المقالات
ثقافة وآداب، وفنون
أحمد الملك
البيت كله مصاب بجنون البقر!
البيت كله مصاب بجنون البقر!
09-06-2016 03:58 PM


كان عبد النور يجلس في مقهى في سوق الاربعاء يشرب كوبا من القهوة، ويرتاح قليلا من عناء التجوال طوال النهار بحثا عن أية عمل، مرت عدة أيام وهو يبحث عن عمل جديد، إن لم يجد عملا حتى نهاية الصيف سيضطر ليعود للزراعة في موسم الشتاء، لم يكن يحب زراعة الموسم الشتوي، دائما هناك سبب لفشل الموسم، يأتي الحر مبكرا فتصيب العسلة محصول الفول والشمار، أو يتأخر البرد أو لا يأتي أحيانا، وإذا كان الموسم خاليا من الاوبئة وكان الجو باردا طوال الموسم، تنهار الاسعار مباشرة بعد الحصاد. يقال ان السبب هو السماسرة من أهل البنوك والحكومة، حين تنهار الاسعار يشترون المحصول بأسعار بخسة ليجنون أرباحا كبيرة فيما بعد. كان قد عمل في عدد من مزارع الموالح لحوالي ثلاثة أشهر، قام خلالها مع زملائه بنقل زبل البهائم وتسميد أشجار الليمون والبرتقال. إستطاع تسديد جزء صغير من ديونه وارسال بعض المال الى زوجته، حاول ممارسة تقشف البهجة حتى لا يغرق في الديون، كان يذهب لشراب الخمر مرة واحدة فقط في الاسبوع، بعكس ما كان يفعله قبل سنوات حين كان يذهب للعمل يوما واحدا في الاسبوع ويقضي بقية الاسبوع في معاقرة البهجة.
يحضر دائما الى سوق الاربعاء ليلتقي بعض الناس الذين يحضرون من قريتهم على ضفة النهر الاخرى، يقوم في العادة بارسال بعض الاشياء الصغيرة وبعض المال لزوجته واطفاله.
سلّمه أحدهم رسالة من زوجته، إختار ركن القهوة البعيد وجلس يقرأ الرسالة، زوجته تكتب بخط جميل، كانت تعمل معلمة في مدرسة القرية لكنها إضطرت لترك العمل بعد ولادة طفلهما الثاني، كان الوقت لا يزال مبكرا ولم يزدحم السوق بعد: نحن بخير لكن الطفل الصغير مريض ووالدك اصيب ايضا بالحمى، البقرة ايضا مريضة، حين ذهب الزين لحلبها امس قامت بنطحه وطاردته حتى هرب من الزريبة، أحضرنا ابراهيم البصير فقرّر انها مصابة بجنون البقر، واقترح ان نقوم بربطها ونحضر أحد الشيوخ لعلاجها من سحر العين! لحسن الحظ لم تصب الماعز الوحيدة التي تبقت لنا بالجنون، حصلنا على بعض اللبن لعشاء والدك وعشاء الصبيين.
جاء المساعد الطبي واعطى ساتي حبوبا طعمها مر مثل الحنظل، قال انها افضل دواء لعلاج الملاريا، وطلب مالا مقابل أقراص الحنظل تلك، اعطيته العشرة جنيهات التي تبقت لنا، وكنت اتوقع ان يعيد لي المبلغ المتبقى، توقعت ان تكون حبوب الحنظل رخيصة، الحنظل متوفر في كل مكان وينمو لوحده ولا يحتاج لتلقيح أو سقي! لكن الرجل لم ينظر حتى للعشرة جنيهات واكتفى بوضعها في جيبه العميق! الذي يبدو أنه لا يرتوي أبدا! ربما لأنّ العملة الوطنية لم تعد تساوي قيمة الورق الذي تطبع عليه كما يقولون في الأخبار! رأس ضخم وبطن كبيرة، لا ينقصه سوى ذقن صغيرة، وعين قوية قليلا ليصبح لصا نافذا، يسرقك ويضربك إن قمت بالاحتجاج! مشكلته أنه جاء حديثا بعد وفاة الطبيب السابق مصطفى، الذي كان شهيرا بلقب الحكيم وكان يستحقه، مرض الحكيم لفترة طويلة ثم توفي، شعر الناس جميعا بالحزن والصدمة ليس فقط لأنه كان رجلا فاضلا يمثل أخلاق الزمن القديم، يعطف على المرضى ويدفع ثمن الدواء من جيبه للمرضى الذين لا يستطيعون دفع قيمة الدواء، قبل حكم الكيزان كان الدواء مجانا، والأطفال يذهبون للمدارس ولا يطردهم أحد، بالعكس حين توقف أخي مبارك عن الذهاب للمدرسة حضر مدير المدرسة بنفسه وأعاده للمدرسة! بعد وفاة الحكيم مصطفى شعر اهل قريتنا بالخوف، ان كان حتى الطبيب يمرض ويموت بهذه الطريقة، مثلنا، فماذا سيحدث لنا نحن الناس العاديون!
والدك فحصه ابراهيم البصير بعد ان فرغ من فحص البقرة، ولأنّ والدك كان لا يرد على اسئلة ابراهيم البصير، ويكتفي بالتحدث مع نفسه فقد قرّر ابراهيم البصير ان والدك ايضا اصيب بجنون البقر! سقاه قليلا من مغلي التمر الهندي لكن والدك تقيأ الدواء واستمر في حديثه مع اناس غير موجودين وكان يجيب حتى على الاسئلة التي لا نطرحها عليه! واعترف بفرح لا يخلو من شعور بالفخر، ان والدتك كانت تضربه حين يتأخر مساء ويحضر الى البيت مخمورا! كان يشكر كل الاشياء القديمة، يقول إنّ خمر هذه الايام مثله مثل اللبن! ولأن الناس أصبحوا ضعفاء فإن مقدارا قليلا من هذه الخمر المغشوشة كفيل بجعل أقوى شاب من شباب هذه الايام يترنح طوال اليوم، ولا يستطيع التعرف الى بيته، رغم أنه يمر من أمامه! ثم يقضي بقية الليل نائما في الشارع أو الحقل! في زماننا السعيد كان الخمر يفقدك حتى الوعي بالعالم من حولك، اذا اطلقوا نحوك (حسب قوله) دانة مدفع، ستقول من الذي قذفني بهذا الحجر الصغير! تنفض ثيابك وتمضي في طريقك كأن شيئا لم يحدث، حين تواجه مصاعب أو تضربك إمرأة ما وأنت مخمور بذلك الخمر الجيد، لن يكون ذلك إنتقاصا من شخصيتك، بقدر ما هو إثبات لقوة جسدك، ولجودة الخمر التي إنفقت فيها ثروتك!
لم أكن أنتبه أنني ضُربت الا في اليوم التالي، حين استيقظ من النوم وأستعيد وعيا مشوشا بالاشياء من حولي، فألاحظ تمزّق جلبابي، والدماء المتناثرة عليه! يصمت قليلا كأنه يعيد الاستمتاع بتلك البهجة الغابرة، ثم يقول بمحبة : ليس هناك أسوأ من إمرأة قوية الجسم! يبدو انّ والدك في شبابه كان ضعيف البنية، بينما كانت والدتك قوية وطويلة حتى انّ الرجال في القرية كانوا يخافون منها ولم يجرؤ أحد على التقدم طالبا الزواج منها، ذات مرة تشاجرت مع حسن الاعرج الذي يبدو انه كان يريد التودد اليها معتقدا ان الشجار معها سيكون اقرب طريق الى قلبها، لكن المشاجرة انتهت بفقدانه لعينه اليسرى اثر صفعة قوية على وجهه! كان مقدرا له ان يقضي بقية عمره برجل واحدة وعين واحدة! لقد فقد بسبب الحب حتى وجهه!
كان والدك أكثر حظا إحتفظ بجميع أعضائه حتى بعد وفاة أمك، لكنه اعترف بأنه كان يتعرض للضرب يوميا، يقول انه كان معتادا على الضرب، كان والده يضربه وكان الناس يعتقدون ان من حق اي إنسان ان يربّي الطفل حتى لو كان شخصا غريبا مارا بالقرية، لذلك تعرض للضرب من الكثيرين، حتى حين كان يقوم بزيارة جده كان يتعرض للضرب لأتفه الاسباب، ارسله والده الى الخلوة حين كان صغيرا، ولأنه لم يستطيع حفظ سورة الفاتحة فقد كان يتعرض للضرب يوميا بالعصي، حتى اضطر للهرب من الخلوة قبل ان يتمكن من حفظ اية شئ، حكى لنا أنه كان في شبابه يهتم بأناقته، خاصة في فترة الصيف بعد بيع المحصول الزراعي، كان يعمل أحيانا كعامل بناء حتى يتمكن من توفير بعض المال للبهجة وللملابس، ولأنه كان دائما يرتدي ملابس نظيفة وجديدة فقد كان الناس دائما يدفعونه لإمامة الصلاة. المشكلة أنه لم يكن يحفظ شيئا، كان يضطر للموافقة حين تكون الصلاة سرا لكن في الصلاة الجهرية كان يصر على الاعتذار بدعوى انه مريض يعاني من ضعف في صوته، وأنه مدين لأحد البنوك بمبلغ كبير ولا تجوز إمامة المدين للصلاة، كما أنه لا يشعر بالاطمئنان ليركز في صلاته بسبب الخوف من مداهمة شرطة البنك له في أية لحظة، ولا يريد أن يبدأ الصلاة ثم يولي الأدبار فيضطر المصلون من خلفه لانتظاره طويلا، حتى يشعر رجال الشرطة باليأس من العثور عليه وسط الأحراش التي تغص بالأفاعي السامة والكلاب الضالة ويرحلون!
كنت أعتقد ان جنون البقر يصيب فقط البقر، لكن اتضح انه يصيب ايضا بعض المسنين الطيبين الذين يعتاشون على ذكريات الماضي السعيد، يحاولون عن طريق ردمها أمام اعينهم، منع أعينهم من رؤية بؤس واقع الحياة الآن! ابراهيم البصير أحضر لوالدك ماء مرقيا، شرب والدك الماء المرقي واستمر في الحديث مع الاشياء من حوله بصورة أكبر، والاعتراف بكل أخطائه القديمة، لم أكن اعرف أن والدك كان جنديا في الجيش وانه شارك في الحرب العالمية الثانية، مع وحدة من الجيش في شمال أفريقيا. إعترف لي انه سرق زجاجة خمر جيدة من القائد فوضع في الحبس، وحين عاد من الحرب قام بقيادة تمرد في وحدته فحوكم وطرد من الخدمة، اعترف لي انه احترف السرقة لفترة بعد طرده من الجيش! ثم عاد الى القرية واصبح مزارعا.
النقود التي دفعناها لعلاج ساتي كنت أريد دفعها للزين، طردوه الاسبوع الماضي من المدرسة لأنه لم يدفع رسوم الكتب! مع أنه لا توجد كتب، يوزّع عليهم المدرس بعض الكتب الممزقة ويجمعها في نهاية الدرس. قال له المدرس ما دام والدك فقيرا لماذا لا تترك المدرسة لتعمل وتساعده! المدرس الذي كان يدفع من جيبه ليتعلم الناس اصبح هو الذي يطرد الأطفال من المدرسة ويقول لهم ما دمتم فقراء ما داعي للمدرسة، الكحل لا ينفع في العين العوراء!
لماذا غبت طويلا هذه المرة! الزين حزين لأنه لا يستطيع العودة للمدرسة ووالدك اصيب بجنون البقر، لابد أنه مرض معد لأن البقرة مرضت أيضا، أخشى ان نمرض جميعا وحين تعود تجد البيت كله مصاب بجنون البقر.
ساتي كان قد بدأ يتحدث قبل ان تصيبه الحمى، يبدو أنه سيصبح مثل جده، فهو لا يكف طوال اليوم عن التحدث مع كل شئ بلغة لا يفهمها حتى هو نفسه.
حمار والدك العجوز مات فجأة، لا أعتقد انه اصيب بجنون البقر، فقد كان هادئا حتى لحظته الأخيرة، كان يبدو سليم العقل رغم هزاله وجروح ظهره. كنا نسمع صوته طوال الليل ينفخ بأنفه كعادته، وفي الصباح وجدناه ميتا، كان وجوده مهما جدا لنا، يستخدمه الزين للذهاب للمدرسة، ولاحضار الحشائش للبقرة والماعز، لكنهم طردوه من المدرسة على كل حال.
نحن في إنتظارك اذا لم تستطع الحضور ارسل لنا مالا، لماذا لا تحضر وتجرب حظك مع الزراعة هذا العام؟ أو تذهب الى مناطق تعدين الذهب، يقال أن أحد اهل القرية عثر على قطعة ذهب كبيرة واصبح ثريا، أعاد بناء البيت ويفكر في الزواج مرة اخرى! هكذا الرجال هنا، ما أن يعثر احدهم على المال حتى يفكر أول شئ في الزواج، ينسى ان أم أكفاله هي التي صبرت معه على الفقر ولولا تدبيرها ومسعاداتها لما استطاع ان يحقق شيئا. هل ستفكر انت ايضا في الزواج ان عثرت على قطعة ذهب كبيرة؟ أعتقد انك مثل والدك تحب الخمر أكثر من زواج النساء؟ أم ان والدك لم يتزوج إمرأة اخرى لأنه كان يخشى أن تضربه زوجته؟ إنني ايضا قوية الجسم، حين كنت فتاة صغيرة كنت أذهب لرعي أغنامنان وفي المرعى كنت ألتقي مع الكثير من الصبية، كانوا في معظمهم أولادا مؤدبين، لم تكن هناك مشاكل أو مخدرات يستخدمها الاولاد مثلما يحدث الان، تجرأ أحدهم مرة وحاول ضرب إحدى الفتيات معنا، سحبت حذائي وضربته على رأسه حتى فرّ هاربا ولم يعد الى ذلك المرعى مرة أخرى! يمكنني إذن التصرف في حالات الدفاع عن النفس!
يجلس عبدالنور يائسا يشرب القهوة على الحساب الذي تضخم كثيرا دون أمل قريب في سداده. يعبر المارة من أمامه، فيشعر كأنه بات غريبا في هذا العالم، كأن الأرض إنشقت ولفظته فقط ليدور مثل ثور في ساقية أبدية تسحب الماء من البحر وتعيده الى البحر.
يشعر فجاة بنشوة غريبة تعيد شحنه بالرغبة في الحياة، يزدحم العالم من أمامه بالناس، زحام الناس والفوضى التي أثارها ظهور بعض الشباب العائدين من مناطق تعدين الذهب، شئ ما جعله فجأة ينسى أحزانه، طلب كوبا آخر من القهوة، شربه ببطء ووضعه على المنضدة أمامه، ثم حمل عصاه ووضع الرسالة في جيبه، وضاع في زحام السوق.




للحصول على نسخ بي دي اف من بعض اصداراتي رجاء زيارة صفحتي
https://www.facebook.com/ortoot?ref=aymt_homepage_panel



[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1849

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1517101 [واحد من أياهم]
0.00/5 (0 صوت)

09-08-2016 02:23 AM
يبدو ان جنون البقر لم يترك سطرآ !ولا قائمة أو نأئمة ،فقد مسهم بذلك الحب الأبوى العميق!وحتى القراء ...شكرآ يا الملك!

[واحد من أياهم]

احمد الملك
احمد الملك

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة