المقالات
السياسة
لشيوعى والكفر والايمان ( 2 )
لشيوعى والكفر والايمان ( 2 )
09-02-2016 12:33 PM


أشرت فى مقالى السابق ، ربما بصورة غير مباشرة ، الى التناقض بين فهم الدين ، الذى يمثله الفقه الاسلامى بل وقبله المسيحى واليهودى ، وبين الفهم العلمى للحياة وتطورها ، بمافى ذلك لدى الماركسية . فانا ازعم ان ماركس وبرتراند رسل وداروين ، كان رايهم فى الدين ، بل والوجود الالآهى ، نابع عما يبثه ذلك الفهم وهذا ، ممايبدو متناقضا مع الدين . ولهذا سأحاول فى هذا المقال ان اورد بعض الآراء لعلماء محدثين فى شؤون الدين ، لاثبت ان الفهم الصحيح للدين واصوله وغاياته ، لايترك اى مجال لتناقض مع العلم . وكيف يكون هناك تناقض بين امرين آتيين من مصدر واحد !
نبدا أولا بالقول : ان المفاهيم المشوهة للاديان السماوية السابقة ، مثل القول بالثالوث ، او ان عمر العالم لايتجاوز الستة الآف سنة ، او ان هناك شعب اختاره الله ليؤمن ويدخل الجنة دون غيره من البشر ..الخ ، هى التى جعلت وتجعل اصحاب العقول المنطقية ، ولا اقول العلمية ، ترفض تلك الاديان اذا كان هذا ماتدعو له . بل وازعم انه لووصل الفهم الصحيح للدين وغاياته لهؤلاء لكان لهم رأى أخر . والدليل ان الشذرات التى وصلت لماركس من الدين الاسلامى جعلته يقول انه دين تقدمى ! وان داروين قد قال : انا لم اتحدث عن اصل الحياة ولكن عن تطورها ! وان برتراند رسل عندما سأل : ماذا تقول للرب يوم القيامة عن سبب عدم ايمانك ، رد : " لعدم كفاية الادلة يارب !" . مثل هؤلاء الاشخاص كانوا ينتظرون الادلة ، ولكن هل سيقدمها من كان جل تركيزه على : هل يجوز مسح مقدمة الراس فقط أم لابد من مسحه جميعا؟!
لقد انشغل علماونا المتأخرون نسبيا عن فترة النبوة والخلفاءالراشدين بالتفاصيل ، وبما كان يطلبه الخلفاء اللاحقون من احاديث وامور تعضد حكمهم وتشغل عامة الناس عن امور الدنيا والحكم ، وسار المتأخرون على نفس النهج . وعندما جاء المتأخرون " وخصوصا "المتأسلمون "بشقيهم – الجهادى والمتمادى ، صار التركيز على الحكم ، الشق الجهادى بهدف اقامة شرع الله ودولة الخلافة ، والشق المتمادى بهدف التمكين ثم " اللغفى !" ومن ثم ايضا ضاعت الغايات والاصول الحقيقية ، فما هى هذه الاصول .
بداية ايضا لاأدعى انى مكتشف هذه الاصول ، وان يكون لى فضل فهو فضل فهمها وجمعها ، ثم محاولة ايصالها الى من يريد على نهج "... بلغوا ..". وأود ان انتهز هذه الفرصة لالفت انظاركم الى عالم فذ ، هو الاستاذ الدكتور سعد الدين الهلالى ، استاذ الفقه المقارن بجامعة الازهر . وكما ذكرت فى مقدمة احد الكتب : انه هو من غير فكرى ، ووضعه على قدميه بعد ان كان يقف على رأسه ، فى فهم الدين . لقد جعلتنى قراءته والاستماع اليه لا أخاف من الدين وانما احبه واستمتع باداء واجباته . واليكم غيضا من فيض ما يقول به هذا العلامة :
- الدين الاسلامى جاء لجميع البشر ، وهو يخاطب الانسانية جمعاء : ياايها الناس وليس يابنى اسرائيل . بل ان الله تعالى طلب من ابراهيم ان يدعو الناس – وليس المؤمنين وحدهم – الى الحج . وفى هذا توصل احد العارفين المحدثين د. عماد الدين بابكر ، مؤلف " آذان الانعام " الى ان الدعوة الى الحج هى موجهة الى جميع البشر، ليشاهدوا هناك كيف بدا الخلق ! وهذه قضية اخرى ليس هذا مكانها ، ولكنى اوردتها كدليل على امكانية الافهام المختلفة للنص، وليس ذلك محرما !
- أتى الدين منذ بدأ الخليقة وحتى الدين الخاتم ليخدم البشر وليس العكس . فالمولى -عز وجل – مستغنيا عن صلاتنا وصيامنا ..الخ فالدنيا جميعها لاتساوى عنده جناح بعوضة . ولكنه جعل الهدف الاول من خلقنا هو اعمار الدنيا . قد يقول قائل الم يقل : ( وما خلقت الانس والجن الا ليعبدون ) .ولكن ماهى العبادة المقصودة . سيقولون من المعلوم انها الصلاة والصيام وحج البيت ..الخ . وليس هذا بخاطئ ولكن هذه العبادات ليست مقصودة لذاتها . وللدليل ، نذكر قول عمر عندما قالوا له ان فلانا منقطع للعبادة ، قال ومن يقوم بامره ، قالوا أخوه ،قال اخوه أفضل منه . وهو القائل ايضا ان السماء لاتمطر ذهبا ولا فضة . ونبينا عندما قيل له ان فلانه تؤدى واجباتها الدينيه على اكمل وجه ، فسال عن علاقتها بجيرانها ، فلما قالوا انها تشتم هذا وتاكل مال هذا ..الخ قال: هى من اهل النار !
- ان الايمان قرار فردى " من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " ، ولذلك فالحساب فردى. ولهذا ايضا فليس فى ديننا وسيط ، حتى الانبياء " انما انت مذكر ، لست عليهم بمسيطر " وعشرات الآيات من مثلها . وهو – اى الايمان – يمثل صلة مباشرة بين العبد والرب ، ولذلك فليس لاحد ان يحكم على ايمان احد : حديث الرسول مامعناه من وسم بها احدا ترتد اليه .
- كل يحاسب على قدر مااعطى من عقل . وهذه منتهى العدالة . ومن لم تصله الدعوة بطريقة مقنعة له ، فليس عليه . وفى هذا اذكر قصة حكاها الداعية ، عالم الجيولوجيا ، النجار قال :انه وجماعة من العلماء كانوا يعملون بالمنطقة الشرقية بالسعودية ، حيث القاعدة العسكرية الامريكية ، فقرروا الدعوة بين ضباط وجنود القاعدة . كانت النتيجة اسلام اعداد كبيرة ، قال له احدهم : لديكم هذا الدين الرائع ولكنكم كسالى ! الشاهد فى الامر ان الدعاة كانوا ذوى عقليات علمية عرفت كيف تصل الى عقول هؤلاء بمافى الدين وليس بغيره !
- ان الفقه هو فهم بشرى للنصوص قد يخطئ وقد يصيب : من اصاب له اجران ومن أخطأ له أجر . وقد لخص الامام الشافعى الحكم القاطع فى هذا الشأن بقوله : :"رأيى صواب يحتمل الخطأ ، ورأيك خطأ يحتمل الصواب " ويقول استاذنا الهلالى ان لك ان تختار ما يريح قلبك من الفتاوى ، التى هى احكام بشرية ، واذا لم تجد استفت قلبك ، على قول الرسول (ص) . وهوهنا يدعونا ايضا لعدم النزول عند تخويف المتفيقهين ، فهم لن يغنوا عنك شيئا يوم الحساب . بل جدالك اقوى عندما تكون قد اخذت بقناعتك وفتوي قلبك !
واخيرا فان مثل هذا الفهم للدين لايمكن ان يتناقض مع العلم الذى هو من نفس المصدر الالهى . وقد توصل الى هذه الحقيقة الطبيب الفرنسى الكبير : موريس بوكاي فى كتابه " التوراة والانجيل والقرآن ... والعلم الحديث ". هذا الطبيب أسلم بعد ان شارك فى تشريح مومياء أحد الفراعنة ، فاكتشف انه مات غرقا ، لما علم بقصة القرآن عن الفرعون الذى تابع موسى وقومه الى داخل البحر فغرق ، وان هناك آية قرآنية تقول : "فاليوم ننجيك ببدنك لتكون اية .... "أعلن اسلامه . ثم درس القرآن لعشر سنوات وتوصل الى نتيجة " انه درس القرآن فلم يجد آية واحدة تناقض العلم الحديث ، وعلى العكس وجد آيات تتطابق وتتفوق وتتنبأ ببعض ما توصل ويتوصل اليه العلم " !
وأعود مرة أخرى فاقول : ان ماجاء به ماركس هو اضافة كبيرة فى أحد العلوم الانسانية ، اعتمد فيه على ماسبقه فى مجاله ،بمن فيهم علماء مسلمين مثل ابن خلدون . ولانه جاء فى وقت تقدمت فيه العلوم الطبيعية والانسانية بشكل عام ،فانه توصل الى نظرية تقول بان التاريخ ليس عبارة عن احداث متفرقة يصنعها افراد عباقرة ، وانما هناك قوانين تحكم سير التاريخ البشرى . والحقيقة ان اول من قال بمثل هذا هو عالمنا – المسلم – ابن خلدون . يقول الاستاذ حامد أحمد الطاهر فى تقديمه لكتاب "مقدمة ابن خلدون :" ويحسب لابن خلدون انه فارس الحلبة ، الذى جمع هاتيك الكتب ، ثم راح يتحدث عن التاريخ ، لا باعتباره حضارة تنشؤها أمة من الامم حتى تنحدر هذه الامة فى عصور الانحلال والسقوط ، ثم قيد ابن خلدون القوانين التى تحكم هذه التطورات فى ضوء تاريخ الامم السابقة . "
ويقول ايضا :" وحاول ربط الحاضر بالماضى ، فما الحاضر الاابن شرعى للماضى ، حتى وصل الى ما اراده من نظرية العمران ، وتوضيح مبادئ الحضارة ، ومراحل الدولة ، بداية من النشاة ، ثم الازدهار ، ثم الانحلال ، ووضح العوامل المساعدة من العلوم والحرف وغيرها ."
ويقول ابن خلدون نفسه عن اسلوبه فى كتابة التاريخ : " مفتديا بالمرام السهل من العويص ، داخلا من باب الاسباب على العموم الى الاخبار على الخصوص ، فاستوعب اسباب الخليقة استيعابا ، وأذلل من الحكم النافرة صعابا، فأعطى لحوادث الدول عللا واسبابا ، واصبح للحكمة صوانا وللتارخ جرابا ".
ويخلص ابن خلدون فى تلخيص اسلوبه فى كتابة التاريخ الى شئ لايختلف كثيرا عن المنهج الماركسى ، كما سنرى عندما نتعرض لتفاصيل المادية التاريخية وأسسها . يقول ابن خلدون : " ومن الغلط الخفى فى التاريخ ، الذهول عن تبدل الاحوال فى الامم والاجيال بتبدل الاعصار ومرور الايام ، وهو داء شديد الخفاء ، اذ لايقع الا بعد احقاب متطاولة ، فلا يكاد يفطن له الآحاد من أهل الخليقة ، وذلك ان أحوال الامم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر ، انما هو اختلاف على الايام والازمنة وانتقال من حال الى حال ، وكما يكون ذلك فى الاشخاص والاوقات والامصار ، فكذلك يقع فى الآفاق والافكار والازمنة والدول ( سنة الله التى خلت فى عباده ) .
ابن خلدون نفسه أخذ من من قبله ، مسلمين وغير مسلمين ، وغير المسلمين اخذوا من الحضارة الاسلامية ، ولم يرفضوها لكونها اتت من بلاد الاسلام ، والمسلمون اخذوا من قبل ممن سبقهم من الامم " الكافرة " ، من الاغريق والرومان والفرس . وهكذا هى سنة الحياة . اقول مرة اخيرة ان فكر ماركس لايرفض " لكفره " وانما لخوف الذين يملكون من زوال ملكهم بسببه !!


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1579

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبدالمنعم عثمان
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة