أن يسقط، بحكم تفاقم وطأة ثقله الذاتي، الذي لم يعد في وسع بنيته، التي تكاثرت فيها الشقوق، احتمال المزيد. الحديث هنا، تحديدًا، عن ضرورة العمل وفق رؤىً جديدة، ومناهجَ جديدة، في تثبيت الدولة عقب سقوطه، أو اضمحلال قواه الممسكة بنية الدولة. وليس هذا، في نظري، بالأمر الهيِّن، الذي يأتي عن طريق الأمنيات وحدها.

كتب وجدي كامل، في صحيفة الخرطوم، قبل سنواتٍ، منبِّهًا إلى ضرورة أن تتعارض الرافعة الثقافية للوعي المعارض، نقديًا، مع محصلة ما راكمه التاريخ الرسمي والمدرسي. إذ بغير ذلك، لا يمكن بناء وعيٍ سياسيٍّ نافذٍ، يستحق أن يسمى وعيًا معارضًا. فالبنية الوعيوية للقوى التي تبادلت مقاعد الحكم ومقاعد المعارضة، عبر تاريخنا السياسي هي، في حقيقة أمرها، بنيةٌ واحدة. فهي لا تناقض بعضها بسب الرؤية، وإنما بتفاعلات الصراع على المصالح الجهوية الآنية.

يوجد خارج السودان الآن ما يقارب السبعة ملايين سوداني. من بين هؤلاء كوادر عالية التأهيل والقدرات في كل المجالات التي تحتاجها الدولة. وأهم من ذلك فإن من بينهم طاقاتٌ شبابيةٌ جبارة. وتوجد كتلة شبابية مدركة وحية داخل السودان أيضا. ولقد اتسع نطاق المعارضة المدركة داخل السودان، حتى أصبح كثيرٌ من الإسلاميين جزءًا منها، رغم أن بعضهم لا زال يناور، ويتخذ المعارضة رافعةً لكي يعود إلى السلطة. هناك مجالٌ للعمل في بناء وعي جديد، وتأسيس تقاليد سياسية جديدة، لتتشكل كتلةٌ جديدة، وفق وعيٍ متحرّرٍ من عقابيل الانتماءات الحزبية الضيقة الماضية، ومن بقايا المرارات التي تعمي عن الرؤية الجلية.
هذه الكتلة الجديدة هي ما يُنتظر له أن ينمو، ويصبح له ثقلٌ ضاغط. غير أن ذلك لن يتحقق بين يومٍ وليلة. هذه الكتلة الجديدة تتشكل الآن تحت السطح، ولكنها تحتاج عملاً تنظيميًا ممنهجًا، يجعلها فاعلة في الخارج ومرتبطة عضويًا بكل الحراك الآني العريض الجاري في الداخل. بالعمل الممنهج في التشبيك، تتخلق الكتلة الحرجة التي تقلب كفة الميزان، وتعيد النظام الديمقراطي سلميًا، وتصبح، من ثم، الحارسة له، باقتدار. ولعل الجهود الجارية الآن لإنشاء قناة سودانية تبث من الخارج تمثل امتحانًا حقيقيًا لقدرتنا في خلق هذه الكتلة. وهي، أيضًا، امتحانٌ لقدرتنا على أن نعمل متحدين. ومن علل ثقافتنا المزمنة، أننا لا نعرف كيف نعمل كفريق، ولا نعرف كيف نقدم التنازلات لبعضنا من أجل انجاح الهدف الأعلى قيمة. وعمومًا، لن يكون بث الوعي الجديد ممكنًا، بغير ذراعٌ إعلامية فضائية تلفزيونية.

وجود كتلةٍ تأسيسية متماسكة ليست سوى وضعٍ مرحلي، ولكنه، وضعٌ مرحليٌّ لا يمكن القفز فوقه. فبعد أن تُستعاد الدولة المسروقة منذ الاستقلال، عن طريق كتلةٍ ضاغطة، متماسكة، وبعد أن تستقر الأمور، تشرع الأحزاب، حينها، في التنافس الديمقراطي النظيف.
السودان بحاجة إلى مرحلة انتقالية طويلة، عبرها تعود الأمور إلى نصابها. هذا، إن نجحنا في أن نوحد هدفنا المرحلي وجهودنا، وتمكنا، من استعادة دولتنا المسروقة، واستعادة حكم القانون فيها. وكل من يدعو إلى فترة انتقالية قصيرة فهو مغرضٌ، منشغلٌ بمجرد الوصول إلى كرسي السلطة. كما أننا لو بقينا نتربص ببعضنا، ونتآمر على بعضنا، ونزكي أنفسنا على بعضنا، وندعي الفرادة عمّن سوانا، كما ظللنا نمارس منذ الاستقلال، فعلينا أن ننسى بلادًا اسمها السودان، والى الأبد.


د. النور حمد
[email protected]


تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 1412

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1513735 [Dr Abdulhay]
0.00/5 (0 صوت)

09-01-2016 03:53 PM
شكرا د حمد على عقلانية مقالك التحليلي فالمعارضة أصلها لم تكن معارضة كما هو واضح في سيرتها بل هى اليوم أكثر من ما مضى احدى أدوات النظام ولا بد من أستراتيجية تواكب تعقيد الموقف مقالك يجب الوقوف عنده بتأنى وليس للقراءة العابرة

[Dr Abdulhay]

#1513569 [الخمجان]
0.00/5 (0 صوت)

09-01-2016 11:28 AM
كمية الاحقاد والغبن والذي حصل في السودان يجعل من تحليلك غير ذي ارتباط بالواقع ....الحروب والطرد من الوظائف وتهجير جزء مقدر من السودانيين لن يمر مرور الكرام مع جماعة لئيمة كل همها الحكم ولو على جثث السودانيين...واستنهاض االعنصرية والتعالي .....في الاول لازم يكون فوضى خلاقة تؤدي الى ان يحترم السودانيين بعضهم البعض...ثم العودة لتايسي جماعة سودانية على وعي بواقعها وذاتها ...وكل ذلك لو تبقى من الزمن اليسير لان الموضوع في ختامه...

[الخمجان]

#1513538 [حافظ]
0.00/5 (0 صوت)

09-01-2016 10:35 AM
تكفيني هذه العباروة :
رأى قرنق نقض العهود بنفسه في حقبة الديمقراطية الثالثة. فبعد أن جرى توقيع اتفاق الميرغني/قرنق، وأوشك أن يعيد قرنق إلى العمل المدني من الداخل، قام السيد الصادق المهدي رئيس الوزراء، حينها، بإجهاضه، بسبب تغليبه الكسب السياسي الضيق، على الكسب القومي الواسع. فالخير، في ما يبدو، إما أن يأتي على يديه، أو لا يأتي أبدا.

[حافظ]

#1513419 [كمال ابوالقاسم محمد]
0.00/5 (0 صوت)

09-01-2016 07:27 AM
..النور حمد...كتابات التثبيط والحيرة المفتعلة....!!!

(ولعل الجهود الجارية الآن لإنشاء قناة سودانية تبث من الخارج تمثل امتحانًا حقيقيًا لقدرتنا في خلق هذه الكتلة. وهي، أيضًا، امتحانٌ لقدرتنا على أن نعمل متحدين. ومن علل ثقافتنا المزمنة، أننا لا نعرف كيف نعمل كفريق، ولا نعرف كيف نقدم التنازلات لبعضنا من أجل انجاح الهدف الأعلى قيمة. وعمومًا، لن يكون بث الوعي الجديد ممكنًا، بغير ذراعٌ إعلامية فضائية تلفزيونية.)

أستغرب استاذي النور حمد الترابي...أن يكون إمتحان هذه الكتلة والتى (قبيل هنيهات) جعلت منها شتاتا ساما قاتلا...مترعا بنوازع ودواعي مرعبة...ثم فجأة جعلت منها كتلة ، والكتلة شيء متماسك رصين، ويؤذن بالقوة والمتانة....كتلة كل ما ينقصها قناة فضائية....

أخشى أن أقول إن التحليل فطير....قاد لنتيجة فطيرة وبائسة...!

التحليل ظلم عمل العاملين...ونضال المناضلين..وقدم -مثل قراءات كثيرة غيره مماثلة-قراءات بئيسة ،ويائسة ،مثبطة ،ومحبطة لمجمل الحراك السياسي في البلد....بل و(بشماتة زائدة..من قبل مرادفين لذات القراءة) قدمت خطابا لاذعا ...وساخرا...لنضالات وتضحيات المجتمع وابناءه ومنظماته ضد هذا النظام ومشروعه طيلة العقود الثلاثة الماضية....بل ان صمود واستمرارية وتراكمية هذا الكفاح...هو الذي أفشل كل آمال وتطلعات ومشروع الاسلام السياسي وحلفاؤه في الوطن.... بالطبع لم يهزم .هذا المشروع من دوحة النور حمد الترابي...ومغترب كمال ابو القاسم محمد...عبر (طرقعاتنا)...بل هزمته معارضة مسئولة...واعية...قامت وتقوم بعمل مادي محسوس فعال ومقاوم بجدارة مهرته تضحيات غالية ودماء وعذابات وقهر وتشريد وسجون وإعتقالات (ليست من قبيل الاعتقالات التاعمة والمرفهة!!!)،لم يقعدها تقاعس الآخرين...أو تماديهم في الاحلام الوادعة...أو إنتظار بعضهم لتغييرات (عرفانية...أو تجليات وجدانية من وراء عوالم الكشف والسترة.)...قوى عارفة ومدركة لموازين القوى في الجهتين....لكنها لم ولن تستسلم...أيا كان التلويح بمفاهيم رخيصة وعابرة من شاكلة...اين البديل...؟؟؟!!! انظروا للمحيط الاقليمى حولنا سوريا ،ليبيا ،مصر الصومال....مع أننا نعرف إن البلد...كل البلد (أصبحت هى الخرطوم القديمة فقط) لأن الدولة-بمؤسساتها- غائبة تماما عند أطرافها وحواشيها وضواحيها!!!نعم ما تزال هذه القوى تطرح قراءتها الأكثر نضجا واتساعا واتساقا مع عمقها التاريخى والتجريبي...وتراكمات تكتيكاتها اليومية والتى لم تتوقف بحال من الأحوال ..ولا تكف عن ابتداع الأشكال والمواعين السياسية التى تعتقد أنها يمكن أن تشكل (الكتلة)الاكثر توازنا من أجل تحقيق (مخارجات) سياسية ذات كفاءة ومقبولية شعبية لتحقيق استقرار يضع البلد على سكة الأمن والامان والعافية...ولاتتقاعس عن المطالبة بتحقيق أعلى درجات المحاسبة والقصاص والعدالة وضمان عدم الافلات من العقوبة...بحق من أهدروا كل أنساق التعافي في البلد والمجتمع طيلة سبع وعشرين عاما بإسم الدين والإسلام....وبأفعال غاية في الترصد والتعمد لإذلال الشعب وإركاعه وإهانته ....هكذا بوضوح يا النور حمد...بلا لف ولا دوران!
يقول الكاتب

(بفعل العمل الممنهج في التشبيك تتخلق الكتلة الحرجة ) ...التى تقلب كفة الميزان ....!!!

أبعد 27 عاما...وبعد نجاح ثورتين شعبيتين ضد نظامين عسكريين...وتأسيس الأحزاب والنقابات والصحافة والجامعات والمعاهد والمدارس العليا ومنظمات المجتمع المدني وولوج المرأة السودانية البرلمان منذ منتصف القرن الماضي....يحدثنا الكاتب النور حمد الترابي عن بدايات تشكيل وتخلق الكتلة الحرجة....!!! مفهوم الكتلة الحرجة مفهوم رياضي فيزيائي. بحت)..وهو مفهوم غامض الدلالة في الحقل الإجتماعي والسياسي...نحتاج من الكاتب أن (ينورنا حوله)...لأن مفهوم الكتلة نفسه بات يحمل ظلالا كئيبة فقد إستمرأه الاسلامويون فيما أطلقوا عليه (الكتلة السوداء)..وينظر في ذلك أدب وكتابات االخيش ذو اللون الأشقر الذهبي...والشعر الذي يلاعبه الهبوب حسن مكي بروفيسور جامعة داعش الإفريقية!!!

الكتلة الحرجةومنظماتها المختلفة...يتمثل نجاحها في تشكيل قناة سودانية....(وهذا مافهمته)...طبعا بصراحة هذا ابتذال لمجمل القضية...النور حمد في مقالته 2/2يتماهى مع دعوة الجيفة حسن ترابي دون كيرليوني... النظام الخالف للسالف...ودعوته بلا خجل لمن أسماهم اهل االقبلة المحافظة على مكتسباتهم التى وفرتها لهم الغنقاذ عبرمسيرة سبعة وعشرين عاما)...ببساطة...النور حمد الترابي في اربعينية قريبه ،ها هو يعبيء (خوالف الدون المافيوزي بإمتياز) في كؤوس واقماع واكواب من عنده...ليواصل المسيرة من ذات المضمار والنق الفكري المضروب والمجرب...وبتعديلات كلامية..وهاكم إياها
يكتب النور حمد الترابي:
(ولقد اتسع نطاق المعارضة المدركة داخل السودان، حتى أصبح كثيرٌ من الإسلاميين جزءًا منها، رغم أن بعضهم لا زال يناور، ويتخذ المعارضة رافعةً لكي يعود إلى السلطة. هناك مجالٌ للعمل في بناء وعي جديد، وتأسيس تقاليد سياسية جديدة، لتتشكل كتلةٌ جديدة، وفق وعيٍ متحرّرٍ من عقابيل الانتماءات الحزبية الضيقة الماضية، ومن بقايا المرارات التي تعمي عن الرؤية الجلية.)
وهو في هذا يلتقي مباشرة مع الأفندي وطيب زين العابدين وحسن مكي....والوحيد الذي فر بجلده من الجماعة....فر خجلانا بائسا يحمل عاره الى جحيمه المرقوب هو ياسين عمر الإمام

لم يقدم -الكاتب-اي نقد خلاق يبين الخلل في المشاريع المناهضة والمعارضة السابقة واللاحقة...ليحاول أن يفهمنا الطرائق والوسائل التى نسد بها الخروم والثقوب حتى نتمكن من تضميد جراحنا وتقوية المشاريع الأكثر إيجابية في المسيرة...بالتأكيد الاستقلال كان عملا ناجحا....الديموقراطية لو قدر لها لها الإستمرار كانت عملية متقدمة جدا...حتى تجربة تكنوقراطيي نظام(نميري) في حل مشكلة الجنوب وتاسيس الحكم الذاتي...كانت تجربة مفيدة جدا ومتقدمة وكان يمكن التأسيس عليها وتأمينها وتعضيدها...ولكن تحالفه مع الإسلاميين أودى بالتجربة!!!!النور..لا...يحاول أن يبين ..بل وقفز سريعا نحو نفس اللازمة التى يطرحها النظام ومرافقيه من حلفاء رخيصي الثمن...مثقوبي الفكرة....وفاقدي الموهبة.. وناقصي الإدراك القاريء بهدوء وتمعن وحرص خارطة الدولة والمجتمع من أجل النفاذ إلى المخارج الممكنة من خلال الصيرورة التراكمية والتاريخية التى ابدعها العقل السياسي السوداني في المجالات المختلفة خلال مسيرته.

ملحوظة:ليت لقراءة الكاتب لاحقة أخرى ..3/3...او لنقل تعقيبا ما...نأمل ذلك

[كمال ابوالقاسم محمد]

#1513325 [alaaza bit wad almsaed]
0.00/5 (0 صوت)

08-31-2016 11:48 PM
إذن ،، حي على الفلاح ... ولنبدأ على بركة الله ، فلا مستحيل تحت الشمس ..

[alaaza bit wad almsaed]

#1513276 [صلاح فيصل]
0.00/5 (0 صوت)

08-31-2016 08:13 PM
لا فض فوك يا دكتور هذا نوع النقد الذاتي المسؤول الذب نحتاجه

[صلاح فيصل]

د. النور حمد
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة