المقالات
السياسة
الشيوعى والكفر والايمان (4) ( تطور الفقه الاسلامى ودور العقل فيه )
الشيوعى والكفر والايمان (4) ( تطور الفقه الاسلامى ودور العقل فيه )
09-10-2016 11:01 PM


هناك اتجاهان فى النظر الى تاريخ تطور الفقه الاسلامى . اختلاف الاتجاهين ناتج عن التكوين الفكرى للناظرين . فأصحاب الاتجاه الاول يأخذون السيرة النبوية وسيرة الخلافات الراشدة ، بل وحتى مابعدها من سلطنات (اسلامية ) ، كعصور مقدسة يجب الحديث عنها بحذر شديد ، وعدم التعرض لمن عاشوا فيها من المسلمين بأى نقد أو تصويب ، مهما كان دورهم فى الاحداث التى لاشك فى انها أثرت بشكل او آخر على اتجاهات الفقه والفكر ، بل وعلى اسس الحياة المادية للمسلمين حتى يومنا هذا .
اما اصحاب الاتجاه الثانى ، فهم الذين ، مع احترامهم للاشخاص الفاعلين فى تلك الفترة من تاريخ المسلمين – وليس الاسلام – الا انهم ، نتيجة لتأثرهم بالنهج العلمى الحديث فى التفكير – وهو ليس حرام! – فانهم يفصلون تماما بين احترام اولئك الاشخاص ، وبين التحليل العلمى لماقاموا به فى اطار الظروف المحيطة بهم اثنا القيام بادوارهم . وهم بهذا يهدفون الى استجلاء حقائق الاحداث التاريخية ومانتج عنها من اثر ايجابى أو سلبى للاستفادة من هذه النتائج فى مستقبل حياة المسلمين .
يتحدث محمد حسين هيكل فى كتابه "حياة محمد " عن ضرورة النظرة العلمية فى تحليل تاريخ المسلمين ، فيقول ( وعندى ان القيام به على وجه صالح يقتضى التفريق بين فترتين من تاريخ الاسلام : اولاهما من بدء الاسلام الى مقتل عثمان ، والثانية من مقتل عثمان الى ان اقفل باب الاجتهاد . ففى الفترة الاولى بقى اتفاق المسلمين تاما ، لم تغير منه روايات الاختلاف على الخلافة ، ولاغيرت منه حروب الردة ولافتح المسلمين للبلاد التى فتحت . اما بعد مقتل عثمان فقد دب الخلاف بين المسلمين ، وقامت الحروب الاهلية بين على ومعاوية واستمرت الثورات ظاههرة وخفية ، ولعبت الاهواء السياسية دورا خطيرا فى الحياة الدينية نفسها . وحسب الانسان ، ليقدر هذا الخلاف ، ان يوازن بين المبادئ التى ينطوى عليها خطاب ابى بكر حين ولى الخلافة وخطاب الخليفة العباسى المنصور .
يقول خطاب ابى بكر ( أما بعد ،ايها الناس ، فانى قد وليت عليكم ، ولست بخيركم ، فان أحسنت فأعينونى ، وان أسات فقومونى . الصدق أمانة ، والكذب خيانة ، والضعيف فيكم قوى عندى حتى اريح عليه حقه ان شاء الله ، والقوى فيكم ضعيف عندى حتى آخذ الحق منه ان شاء الله . لايدع قوم الجهاد فى سبيل الله ، الا ضربهم الله بالذل ، ولا تشيع الفاحشة فى قوم الا عمهم الله بالبلاء . أطيعونى ما أطعت الله ورسوله ، فان عصيت الله ورسوله فلا طاعة لى عليكم . قوموا الى صلاتكم يرحمكم الله .)
اما خطاب المنصور فكان (أيها الناس ، انما انا سلطان الله فى ارضه ، اسوسكم بتوفيقه وتأييده ، وحارسه على ماله ، اعمل فيه بمشيئته ، وأعطيه بأذنه ، فقد جعلنى الله عليه قفلا، ان شاء الله ان يفتحنى فتحنى ، وان شاء الله ان يقفلنى قفلنى )
ويعلق د. هيكل على هذين الخطابين ، ليرى مدى التغير العظيم فى القواعد الاسلامية فى أقل من قرنين ، تغيرا نقلها من الشورى بين المسلمين ، الى الحكم المطلق المستمد من الحق المقدس .
أهم ملاحظة فى الامر ان ابابكر يقول ان شاء الله ، بعد ان يقوم هو بماعليه من احقاق الحق. اما المنصور فيقول فى البداية انه سلطان الله فى ارضه ، ثم يفعل مايشاء – هو- اعتمادا على تأييد الله ، الذى لانعلم من منحه ذلك التاييد ! وهذا فرق عظيم واساسى .
كذلك لابد من ملاحظة ان كلا الخطابين يعتمدان على رؤية كل منهما لاسس الخلافة "الاسلامية ، " من نفس المنطلق الاسلامى ، ولكن شتان . واعتقد ان هذا اساس يجب البناء عليه لفهم معنى الفقه والاختلافات التى حدثت وتحدث على نفس النصوص . فالقرآن حمال أوجه . وهذا سبب عظمته وصلاحه لكل زمان ومكان .
يقول تعالى :( ان الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم فى شئ انما امرهم الى الله ثم ينبئهم بماكانوا يفعلون ) الانعام 159
ويقول ( وان هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولاتتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) الانعام 153
ويقول ( شرع لكم من الدين ماوصى به نوحا والذى أوحينا اليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى ان اقيموا الدين ولاتتفرقوا فيه )
هذه الآيات واضحة جدا، والاخيرة توضح ان المقصود هو الدين من حيث هو دين من نوح وحتى عيسى وكله يسمى اسلام . غير ان التفرق قد حدث فى الاديان السابقة وفى الاسلام باسباب تخص من قاموا بهذا التفرق . واكبر واول فرقة قامت بهذا هى الخوارج قديما وحديثا ، والسبب السلطة ، فقد بدأ الامر مع الخوارج الذين حاربوا سيدنا على تحت شعار : ان الحكم الالله ، وكان سيدنا على كلما سمع شعارهم هذا يقول كلمة حق اريد بها باطل . وقد اثبت جماعتنا بعد اربعة عشرة قرنا من الخوارج ان موضوع الحكم بالشريعة هو فعلا كلمة حق اريد بها باطل !
ولتوضيح هذا الامر بشكل قاطع لاهميته ، فىسبر غور هذا الموضوع الذى اعتبره موضوع الساعة ليس للمسلمين فحسب وانما للعالم اجمع ، ارجو ان تسمحوا بهذا المقتطف الطويل من كتاب الدكتور سعد الدين الهلالى ، استاذ الفقه المقارن بجامعة الازهر ، حيث يقول :
( اما كونها كلمة حق فلانها مقتبسة من كلام الله ، كما يقول سبحانه :( ان الحكم الالله يقص الحق وهو خير الفاصلين ) الانعام57 ، ويقول :( ان الحكم الالله ، امر الا تعبدوا الااياه ذلك الدين القيم ولكن اكثر الناس لايعلمون )يوسف40 . واما كون المراد من تلك الكلمةباطلا فمن وجوه نكتفى بذكر ثلاثة منها :
الوجه الاول : ان الخوارج اصحاب هذا الشعار يقولون ذلك بالسنتهم تغريرا وتضليلا واحداثا للفتنة ، لانهم يعلمون ان حكم الله تعالى لايعلمه أحد من دون وحى ، وان الفقهاء والمجتهدين انما يقولون بغلبة ظنهم انه الاشبه بحكم الله . فقد أخرج مسلم عن بريدة ان النبى (ًص) كان يقول لامراء جيوشه :( اذا حاصرت اهل حصن فارادوك ان تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن انزلهم على حكمك ، فانك لاتدرى أتصيب حكم الله فيهم أم لا )
ويؤكد هذا الوجه ما أخرجه مسلم عن ابى رافع مولى رسول الله(ص) : ان الحرورية كما خرجت وهو – اى ابورافع- مع على ، قالوا :( لاحكم الالله ، قال على : كلمة حق اريد بها باطل . ان رسول الله (ص) وصف ناسا ، انى لاعرف صفتهم فى هؤلاء يقولون الحق بالسنتهم ، لايجوز هذا منهم – واشار باصبعه الى حلقه – من أبغض خلق الله اليه )
وأقول تعليقا على هذا : ماأشبه اولئك بهؤلاء الذين يعيشون بيننا ويحكموننا بهذا الزعم حديثا لايجاوز حلوقهم المتضخمة بالمال الحرام " 40 مليون دولار من بنك الى بنك آخر : يبقى الحساب كله كم ؟! ويواصل د. الهلالى : الوجه الثانى ان الخوارج ارادت بشعار الحاكمية لله اسقاط نظام الحكم والامارة بالكلية ، فلا يرون الاعتراف بأى حاكم ، وهذا باطل لما يؤدى الى التهارج والفتن .
ويؤكد هذا ما أخرجه عبدالرازق عن أبى أسحاق ، قال :( كما حكمت الحرورية ، قال على : مايقولون ؟ قالوا يقولون : لاامارة ، ولابد للناس من امارة يعمل فيها المؤمن ، ويستمتع فيها الفاجر والكافر ، ويبلغ الله فيها الاجل )
الوجه الثالث :ان الخوارج اصحاب هذا الشعار يرفضون العمل به ، لان الله تعالى امر بالتحكيم وهم لايريدونه ، بل يريدون حكما معينا ويستقوون بهذا الشعار ) انتهى
لقد بدأت الخلافات بين المسلمين هكذا ، وكان اساسها – ولايزال – هو موضوع السلطة ، غالبا متخفيا بستار الدين . ثم جاءت المذاهب والفرق الاخرى لاسباب مختلفة غير ان السلطة ظلت هى المؤثر الرئيسى . ففى الخلافات بعد الراشدة كان بعض الفقهاء ، بطلب من بعض الخلفاء ، او تزلفا ، يؤلفون الاحاديث والاقاصيص التى تؤيد هذا الخليفة او ذاك ، وتلك الفرقة اوهذه .
ولعل افضل مانختتم به هذا الجزء عن الفرق والطوائف الاسلامية فى العهود الاولى ، كمقدمة للحديث عن تكاثرها بصورة تفوق الخيال فى زماننا ، وبالتالى أثر هذا على مانراه من ضعف المسلمين ، هو هذا الملخص الذى أتى به الاستاذ أحمد أمين فى ختام حديثه عن هذه الفرق والطوائف ، حيث يقول : ( ... وكما ان أهل السنة أيدتهم حكومات ، فالتشيع أيدته حكومات أخرى ، كالدولة البويهية فى العراق وماحوله ، والدولة الفاطمية فى مصر والشام والمغرب ، ومما يؤسف له ان النزاع بين هذه الحكومات السنية والشيعية لم يقتصر على المناظرة والجدل ، بل تعدى للقتال بالسيف وبذل الدماء انهارا .)
ويواصل ( ... فلو نظرنا الى النفوس والجهود والاموال التى اتلفت بين طوائف المسلمين لادركنا ان هذه القوى التى بذلت بين المسلمين كانت تكفى فى سهولة لطرد الصليبيين وكفهم عن العبث بالبلاد ، وكان الكف عن قتالهم فيمابينهم يكفى لاصلاح حالة المسلمين اجتماعيا واقتصاديا الى حال ليس له نظير . ولو تدبر الفريقان لرأوا ان الخلاف كان أكثره على مسائل أصبحت فى ذمة التاريخ ولم يصبح للخصومة معنى ، ولكن ماذا نعمل والعقول الضيقة فى الناس من يثير الخصومات كسبا للمال ، او حفظا لمنزلته واسرته او شهوة الحكم .)
ويقول ختاما :( كل هذا يرينا صورة مصغرة مماحدث فى تاريخ المسلمين من المكايد والمذابح والمقاتل . والناظر الى الامر يرى ان الخلاف بين هؤلاء وهؤلاء مبنى على شهوة الحكم ، وعلة نزاع فى مسائل تاريخية ذهب زمنها ، والذى يرى هذه الفتن والضحايا التى ذكرنا بعضها يعجب من بقاء الدول الاسلامية بعد هذا )
لاادرى ماذا كان سيقول احمد امين لو حضر ايامنا هذه وراى مايحدث عندنا فى السودان باسم الاسلام ، ومايحدث من القاعدة وداعش وجبهة النصرة وبشار واردوغان وبقايا جماعة الاخوان ..الخ
واخيرا فليس من حل الا الرجوع الى الاصول : كتاب الله وسنة رسوله ، وفتح ابواب الاجتهاد من جديد ، خصوصا ان الادوات المتاحة الآن للبحث والتداول افضل ملايين المرات مما اتيح لفقهاء الزمان الغابر الذين لازلنا نتمسك بفقههم ، اى فهمهم للنصوص . لقد كان البخارى رحمه الله وهو الذى اجتهد فأوجد اسلوبا فريدا فى زمانه لتنقية الاحاديث من المعمول والمنحول ..الخ كان يضرب اكباد الابل شهورا ليتأكد من رواية حديث واحد . الآن يستطيع الباحث بخبطة واحدة على " الكيبورد " ان يأتى بكل الاحاديث صحيحها وحسنها وضعيفها ..الخ هذا الى جانب التقدم المذهل فى كل العلوم والذى جعل كثيرا من اصحاب العقول العبقرية المنفتحة ان يجدوا تفاسير رائعة لبعض النصوص ، وضح منها ان هناك توافق كبير بين بعض مكتشفات العلم الحديث وبعض النصوص التى كانت لاتصل الى مثل هذه التفسيرات لضمور الامكانات والادوات . وسيكون بعض ما جاء به المفسرون الجدد هو موضوع مقالنا القادم ، ان شاء الله .


تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 2780

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1518941 [الديمقراطى]
0.00/5 (0 صوت)

09-13-2016 07:42 PM
بالله عليكم فهمونا كيف نكتب محتوى صورة التحقق.

[الديمقراطى]

#1518940 [الديمقراطى]
0.00/5 (0 صوت)

09-13-2016 07:39 PM
افتحوا باب الاجتهاد

[الديمقراطى]

#1518581 [عبدالمنعم عثمان]
1.00/5 (1 صوت)

09-11-2016 11:30 PM
شكرا لكل من ارسل تعليقا فالهدف هو سماع راى الآخرين فى موضوع اعتقده هاما .وتعليقا على رأى الاستاذ يوسف أ اقول : انه ربما عنى الاستاذ محمد حسنين " الصحافى المعروف " وهوليس محمد حسين-هيكل - كاتب " حياة محمد " . واظن اننا من الافضل ان نناقش الرأى وليس من قاله . ثم نثق فى من ان لم نثق فى العلماء الذين يجتهدون فيصيبون ويخطئون ؟

[عبدالمنعم عثمان]

#1518369 [فاروق بشير]
1.00/5 (1 صوت)

09-11-2016 09:36 AM
أرى كل الأسئلة الأساس التي تنظر فيها الأديان كذلك نظرت فيها الفلسفة العلمانية مطولا باسهاب.
الأسئلة هي:
الله -اصل الوجود- الخلود.
كل الأديان أتت معالجتها ساذجة فقيرة مقارنة بالطرح العميق عند الفلسفة العلمانية. والسبب واضح, ان الفلسفة لا تبدا بثوابت او قداسة تحجب العقل والخيال.
لكن من بين اهل الأديان من تمرد واخترق هذه الضحالة وهم المتصوفة. وكما تري فهم الأكثر اهمالا وتعرضوا لبطش رهيب.
واليوم يراشق شباب التصوف السلفيين بوصفهم بالمجسمة. واراه نقدا عميق,
فالتجسيد هو عدو الخيال, بدون الخيال لن تعرف الله ولا كيف تبني حياتك المادية.

[فاروق بشير]

#1518359 [لحظة لو سمحت]
1.00/5 (1 صوت)

09-11-2016 08:32 AM
ما اضر بالاسلام و المسلمين كثرة المفتين و كل يفتى لمصلحة دنيوية
الصحيح ان تفتى عقلك و ايملنك بما يرضى معتقدك و ذلك بأتباع ما نزل عليك من ربك
أعتبار كل البشر مثلك فلذا لا يحق لهم التدخل بينك و معتقدك مهما بلغو من حظوة و وقار فذلك حكمه عند ربهم ليس بما يظهرونه لك
العكاز من الكلب و كلاب البلد زادت جشع

[لحظة لو سمحت]

#1518306 [يوسف رملي]
1.00/5 (1 صوت)

09-10-2016 11:53 PM
وهل ترك لنا علماء هذا الزمان شيئا نستدل به ....
ثم من هو هيكل هذا .. مجرد مزور صال وجال في
قصور السلاطين وخرج إلينا بفبركات يتحدث عنها الناس كل يوم
نحن لا نثق في أي عالم بعد الذي رأيناه وسمعناه وعشناه
بين أيدينا القرآن الكريم وسيرة المصطفي عليه أفضل
الصلوات وأتم التسليم وليبحث المجتهدين عن أمة أخري ينظرون
لها دينها .. ولا يأتينا بعد اليوم أي شخص ليحدثنا عن
الإسلام والفقه ... فقد صار وسيلة لخداع البشر ..

[يوسف رملي]

عبدالمنعم عثمان
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة