المقالات
السياسة
الشيوعى والكفر والايمان(3)
الشيوعى والكفر والايمان(3)
09-06-2016 12:51 AM


تطرقنا فى المقال السابق الى ان كل بلاوى الشك والالحاد ، ليس فى الدين الاسلامى وحده ، وانما ايضا فيما سبقه من اديان سماوية ، كان بسبب الفهم الخاطئ لمعانى واهداف تلك الاديان . وزعمنا بناء عليه ان كبار الملحدين من امثال ماركس وداروين وحتى برترتند رسل ، لم يكونوا كذلك الا بسبب تلك المفاهيم الخاطئة التى تنشر باسم الدين ، على الرغم ممافيها من عدم المنطق ناهيك عن تناقضها مع مكتشفات ومخترعات العلم . ثم زعمنا ان الفهم الصحيح لمعانى الدين ومراميه لايناقض العقل ولا العلم ، لانهما كما نرى ، آتيان من مصدر واحد .
فى اجمال قد يحتاج الى تفصيل اكثر لاحقا ، قلنا ان صحيح الدين يعنى :
- ان الدين ( الاسلام ) الخاتم جاء الى البشرية جمعاء : " يايها الناس " " يامعشر الانس والجن ..." وبهذا فهو ملب لمتطلبات كل البشر على اختلاف اشكالهم والوانهم وظروف معيشتهم فى كل زمان ومكان . ولكى يكون كذلك فهو بالضرورة ان يكون منفتحا على تطورات الكون ، التى اصبحنا نراها فى كل يوم بل وساعة ولحظة . ولايمكن ان يكون ذلك ممكنا الا باستخدام العقل واستباط معان جديدة لنفس النصوص. وليس هذا بكلام جديد ولا غريب . فسيدنا عمر قد فعله بشكل مستمر وبعمق وصل حد المخالفة لظاهر نصوص قرآنية ! وذلك مثل منع الزكاة عن المؤلفة قلوبهم وعدم قطع يد السارق فى عام الرمادة ...الخ
- ثانيا ، انه دين العلاقة المباشرة بين الرب والعبد بدون واسطة ايا كانت .دين القلب والضمير .
- وان العباد يحاسبون فرادى ولا تنفع الشفاعة من أحد ولا" تجزى نفس عن نفس شيئا .."
- وان كل انسان يحاسب على قدر مامنح من عقل ، وحسب قناعاته الشخصية ، لاينجيك القول بانك اتبعت راي فلان الشيخ أو العالم .
- ان الذى لم تبلغه الرسالة بالشكل المقنع له فليس عليه " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا .." وبالطبع فبعد الرسول يصبح المبلغ.
اذا كان هذا فهما صحيحا للدين ، ونزعم انه كذلك ، فما أثر ذلك على المسلمين والاسلام ؟
اولاً : لن يكون هناك معنى اوضرورة لوجود الشيوخ – ذوى النوايا الحسنة منهم او الافاقين . النوع الاول يمكن ان يقتصر وجوده على تبصير الناس بوجهة نظرهم وتفسيراتهم ، وحتى هذه لاتكون ملزمة الا لهم ولمن يقتنع بها من عامة المسلمين . واما النوع الثانى فسينعدم وجوده ، اذ ان قناعة المسلم بالصلة المباشرة مع الرب لن تجعله يلجأ الى طلب العون من احد غيره ، اذ ان ذلك يمثل نوعا من الشرك. ولايبقى بعد ذلك سبب لتدخل الآخرين فى شأنك الا على سببيل " الامر بالمعروف والنهى عن المنكر" وذلك باسلوب " وجادلهم بالتى هى أحسن .."

ثانيا : لاوجود لمتطرفين من امثال جماعة القاعدة وداعش وبوكوحرام ، وذلك لماذكرناه عاليا .فاذا اقتنعنا بان الايمان قرار فردى " من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " ، وانه شئ قلبى لايعلمه الا الله وصاحب القلب ، فكيف يكون لكائن من كان ان يجبر كائنا من كان على الصلاة او الصيام او اي من افعال الايمان . واذا حدث ذلك شكلا فما الفائدة ؟ ثم اذا صح مازعمناه من ان مايقول به علماء الدين واصحاب المذاهب هو تفسيرهم ووجهة نظرهم ، التى تختلف من فقيه لآخر ، فكيف يصح لاولئك المتطرفين ان يعتقدوا ان مايفهمونه من النصوص هو فقط الصحيح والذى يجب ان يتبع؟! واليس صحيحا ان اصحاب الافكار والمذاهب يختلفون على اشياء ، والا فماتفسير وجود هذه المذاهب . واليس احد كبار موجدى هذه المذاهب – الامام الشافعى هو القائل : رايى صواب يحتمل الخطأ ، ورايك خطأ يحتمل الصواب ؟ واليس الامام مالك هو الذى رفض توجيه الخليفة ان يكون موطؤه مرجعا لكل قضايا الدين ، قائلا ان اراءه فى الموطأ ملزمة له ولمن يقتنع بها فحسب ؟ وفى هذه المعانى يقول الامام محمد عبده فى مقدمته لتفسير القرآن:( التفسير الذى نطلبه هو فهم الكتاب من حيث هو دين يرشد الناس الى مافيه من سعادتهم فى حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة ، فان هذا هو المقصد الاعلى منه ، وماوراء هذا من المباحث تابع له او وسيلة لتحصيله ) . بالاضافة الى قناعته ان تفسير القرآن وفهم وجه الهداية فيه هو التزام انسانى لاينقطع ابدا ، وفى ذلك يقول : (خاطب الله بالقرآن من كان فى زمن التنزيل ، ولم يوجه الخطاب اليهم لخصوصيته فى اشخاصهم , بل لانهم من افراد النوع الانسانى الذى انزل القرآن لهدايته ... وفهم هذه المعانى مما يسهل على المؤمن من أى طبقة كان ، ومن أهل أى لغة كانت . ومن الممكن ان يتناول كل أحد من القرآن بقدر مايجذب نفسه الى الخير ويصرفها عن الشر ، فان الله تعالى انزله لهدايتنا ، وهو يعلم منا كل انواع الضعف الذى نحن فيه . وهناك مرتبة تعلو هذه ، وهى من فروض الكفاية ) .
ثالثا : وهذا مهم جدا ، الذين يدعون الحكم باسم الدين والله ، لن يكون هناك مبرر لادعاءاتهم ، وقد ثبت عمليا فشل هذا النهج . السبب الواضح لهذا الفشل هو ان هؤلاء كانوا يعتقدون ان مجرد وصولهم للحكم يعنى تطبيق شرع الله ، ولذلك فهم قد سعوا لتمكين الجماعة فحسب وليس الامة . واتضح ان التزامهم بالمعانى والغايات العليا " من الطقطوق ولى فوق " كما يقول مثل شعبنا المعلم . فهم لم يتشربوا هذه المعانى كما فعل عمر بن الخطاب او حفيده عمر بن عبدالعزيز . هؤلاء اهتموا بارساء العدالة بكل معانيها . عمر الذى قال : لو ان بغلة تعثرت فى بلاد الشام فسيسأله الله : لماذا لم يعبد لها الطريق ؟! وجماعتنا الذين عبدوا الطرق بالطريقة "المتعافية " ثم هل الخريف هلا !! وحفيده الذى أطفأ المصباح عندما خلص من اعمال الدولة . أو على الذى وقف مع خصمه اليهودى واستنكر ان يخاطبه القاضى بكنيته على ان ذلك نوع من التمييز ! اين هذا من كل مااصبحنا نسمع ونرى من هذه الحكومة المحترمة فى قول من اقوال الاستاذ حسين خوجلى !
وبالرغم من هذا البرهان العملى على سقوط الفكرة ، الا انه قد يكون من الاوفق ايضا تجذير الموضوع بقليل من الافكار التى تقدر ان الفكرة لاجذور نظرية لها فى الدين ، بل على العكس تماما اذ ان الربط بين السياسة والدين قد اثر سلبا فى الاتجاهين . وفى هذا يقول الدكتور برهان غليون : ( لقد كان للفصل بين السلطان الروحى والسلطان الزمنى فى حياة البشرية أثر لا يقل عن الفصل بين الروح والجسد كأساس لتحرير العقل ) . وهكذا نرى ان اصل الدين التوحيدى هو عدم الخضوع لأى سلطة زمنية ، وهو قد كان الاصل للاديان التوحيدية السابقة للاسلام " اليهودية والمسيحية" قبل نكوصها . ولكن يبقى الارتباط بين الدين والحياة فى عمومها ايضا ، اصلا من اصول الدين ، لانه بتهذيبه لاخلاقيات البشر وجعل العلاقات الانسانية فى مقدمة اهتماماته يسعى لجعل الاخاء بين المؤمنين هو أساس هذه العلاقات . اذن فالبداية بفهم صحيح للدين وغاياته ومقاصده النهائية ، لانه من هذا الفهم ستتضح علة ماذهبنا اليه من ان دين الاسلام هو دين الهداية الى الصراط المستقيم فى كل نواحى الحياة، بمافى ذلك السلطة الزمنية ، أى الحكم ، الاانه لايفترض اسلوبا معينا للحكم ، بينما يفترض فيه ان يكون عادلا بين الناس فى هذه الحياة الدنيا فيمكنهم ان يعبدوا الله كيف يرون ويشاؤون ، وترك الحكم فى صحة اختياراتهم او خطأها لله " ... فينبأكم بما كنتم فيه تختلفون ". حيث كل نفس تجادل عن نفسها !


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1945

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1516011 [صلاح فيصل]
0.00/5 (0 صوت)

09-06-2016 09:36 AM
مقالاتك رائعة يا أستاذ و أهلا بالتنوير

[صلاح فيصل]

عبالمنعم عثمان
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة