المقالات
السياسة
آخر السلاطين.. سدرة الدم والحب
آخر السلاطين.. سدرة الدم والحب
09-10-2016 12:50 AM

image


لعل واحدة من المفارقات والتي لا يزال الجدال حولها محتدمًا ومستمرًا، أن تتضارب المقولات حول رواية انسحاب أو هروب السلطان علي دينار آخر سلاطين أحفاد الكيرا من موقعة كرري قبل نشوبها، والتي انقسم المؤرخون والرواة حيالها؛ كل يعتصم بحجته الدامغة رغم أن التاريخ الرسمي لم يدون أي دور للسلطان في المعركة، حيث انهزم فيها جيش الخليفة عبد الله ود تورشين، مسدلة بذلك الستار على تاريخ المهدية الحافل في أقسى هزيمة تلقتها أول دولة سودانية بالمفهوم الحديث من منظور وحدوي.
وذكر المؤرخ آلن ثيوبولد في كتابه (علي دينار.. آخر سلاطين دافور)، أن هنالك خلاف كبير حول ما إذا كان على دينار قد اشترك في معركة كرري يوم 2 سبتمبر 1898م أم لا. وهل جمع القليل من أتباعه الفور قبل أم بعد المعركة مباشرة، واتجه غربًا لاسترداد عرش دافور. (1).
وقد قدم ثيوبولود الأدلة العديدة التي تؤيد حجة الطرفين. ولكن حقًا هل هرب السلطان عشية المعركة أم كان معتقلًا أم شارك في المعركة كقائد ميداني؟ هذا قول يجب أن يحسمه التاريخ وليس الأدب.
انبرى الأدب ممثلًا في فن الرواية، وفي سياق عمل تخيُّلي اختاره الروائي منصور الصُويِّم باسم (آخر السلاطين.. حروب السلطان علي دينار على تخوم مدافن السلاطين)، منحازًا إلى قول أحد طرفي الرواة بأن السلطان علي دينار قد انسحب من موقعة كرري وبارح أرضها إلى سهول ومرتفعات دارفور لإعادة مجد سلطنته المفقود.
وتعد رواية منصور الصُويِّم عملًا روائيًا تاريخيًا مختلفًا، وإن تعددت مستويات السرد فيه والرواة، علاوة على تجليه وفيضه بندى السلاسة والتخيل متمحورًا على مستويين من الهندسة المعمارية: تقربه من السلطة السياسية بذات القدر تفاعل بذكاء مع سيرة الفضاء الاجتماعي الذي عمد المؤرخون أو بالأحرى السكوت عنه باعتباره سيرة شعبية غير مهمة على الإطلاق.
وسار الكاتب في سرده متماهيًا مع تنقلاته المختلفة من برهة لأخرى، وحينًا متسارعًا في أودية تذوب عذوبة بماء السماء، منتقلًا بين فضاء معركتين خسرهما الوطن قبل آخر السلاطين صاحب التجربة الأكثر حضورًا بين كتب تاريخ الممالك والسلطنات، كما وثق له المؤرخ آلن ثيوبولد في كتابه الموسوم باسم (علي دينار.. آخر سلاطين دارفور)، وغيرهم من المؤرخين الذين تناولوا سيرة هذا السلطان.
ويمضي ابن بلاد الثرثرة والونسة (نيالا) كما تعني بلغة الداجو في سرديته التاريخية مصورًا عوالم الجغرافيا المكانية والزمانية بدقة متناهية متوغلًا حتى في التفاصيل الصغيرة التي رسمت معالم حدود مسيرة الدم والحب التي شكلت مسيرة السلطان على دينار ودعائم سلطنته.
يختار الروائي الصُويِّم فترة أواخر التسعينيات من القرن التاسع عشر إلى مطلع القرن العشرين (1898- 1916)، لتكون مرتكزًا زمنيًا لأحداث روايته "آخر السلاطين" التي تدور في فضاء دولة دارفور، حيث كانت محاولات السلطان علي دينار في الاستماتة من أجل نيل حكم دارفور والاستقلال بها، من مركز قصره الواقع بالفاشر، وتشديد قبضته العسكرية مع الاحتفاظ بحكم ذاتي وعلاقات حسن الجوار مع دولة السودان التي يحكمها آنذاك المستعمر الانجليزي.
في التاريخ كما في أحداث الرواية، جاء علي دينار مهرولًا من مدينة أم درمان في أعقاب إنتهاء حقبة الدولة المهدية شاقًا سهول كردفان ودارفور ليوطد أركان دولته في الفاشر الواقعة في وسط إقليم دارفور تحت وقع حروب شاقة وطويلة خاضها مع قبائل الإقليم، ومع القوات الفرنسية على حدود دارفور الغربية، وضد القوات الإنجليزية في شرق سلطنته وداخل مركزها الكبير، مختتمها برحيله إلى جوار شعاب جبل مرة طاويًا إرثًا كبيرًا من الحروب الثقيلة التي خاضها بلا هوادة ولا توقف. ولعل أبرزها معركتي جبل الحلة وبرنجية اللتان عجلتا بتفكك عصب وعظم سلطته وانهيارها، حيث لعب عدم تقديره السياسي لمالآت ما يدور من حوله من تململ المستعمر داخل السودان، وظروف الحرب العالمية، وكذلك الحراك الخارجي المحيط بحدود سلطنته من جهة تشاد.
يؤلف الكاتب حكايات كثيرة وفق أسلوب الحبكة المتناثرة، بحيث يجعل الجغرافية والأزمنة بذاتها لها أكثر من حضور وثقل في تمثيل بطولة الرواية، مؤسسًا لعوالمٍ غنية بالسرد والحكي.
ومن جبل كرري، ثم إلى جبل الحلة، وأخيرًا أرض برنجية سال الدم غزيرًا، وروى الأمكنة ومحاضن وهياكل العروش التي شيدت بلبن الدم وماء الروح. واتسعت الحكايات بتعدد الرواة الثقاة داخل متن النص، متحلقون حول سدرة السلطان الكبرى التي مدت ظلها الظليل مستمدة منه رباطة الجأش والهدوء والصبر في أحلك اللحظات؛ وهو يمضي في البطولة طاويًا المفازات والحجر والسهوب من أجل تكوين دولة دارفور.
وهنا، كأن التاريخ الحاضر يشتعل عبر أثافي الماضي، مشرعًا واقعًا لزجًا يمسك بتلابيب أرض دارفور الغرقى في رحى الدم الذي بدأ ينشد خلاصه، راجعًا القهقرى من ذات السدرة المباركة التي تقع على تخوم وأعلى جبل مرة، مرة أخرى لتوطيد أركان دولة هشة تتناوشها جوقة من البنادق المتشاكسة..!!
وأرى شخصية آدم جفال خادم السلطان ترنو من أسفل سدرة برنجية تناجي خلاص دارفور من روح أسلاف السلطان علي دينار.. وهيهات.. لا علي دينار ولا جفال نفسه الغارق في أتون الحلم.. وغابت تلك الدولة واحتضنها مد الحضارة والمدنية حيثما الآن دارفور تستغيث ولا مجيب في سديم الليل البهيم!!
ومع ذلك، وفي ظل صلابة السلطان، تنبأ خادم السلطان بخسارة الحرب وموته في رمال أرض برنجية، كما تنبأ القائد سيف البرتاوي بعد أن فشل في لقاء هادية بت المطر، وهو يصلي الفجر حاضرًا خلف إمام السلطنة الشيخ محمد سيماوي وهو يتلو: "كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله"، بُعيد عودته من آخر غزواته الغرامية وفشل لقائه الأخير بالمحبوبة هادية.
وفي ذات الاتجاه، شعر جبريل الطاهر كشَّاف مركز النهود بدنو أجل وزوال السلطنة، وهو في لحظة مكاشفة مع الصبي القُرعاني حسين بخيت عن طبيعة عمل كشافة السلطان. واستشعر الحس الأمني الجمعي الموقف بكل تفاصيله منذ أن حلت حملة الإحتلال علي أرض كردفان ودارفور، كما أيقن بريقع الدومة الكشاف القادم من الأبيض إلى النهود، بأفول سلطنة دارفور، ورأى الهزيمة، وكذلك الكشاف القُرعاني. والعقل الأمني تشحذه ضآلة المِدى، والسيوف، والسفاريك، والسكاكين، والنبال، والكواكيب، والحراب، والرماح، وعدد (90) بندقية فقط من بنادق الرمنتجون في معسكر برنجية، وهذا كل ما يمتلكه جيش سلطنة دارفور من عتاد الحرب مقابل آلة الإنجليز العسكرية.
الصُويِّم البارع في الحكي وإحياء التاريخ الباتع أو إعادة قراءته من منظور تخيُّلي، شق مفازة الدم المجبول بالمجد والسؤدد، ونصب لنا بموازاة التاريخ خلال حدود تلك السلطنة المترامية الأطراف من خلال شبكة علاقاتها التي قادت إلى حلف العثمانيين في لعبة الحرب الكبرى، متخذًا من الإسلام غاية في تحالف سياسي عجل بسقوطها أوان الحرب العالمية الأولى عبر العلاقة الوثيقة بالأتراك والألمان وغيرهم ضمن فيالق المحور.. ولن نسوق اللوم إلى السلطان، وهو في مقام مرقده الأخير بين شعاب الجبل لطالما أدرك بوعيه أهمية دعوته، وبسط سلطانه على رقعة عدها من ديار الإسلام أيًا كانت الوسائل آنذاك، والغايات التي سعى إليها.
وترك ما ترك بمقاييس المرحلة، ويكفي أن دارفور عرفت حكمًا مستقرًا وفق تراتبية ذكية أشاد بها العدو المستعمر قبل أهل البلاد وخصومه في الداخل.
وربما نشارك ماكمايكل ثناءه الذي عبر عنه في رسالة إلى سيمز السكرتير الخاص للحاكم العام بعد احتلال جبل الحلة:
"كلما أدركت وفهمت أكثر النظام الذي كان يدار به هذا البلد كلما احترمت على دينار. لم يترك أى شيء ولو صغيرًا إلا وتم إخضاعه وسدد ضرائبه. (كان الرزيقات خارج المجال الإداري دائمًا) والكل احترم أقل أوامر الحاكم كل هذه السنين. وإذا اندفع في الشارع كالمجنون بيأس فإنه قد يكون أقام كل شئ بانسجام تام. كما أتخيل أن الكبار الذين كان يحكم عليهم بالإعدام دوريًا – وهم قلة عندما نفكر في الأمر – من المحتمل أنهم كانوا يستحقون ذلك". (2).
وتلك مسيرة الدم التي رسم حدودها أقوام شتى من بني السودان الواحد! حين أقامها السلطان وهو على قمتها بالصولجان والسفاريك وقليل من البارود المحلي والوارد، وفق هيكيلية إدارية تتكون من: رئيس الوزراء الملك محمود الدادنجاوي، رئيس الجيش أحمد ود إبراهيم، قاضي القضاة إدريس عبد الله الدنقلاوي، وزير التجارة والمال بشير نصر الشايقي، شيخ التجار وسر تجار الجلاَّبة ومستشار السلطان تاج السر سيد أحمد الجلاَّبي، شيخ الصاغة وسادن معمل سك الريالات المجيدية محمد آدم، كبير كتاب السلطنة الخليفة حسن العكام، الأميرة الميرم تاجا شقيقة السلطان علي دينار، مستشارته الأولى ولسان السلطنة. بالطبع لن نغفل سيرة القائد الأمير رمضان علي ود بُرَّة قائد أحد أهم الكراديس المقاتلة والمشرف الأول على كتائب حراسة السلطان، وكشاف مركز النهود جبريل الطاهر ضمن كتيبة الكشافين السرية، آدم جفال ملازم السلطان، الحاج عبد الماجد فضل المولى ود الفكي أحد كتاب السلطان المقربين الذي أملى سيرة السلطان لإبنته فاطمة في مخطوطة باسم "الأخبار المحكية في سيرة سلطان دافور الزكية علي بن زكريا: رضى الله عنه وأرضاه"، كأنه المؤرخ والراوي في آن واحد مع الراوة في متن السرد.
ومع الراوي سُحنا في تخوم وبطون فاشر السلطان والعظمة وأبو زكريا في حي أولاد الريف، خير خنقا (منازل الميارم والأميرات)، القُبة، مُكركا، الكرانك، دبة أم شجيرة، وسوق بئر حجر قدُّو، وغيرها من الأماكن التي نالت الحيز الجغرافي في رواية سيرة السلطان على دينار، وهي تغازل سردية الدم والحب.
أما رقعة جغرافية الحب التى رسم أقدارها المقاتل والفارس سيف الدين ضو البيت البرتاوي قائد أحد كراديس الجيش الأول في إحدى الحكايات الممتعة التي تسيدت المتن، جاءت تتوق لنداء شوق درويش أختلى بنفسه في دمس الليل واختار النصر أو الشهادة من ناحية، وفي أخرى الموت وبت المطر هادية.
تلك حكاية جزلة شيد مبناها الكاتب الصويم بلغة العشق حين يمور بسيل الاستغاثة الخارج من قلب محب ولهان وعاشق حبَّ أن يشرع رمحه في كل الأمكنة ليصطاد العدو والحبيبة في آن واحد في ملحمة لم تكتمل فصولها مع بت المطر حين وضعنا الكاتب على نهايات مفتوحة.
وخاض العاشق البرتاوي حربًا مزدوجة على جبهتين: الأولى في حروب التمرد والذود عن السلطة حيث شارك في كل معارك السنوات الست الأخيرة ضد قبائل البقارة، والتعايشة، وبني هلبة، والرزيقات، والكبابيش، والمعاليا، والمسيرية، والحمر، وعرب الزِّيَادّية الأبَّالة، وفزان ليبيا، وبرقو تشاد، والمحاميد الأبَّالة. وفي الجبهة الثانية خاض بقلبه ومشاعره حربًا ضروسًا من نوعٍ آخرٍ، حول واحدة من بنات المطر؛ جميلات السلطنة، والمبشرات بقلوب رجال الصف الأول من الأمراء ووزراء السلطان، والمُعَدَّات في الأصل زوجات للسلطان نفسه، وفوق ذلك ابنة أحد أهم أشراف السلطنة وأمرائها. تعلق قلب سيف الدين البرتاوي بالأميرة هادية بت الأمير آدم عبد الحكيم ابن عم السلطان ومحتكر تجارة العطرُون ومورد الحديد الأوحد لمصانع السلطنة.
حاول أن يهرب بمحبوبته إلى دار الرزيقات ولكنه قادته خطاه إلى سجون الأمير الحكيم الخاصة، ومع ذلك لم يستسلم عاود الكرة عبر العديد من غزوات الحب من أجل الأميرة هادية بت المطر. وكان بين نارين؛ إما أن يقتله الإنجليز تحت صهد البنادق أو رجال الأمير الحكيم. وهنا قد تمتد حكاية أخرى بموازاة عشق فاطمة ابنة عبد الماجد ود الفكي صديقة هادية حتى تنتهي إلى مشروع رواية أخرى تصل بنهاية حكايات الحب.
وهل كانت فاطمة مغالية في وصف حبيبها المنتظر، ولعله السلطان نفسه، حين قالت دون مواربة: "لم أحب مثلك يا هادية، لم التقِ بمن أحلم به بعد. من أريده لم يأت حتى الآن وأخاف ألا يأتي قريبًا.. أريده يا هادية فارسًا وشاعرًا وفقيهًا ومغنيًا ووسيمًا وشجاعًا، أريده أسمر اللون، وردي القلب، أبوي النظرة، أمومي العاطفة، من أريده أريده حنينًا وعالمًا ومقدامًا لا يهاب أحدًا.. هل تظنينه سيأتي يا بت المطر الجميلة؟". (3).
وآدم جفال ملازم السلطان وخادمه في حله وترحاله، أيضا عاشق آخر نسج في نياط قلبه حكاية حول فتاة برزت له من بين غيبوبة أغصان سدرته حين وجدها بعد كل المعارك التي خاضها مع السلطان أو الخليفة عبد الله تنتظره في شوطه الأخير لتخلصه من كل شيء، وهو يكمل معاركه ليتفرغ لمعركة الحب والدنيا.. فكانت مريم ابنة الفكي إساغة مضمدة جراحه من آثار الحروب التي خاضها.
والأرواح تفيض عذوبة، وحوار تسكنه المناجأة وغيوم الغي. قلت لها مرة "مريم إنتِ سمحة، سمحة شديد"، حدقت في وجهي طويلًا قبل أن تقول "سمح روحك يا جفال". (4).
وعذوبة السرد تمتد عشقًا إلى دنيوات زينب بت الفكي في علاقتها الفتية والملتهبة بزوجها محمد آدم شيخ الصاغة، وتبلورت في حوار ناعم ولطيف تهدهده الكلمات الندية.. "كم أحبك يا زينب". قال. "كم أحبك يا صائغ روحي ومشكلها". قالت له. وهل هنالك أعذب من تلك المفردات الباهية والرقيقة، وصفو الروح ونقائها! (5).
ويختار الصُويِّم بيئته التاريخية في الرواية، على نحو متعمد من الحقبة التي تبعد نحو مئة عام من الراهن المعاصر. خاصة إنه ابن بيئة تتداخل فيها الأساطير بالمروي حقيقة باعتبار أنها إحد المناخات التي شهدت جوانب من ميلاد السلطنة كسلطة تمددت في تلك البقاع؛ حيث تشعبت ذاكرته بالحكي والقص المتواتر مما أحاله ساردًا على قدر كبير من الدقة في بنية متنه الخلاق.
جانب مهم، شرع الكاتب في المزاوجة بين لغة التاريخ والتخيل مقاربًا للوصول إلى سردية تمتح من سيرة سلطان عجز بعض المؤرخون عن سبر أغوار دعائم سلطنته.. هي محاولة للانصاف أخذت طريقها كإعادة قراءة سردية لا تتوارى وراء النصوص التاريخية المبذولة بل من وقائع محكيات مطرزة صنع نولها فضاء مجتمعه الذي منحه مشافهة طازجة ومتعافية.
وهذا متاخر جدًا، أتوقع قبل أن يشرع الكاتب في سرد روايته أو لحظات مخاض الفكرة الأولى أجده كما أتخيل قد استرق السمع جيدًا بحس مرهف إلى تلك المقولة التي ما أنفكينا نسمعها كلما جاءت سيرة سلطان ما أو أظنه السلطان علي دينار نفسه حينما وصمه البعض بالقسوة المفرطة والاستبداد... حكاية فيلة السلطان المروية منذ أزمان غابرة... "الفيلة عايزه ليها رفيقة"، والتي تحكي عن قوم تضرروا من فيلة السلطان التي أكلت زرعهم حتى اصطفوا لتقديم شكواهم التي لم تغادر حلوقهم وعندما وجدوا أنفسهم في حالة صمت مطبق ورهبة في بلاط السلطان. وما أن نطق السلطان (مالها الفيلة!)، حتى صاح أحدهم: "سيدي السلطان.. الفيلة عايزه ليها رفيقة"، وحينها عمت الأفيال كل المزارع.
أظن أن الكاتب يغذي خياله الطلق من تلك العوالم المحتشدة بالخرافات المشوقة والمنفرة في ذات الوقت التي وصمت سيرة رجل سلطة مرهوب الجانب سواء اتفق الناس حوله أم لا.. ستبقى الخرافة المتداولة أن صدقت أو جانبت الصواب أكثر رسوخًا في مخيلة الرواة، وإن انكروا ذلك.
في المقابل السردي، اقترحت الرواية أسئلة عديدة بين جوانب متنها، تتفاوت في تباينها إتساقًا. وجاء الشيخ الفاتح عثمان الحسين مفتي حملة الإنجليز في موقف مغاير لدوره الحقيقي في لحظات تمور بالشفافية يبدو أن وخز الضمير لازمه فيها في برهة نادرة، وهو في حالة إنكشاف تام أمام ذاته، حيث قال: "كنت احس بالإنقباض وأسال نفسي لأول مرة، لماذا تأتي الجيوش من أقصى البعيد لمهاجمة الناس الأبرياء وتقتيلهم في أماكنهم؟". (6).
وهذا ما يجعلنا نقول إن الرواية يمكن من خلالها أن نحاكم الواقع الماثل في البلاد كلها من خلال إشتراكها في الكثير من الإحالات والموضوعات والإستخدامات التاريخية والحاضرة الآن خاصة حين نجدها تستند في تدعيم موقفها الأمني والسلطوي عبر سلطة وقوة (فَقَرَاء) جبل كُونجي مُونجي الحارسة لأرواح كل المقاتلين إضافة إلى (حِجبَات ومِحَاية فقراء وشيوخ مُكركا)، وهذا اسقاط على واقع دولة مشروع الجبهة الإسلامية القومية التي لا تزال تقف على أبواب ومشارع البيوت الصوفية والطائفية تنشد التمائم الثقيلة والرطبة بطلاسم الغيب.
ووجوه الإتفاق تتمثل في تلاقيها مع السلطة الزمنية الراهنة، ومشاركتها في الكثير. فجهاز الكشافة مثيله جهاز الأمن حيث يعملان بنمط وذهنية واحدة في التعامل مع القبضة الأمنية الخانقة، وكأن الأخير امتداد بالوراثة للأول. وطفقت سمة تمجيد الحاكم والتغني له بالمدائح الصوفية المنشأة على إيقاع (الجلالات)، حالة تلازم مجالس الحكام والطغاة الذين ينشغلون عن شعوبهم بتمكين سلطتهم وفي ذات الوقت إشغالهم بحروب خارجية من أجل الاصطفاف الوطني حتى تنفجر الأوضاع الداخلية، وتنشأ حروب الهامش بعيدًا عن المركز.
وفي الرواية نلحظ أن السلطان علي دينار وطد نفسه في محاولات عدة لمناصرة أحمد الغزالي وتنصيبه حاكمًا على مملكة وداي في مواجهة أخويه إبراهيم ومحمد صالح دود مُرّة، ومثل تلك الأجندة يعمل عليها مشروع الإنقاذ، ولا يزال منذ أن ساهم في خلخلة عدد من الأنظمة المحيطة بالبلاد والحاضر شاهد على ذلك دون مماحكة وجدل عقيم.
وحكم الفرد دائمًا ما يعمل على فرض سلطته وتضييق الخناق على الشعب، وتسيير ميزانته المفتوحة كأمر واقع من خلال فرض الضرائب والجباية الباهظة والتي يبتدع في تعدد أنواعها.
على كلٍ، برع الصُويِّم في مسامرته بعد أن طاف بنا في رحلة نابضة خلف ظلال التاريخ الجامد دون التفكير في إعادة الماضي، سائرًا بوعي متقدر بعيدًا عن تعفِير وجه الذاكرة.
وتكمن فرادة الرواية في قدرتها على تجسيد ورصد عوالم المعاناة والانهيار المجتمعي والمتغيرات التي طرأت على مجتمع الفاشر والسودان برمته في أزمنة الحرب التي مر بها الأقليم.
أن تقرأ لمنصور الصُويِّم يعني أن تسير مرتاح البال وسط حدائق من أشجار الراحة تعبث الريح بأغصانها بين الفينة والأخرى حيث تحيط بك ثرثرات الماء والعصافير وكائنات الأرض والسماء والأنهار. إنها بلاد فاتنة وعبقة بالأسلوب والعبارات والمفردات والحكايات الطاعمة بنكهة الدخن وقناديل (عيش الريف).
ويبقى التساؤل ملحًا لمن قرأ الرواية وبلغ منتهى ذروة متعتها، كحال من (بات على قرنِ أَعفرَ)، وهو يقطع مفازات جغرافية الرمل المتحركة ومناخاتها.. هل الكاتب ابتعد وجنح عن الحياد في توغله في حياة السلطان علي دينار بالكيف الذي يتيح له الكتابة بدون قيود وعنت؟
ومن منا لا يتقي شر أفعال الأجناد ولا يذرف الدمع السخين والدمٌ الثخين، وهو يخاتل للعيش والحياة في ظل حكم الفرد الواحد!
ولم يقاتل الكاتب، لأجل حدس الكثيرون، من أجل تعرية التوت مثلما اعتاد البعض، بل مضى في طريق مختلف، محاولًا تحريك الآسن من التاريخ الاجتماعي المغمور بين قلوب الذين مضوا، وما تبقى منه مجرد حكايات جمعية تعبث بها رمال الواقع من مكان وزمان لآخر وسط هياج الريح والتقلبات التي لا تتوقف.
وما كنت لأقول، لو لا بعض شجن متقد.. هل كان السلطان على دينار في نص الرواية ينطلق من فخ الراهن ويقاتل ضمن صف الزراع في الحواكير ضد الرعاة وهم في مسارات المراحيل أم أني اتوهم، وإن كان الواقع الحالي يستمد خزيه وعُريه من تلك المقولة: "الجرون والقرون ما بتلمن"!
ــــــــــــــــــ
مراجع:
(1) ثيوبولد، آلن، (علي دينار.. آخر سلاطين دافور)، ترجمة: فؤاد عكود، الطبعة الأولى 2005، الشركة العالمية للطباعة والنشر – السودان، ص 25.
(2) المصدر السابق نفسه، ص 168 – 169.
(3) الصُويِّم، منصور، رواية (آخر السلاطين)، الطبعة الأولى 2014، أوراق للنشر والتوزيع، ص 139.
(4) المصدر السابق نفسه، ص 198.
(5) المصدر السابق نفسه، ص 193.
(6) ثيوبولد، آلن، (علي دينار.. آخر سلاطين دافور)، ترجمة: فؤاد عكود، الطبعة الأولى 2005، الشركة العالمية للطباعة والنشر – السودان، ص 161- 162.

[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1828

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




ناصر البهدير
مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة