المقالات
السياسة
معركة كرري وكمين خور شمبات
معركة كرري وكمين خور شمبات
09-02-2016 02:37 PM

في أثناء ما كانت معركة كرري تدور بين جيش كتشنر وجيش الخليفة عبدالله أرسل الجنرال كتشنر كتيبة الخيالة البريطانية التي تسمى اللانسرز إلى أم درمان محاولاً الوصول إليها واحتلالها قبل أن ينسحب إليها جيش الخليفة. ولكن وللمفاجأة وجدت كتيبة اللانسرز قوات من جيش الخليفة بقيادة الأمير عثمان دقنه تكمن لها في طريقها إلى أم درمان في خور شمبات، وكانت هذه مفاجأة للفرقة البريطانية حيث كان الكمين الذي أعده لها الأمير عثمان دقنه، كمينا نموذجياً لا زال يدرّس في أرقى الكليات العسكرية في العالم، وفي ذلك الكمين فقدت قوات كتشنر عدداً مقدراً من جنودها، ونورد هنا وصف المعركة كما كتبها الرائد عصمت زلفو في كتابه (كرري).

وصل الأمير عثمان دقنه أم درمان حيث استقبله الخليفة عبدالله أحسن استقبال وقام الأمير دقنه بإلقاء خطبة نارية على حشود قوات الخليفة.

استعد الخليفة عبدالله للقاء جيش كتشنر في كرري (ونحن ننقل هنا من كتاب كرري لمؤلفه الرائد عصمت زلفو)، وقام بتوزيع المهام على قواده وكانت مهمة الأمير عثمان دقنه التي أوكلها له الخليفة هي حراسة طريق انسحاب جيش المهدية إلى ام درمان وقطع الطريق على جيش كتشنر لو حاول التسلل إلى أم درمان. ولكن الأمير نظّم صفوفه بسرعة وأخذ في استغلال مهمته لأبعد مدى ممكن، على الرغم من أنه أفتقد أحسن معاونيه ولم يبق معه إلا إبراهيم سعيد، فتقدم الأمير دقنه برجاله نحو جبل سركاب واختار بقعة كبيرة من وادي أبوسنط، وهي تبعد قليلاً من النيل، ثم جعل حملة البنادق يصطفون على الضفة الشمالية خارج الوادي وقوفاً، بحيث يبرزون من مسافة بعيدة كهدف سهل. وأمر الباقين بالجلوس على الأرض ووضع كل منهم سيفه وسكينه المعقوفة بالقرب منه. واستمر السكون حتى الساعة الثامنة والنصف حين قطعته ضجة طلائع (ربع التعزيز من جيش المهدية) ثم أسرع الأمير دقنه بإعادة تنظيمهم، ففصل حملة البنادق وضمهم إلى بنادقه في أعلى، وضم حملة السلاح الأبيض إلى رجاله قعوداً على الأرض.

كان الخليفة كثير الإهتمام بالمعركة المرتقبة فتخلى عن موقع رئاسته الأمن وتقدم للإشراف على المعركة، فلما وصل الخليفة مباشرة بربع التعزيز أسرع الأمير دقنه لاستقباله، ونقل الخليفة للأمير دقنه ما شاهده من تقدم فرسان العدو، فعاد الأمير دقنه لتنظيم قواته بترتيب جديد.

كان الجنرال كتشنر سردار الجيش المصري يتوق للوصول إلى أم درمان واحتلالها قبل وصول الخليفة إليها، بل كان مستعداً للمخاطرة، ولقد كان رد السردار للكولونيل مارت قائد الخيالة البريطانيين (تقدم ونظف الطريق من اليسار ـ طريق النيل وابذل كل جهد لمنع العدو من العودة إلى أم درمان). لم يتقدم الكولونيل مارتن نحو النيل لفتح الطريق لتقدم المشاة، ولكنه انحدر بهم شرقاً في اتجاه النهر باتجاه مائل قليلاً لجهة الجنوب، إلى أن حاذى وادي أبوسنط الذي وقف حملة البنادق من الأنصار في أعلاه وبدأوا يطلقون النار على الكتيبة.

كان إبراهيم سعيد هو قائد حملة البنادق من جنود الأمير دقنه، وكانوا يقفون على أقدامهم خارج الوادي، أما داخل الوادي فكانت صفوف حملة السلاح الأبيض. وعندما اكتملت التنظيمات النهائية لكمين فرقة اللانسرز البريطانية وكان أكثر من ألفي مقاتل يجلسون على الأرض وارتفعت أسنة رماحهم إلى أعلى، وقف بعد ذلك الأمير دقنه خطيباً فيهم مذكراً إياهم أن المهم هو إنزال الأعداء من على خيولهم حتى يترجلوا على الأرض، ويمكن بعدها إحداث الخسائر لأنه إذا فقد الأعداء الراكبين خيولهم وترجل فرسانهم، كان من السهل بعد ذلك إبادتهم، ثم أشار الأمير عثمان بيده لحملة البنادق لفتح نيرانهم، فبدأ فرسان العدو يتساقطون واحداٌ بعد الآخر وذلك لأن الهدف كان واضحاً علاوة على قرب المدى للبنادق، ثم أشار بيده إلى حملة البنادق لإيقاف الضرب خشية أن يتقدم العدو مباشرة نحوهم أو يلتف حولهم، وعندما اكتملت صفوف العدو واندفعوا في هجمتهم السريعة امر الأمير دقنه رجاله بالنهوض استعداداً لملاقاتهم فعزز فرسان فرقة اللآنسرز (الرماحة) مهاميزهم في الجياد، واندفعوا نحو الأنصار مشرعين رماحهم الطويلة أمامهم، واضطر صف البنادق من رجال الأمير دقنه إلى التقدم، ومنهم من استلقى على ظهره في الأرض وقد رفع رمحه وسيفه في الهواء لبتر كل من يمر فوقه، ومنهم من وقف مشرعاً سيفه لينزل على أول جسم يصطدم به. وبعد أن تناقصت المسافة الفاصلة بين القوتين جاء الاصطدام المروّع. ثلاثون ثانية وكانت المعركة قد وصلت إلى قمتها، فتعالت أصوات سقوط الحديد على الحديد، وسيوف الأنصار تصطدم مع حراب الرماحة الطويلة، فلم يعد أي مجال لاستخدام البنادق وما ارتفع ساعد استعماري ليصوب بندقيته إلا وبتر وتنزل سيوف الأنصار لتبتر كل ما يقابلها.

دامت المعركة الدموية الهائلة مائة ثانية، ولقد قاتل رجال الأمير دقنه بشجاعة وعزيمة، الأمر الذي مكنّهم من الإمساك بخناق العدو واقتلاع النصر منه، وعاد الأمير دقنه مرة أخرى وسط رجاله ليعيد تنظيمهم بنفس الترتيب السابق، ولكن عندما حاول الكولونيل مارتن الإلتفاف حول جنود الأمير دقنه أسرع الأخير في إعادة مواجهته واستمر اطلاق النار بضع دقائق، ولقد أصبح الحل الوحيد أمام الأمير دقنه هو الالتحام بالعدو بسرعة حتى لا يترك مسافة بعيدة تمكّن العدو من استخدام نيران مدفعيته. وبعد أن ضمن جذب عدوه أعد الأمير دقنه العنصر الأول من المفاجأة ليكون فيه المظهر غير المخبر، أي الظهور بمظهر يختلف عن الحقيقة، ووجد العدو نفسه غارقاً وسط خضم بشري مسلح يزيد على الألفين، أما العنصر الثاني من المفاجأة فهو السرعة، أي سرعة توجيه الضربة القاضية.

لقد كان الأمير دقنه رائعاً سواء في تخطيطه للمعركة أو في إدارتها أثناء اشتعالها، بارعاً في جذب العدو نحوه وإغرائه بالهجوم، وكان كذلك معلماً في توجيه الضربات للخيل وحكيماً في رفضه لمطاردة عدو راكب.

انتهت معركة كرري بانكسار جيش المهدية أمام المكسيم سلاح الدمار الشامل الذي كان استعماله محرماً في الحروب بين الأوربيين، وبجحافل المستعمريّن البريطاني والمصري ومعهما مرتزقة سودانيين وبعد أن ضرب كل فرد في جيش المهدية أروع الأمثلة في البطولة والتضحية واحتقار الموت، ولم يكن أمام الخليفة عبدالله إلاّ الانسحاب نحو الغرب والاستعداد مرة أخرى لمواصة النضال لتحرير البلاد واجلاء المستعمر الغاصب عنها.
image
معركة خور شمبات

image
المهدي

image
الأمير عثمان دقنة

image
الخليفة عبدالله التعايشي


image
سليمان ضرار


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 8099

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1514521 [ماجد]
5.00/5 (1 صوت)

09-03-2016 06:11 PM
لم تحدث الأمور كما ذكر الكاتب إذ ان فرقة اللانسر الانجليزية عندما اعترضها الكمين لم تتردد و لم تفر (يجب علينا أن ننصف الأعداء كما أنصفونا) اخترقت فرقة اللانسر الكمين و أصلته بالنيران و هزمته و شتته حتى فر عثمان دقنه و بقايا جماعته و كانت خسائر اللانسر 21 قتيلا و 49 جريحا ، و للمقارنة بين الجهل و التخلف و العلم فقد كانت خسائر الجيش الغازي 490 قتيلا و جريحا أما خسائر جيش المهدية فقد تجاوزت 10 ألف ... لماذا يريد البعض تزيين الجهل ؟ الحسرة على أولئك الأبطال الذين سلموا أمرهم للدجل و التخلف و عاشوا في غيبوبة مثلما يعيش شعبنا اليوم و تكون النتيجة موت كموت الضأن ... خسارة .

[ماجد]

#1514212 [Hisho]
5.00/5 (2 صوت)

09-02-2016 10:37 PM
ليس من الامانة انقاص الاخرين حقهم فقد اصبح ذلك تاريخ , معركة خور شمبات على حسب ما ذكره ونستون شرشل كانت جزء من المعركة الكبيرة معركة امدرمان التى حدثت فيها كثير من الالتحامات , وربما كان كتشنر قد امر بان يتم قطع الطريق على القوات المنسحبة بعد ان بدات بشاير انهزامهم وتقهقرهم , ولكن كما كان مذكور ان معركة خور شمبات هى كانت بسبب ان فرقة ( لانسرز) الانجليزية تريد تنفيذ عملية التفاف على ما تبقى من قوات المهدية المتقهقرة فاصدمت بقوات عثمان دقنة التى كانت متاهبة للتصدى لاى قوات تحاول الالتفاف .
ما اود ذكره هو ان قوات (لانسرز) البريطانية قاتلت بضراوة شديدة وتكبدت خسائر ولكنها الحقت ايضأ بقوات عثمان دقنة خسائر كبيرة جدأ بالرغم من انها وقعت فى كمين ولكنها استطاعت التراجع وتنظيم صفوفها , ولم يكن هناك استعمال لمدافع الماكسيم فى اى مرحلة من مراحل التحام خور شمبات فلقد كان التحام جله بالاسلحة البضاء وكان من غير الممكن استعمال رشاش المكسيم او حتى البنادق التى تفقد فعاليتها فى الاتحام المباشر .
كل تاريخ السودان الذى كتب من قبل سودانيين مشكوك فيه وتغلب عليه العاطفة وتغيب عنه كثير من الحقائق , فرقة ( لانسرز )البريطانية كانت قوة ضاربة وجبارة جدأ ويركب افرادها الخيول وكانت تلعب ادوار رئيسة فى اى منازلة يتم فيها التحام , ومعركة خور شمبات لم تكن ابدأ تحسب انتصار لعثمان دقنة فلقد تزعزعت قواته وفقدت الكثير من افرادها بعد هذه المنازلة وانسحب بعدها عثمان دقنة مع من تبقى منهم الى امدرمان لم يستطع ان يلاحق فرقة( لانسرز) البريطانية المتراجعة بعد هذا الكمين .
ثانيأ لم يكن هناك مرتزقة سودانيين فقد كان هناك قوات نظامية سودانية ( الفرقة الخامسة السودانية والثامنة السودانية وثلاث فرق سودلنية اخرى)وهى قوات نظامية سودانية كانت موجودة فى اقصى شمال السودان تتبع للحكومة المصرية ايام حكم المهدية وعادت مع الجيش الانجليزى المصرى .

[Hisho]

سليمان ضرار
سليمان ضرار

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة