المقالات
السياسة
أساس الفوضى 35
أساس الفوضى 35
09-11-2016 10:10 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

"إنَّ الزَّمان استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض"، كان هذا حديث المصطفي صلَّي الله عليه وسلَّم في حجَّة الوداع في مثل يومنا هذا، وبهذا قد أعلن نهاية الفوضى الفكريَّة والعقائديَّة والرُّجوع لبدء الخلق زمن النِّظام الكوني يوم عبدت مخلوقات الله كريم وجهه بلا عصيان، وتبعوا هَدْيَهُ بطاعة سبيله الذي رسم لهم إلى أن خلق الإنسان. وقد أدَّي المصطفي صلَّي الله عليه وسلَّم الرِّسالة على أفضل وجوهها ونبَّه النَّاس قاطبة لمصادر الفوضى القادمة، ولا يُوجد مصدرٌ للفوضى غير الإنسان بغبائه العاطفي، وعجلته وشُحِّه وشراهة طبعه.
فقسَّم المصطفي صلَّي الله عليه وسلَّم النَّاس، في حديثه عن "شرار النَّاس"، إلى ثلاثة أنواع كما ذكرنا من قبل في درس تعليم لأصحابه الكرام. وقلنا بأنَّ النَّرجسيَّة والطَّاغوتيَّة متلازمتان في أغلب الأحيان بالرّغم من أنَّ جذورهما النَّفسانيَّة مختلفة، ولكنَّهما ينبتان في محيط واحد ويتشرَّبان عناصر متشابهة.
ولقد لمسنا من قبل بعض العوامل التي تؤدِّي لنشأة النَّرجسيَّة والطَّاغوتيَّة، وأرجعنا معظمها لتنشئة الطِّفل مع أنَّ للعوامل الطَّبيعيَّة دور كبير أيضاً وإذا ما اجتمعت العوامل كلَّها فالنَّتيجة أسوأ.
والمولي عزَّ وجلَّ ضرب لنا مثلاً في القرآن الكريم لدور العوامل الطبيعيَّة والتي قد تكون وراثيَّة، ولا يد لتنشئة الطِّفل فيها:
" ‫وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا‬"، فالآية تُوضِّح أنهَّ لا يَدَ للأبوين في طُغيانه وكفره، ومن ثَمَّ تمَّ قتله على فرض ما سيكون لأنَّه لم يزل طفلاً. ونلاحظ أيضاً أنَّ الطُّغيان مرتبطٌ بالكفر إن كان كفراً لنعمة والديه أو لنعمة ربِّه.‬‬‬

فالطَّاغوتيَّة والنَّرجسيَّة في الغالب نتاج تطرِّفٍ في حياة الإنسان؛ إن كان إفراطاً في العناية أو تفريطاً فيها؛ فكلَّما زاد الإفراط أو التَّفريط، كلَّما ازدادت النَّرجسيّة والطَّاغوتيَّة قوَّةً. فالطِّفل الذي يُولد مُرفَّهاً مُترفاً، وكلّ حاجاته المَّاديَّة والمعنويَّة مُوفَّرة، ورغباته مُستجابة، لن يقلّ نرجسيَّةً أو طاغوتيَّةً عن الذي يُحرم من كلِّ شيءٍ، أو يُذاق ألواناً من العذاب في طفولته، ولكن الفرق بينهما أنَّ الأوَّل تكون نرجسيَّته ظاهرة والثَّاني باطنة أو مُستترة.

فالنَّرجسيِّ الظَّاهر لا يُخفي شعوره بالتَّميُّز والعظمة والكِبر في كلِّ الأحوال، وله إحساس بالاستحقاق لكلِّ شيء أكثر من بقيَّة النَّاس، ولا يري في الكون غير نفسه، فهي إلهه الذي يعبده، ويتوقَّع من النَّاسِّ أن يُعاملوه معاملة خاصَّة دون النَّاس، وأن يُظهروا له من التَّبجيل والعرفان ما يظنُّ أنَّه يستحق لأنَّه تنازل عن علياه وهبط إلى قاع المجتمع ليسدي له خدمة لا يستحقَّها. فهو الوحيد على مسرح الحياة وبقيَّة النَّاس زمرة المتفرِّجين ولذلك يتَّهمه النَّاس بالغرور.

أمَّا الذي نرجسيَّته باطنة فيَظْهر في وقت الضَّعف كأنَّه الضَّحيَّة، ويجتهد لإظهار هذا الجانب فيه، ويلعن زمانه والنَّاس، ولا يفتر من ترديد نفس الحكاية ليُذكِّر النَّاس بالمآسي التي حدثت له حتى يثير شفقتهم وإحساسهم بالذَّنب، ويردِّد كيف أنَّه لا يتوقَّع من الحياة غير العذاب.
ويطالب بالتَّعويض النَّفسي والمادِّي والاجتماعي، ولكن مهما عُوِّضَ فليس بكافٍ ويطالب بأكثر، وهو استغلالي لأبعد الحدود، ويعرف كيف يصل لأهدافه بالمداهنة، أو استغلال القوانين، ولذلك فهو يُعامل معاملة خاصَّةً من الكُل حتى لا تُجرح مشاعره ممَّا يُغذِّي نرجسيَّته ويثبتها.
ولكنَّه ما إن يمتطي مركز قُوَّة حتى تَظْهر طاغُوتيَّته، وتختفي مظاهر الضَّعف، ويُذيق النَّاس الأمرَّين كأنَّه لم يذق العذاب ولا الحرمان من قبل، ويتمدَّد في دائرة النَّاس يسلب حقوقهم ويزداد قوَّة على قوَّةٍ ويستخدم كلَّ وسائل القوَّة في حربه، ومهما ازدادت ثروته فشراهته تزداد جوعاً ويزداد عنفواناً، وكلَّما واجه مقاومةً فإنَّه يُذكِّر النَّاس بأنَّه ضحيَّة بينما في نفس الوقت لا يرحم غيره ويُعامل الآخرين بأسوأ ممَّا عاناه في حياته. ويقول الإمام البلاذري: "غرْسُ البلوي يُثمر ثمر الشَّكوى".
هذا النَّوع من البشر تجده كأفراد وكشعوب ويذكرهم المولي عزَّ وجلَّ ليس ليعطينا درساً في التَّاريخ، ولكن ليُوضِّح لنا أنَّ هذه طبيعة البشر أينما كانوا، وفي كلِّ الأزمان، تختلف درجة طاغوتيَّتهم من فردٍ لآخر، ومن شعب لآخر، وليست حصراً على شعبٍ واحد.
ونري أنَّ المولي عزَّ وجلَّ قصَّ سيرة بني إسرائيل أكثر من مرَّة، فهم كشعب أكثر النَّاس طاغوتيَّة ويليهم العرب، ولذلك فقد أرسل المولي عزَّ وجلَّ معظم رسله وأنبياءه لهذين الشَّعبين، فالرُّسل والأنبياء أطبَّاء الأمم، فكلَّما زادت أسقامهم كلَّما زاد عدد الرُّسل والأنبياء. بل المولي لا يُعرِّف الطَّاغوتيَّة إلا بالمرض والمرض القلبي تحديداً:
" ‫فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ‬"، فتأمَّل ارتباط المرض القلبي بالكذب، وتفكَّر في تفكير المجموعة الذي يقوم على إخفاء الصِّدق وعلى المُداهنة والكذب.‬‬‬

والذين يظنُّون أنَّ آيات القرآن الكريم عن اليهود فقط فلينظروا في تاريخهم البعيد والقريب ليروا الوحشيَّة التي ارتكبها طاغوتيُّون من كلِّ الأمم وخاصَّة من أُمَّتهم، ولكن في حاضر الأيَّام فأكثرها من اليهود والعرب ممَّا يدلُّ على أنَّه بعد كلِّ هذه الآلاف من السنين ما زلنا كما كُنَّا.
وبين طرفي طيف هذين المثالين تقع درجات متفاوتة من النَّرجسيَّة والطَّاغوتيَّة تتقاطع مع عوامل أخري في حياة الإنسان مثل الاهتمام الذي قد يجده الطّّفل من أقاربه مثل جدَّتِه، قد تؤدَِّي إلى نقصان أو ازدياد النَّرجسيَّة ولذلك قد تظهر مُتخفِّية في شكل مساعدة للنَّاس والعمل على إسعادهم على حساب النَّفس بصورة قهريَّة، وسبب ذلك انتقاص المرء لتقييمه لنفسه نتيجة الحرمان العاطفي، فهو كالذي ينفخ بالون ذاتيَّته بثناء الآخرين، وهو أيضاً مُتطرِّفٌ في إظهار المودَّة وفي إظهار العداوة. أو قد يستخدم إحدى الدِّفاعات النَّفسانيَّة البدائيَّة التي تقبع في اللاوعي مثل "العدوان الضمني"، وهو أن تنتقم لنفسك بصورة غير مباشرة بحيث لا يستطيع عدوَّك أن يلومك مثل أن تُبطئ في إنجاز عملٍ ما ثمَّ تلوم ظروفاً خارجة عن إرادتك. ونحن نري هذا السلوك في المصالح الحكوميّة حيث يؤخِّر الموظَّفون معاملات الجمهور بلا سببٍ معقول غير الانتقام لحالتهم النَّفسيَّة المهزومة بواسطة الحياة، أو أهلهم أو رؤسائهم. أو قد يفعل الشخص العكس تماماً مع عدوِّه ويغمره بالعطاء حتي يُحسّ الآخر بتأنيب الضَّمير وهو في كلِّ الأحوال محاولة لإشعال مشاعر سلبيَّّة في صدر الآخر حتي يرتاح هو بإزاحة مشاعره السالبة لعدوِّه ليؤلمه.

والمسألة تزداد إشكالاً وتعقيداً إذا كان الطِّفل مُرفَّه ومُترفٌ مادِّيَّاً، ولكنَّه محروم عاطفيَّاً، فهذا تكون عنده نرجسيّة ظاهرة وباطنة، وضرره أكبر خاصَّة إذا كان ذكيَّاً ومُتعلِّماً، لأنَّه لا يري أحداً مثله، ولكنَّه في نفس الوقت يُحسُّ بالحرمان ولا يكفيه أيُّ شيء يحصل عليه.

فهو شقيٌّ في حياته لا يكفُّ عن الحركة، ولا على الاستحواذ، يبني مجده على أجساد النَّاس بكلِّ السُّبل، بضميرٍ ميِّتٍ، لا يتورَّع عن الكسب الحرام، ولا يكتفي بنجاحٍ واحدٍ في مجال واحدٍ؛ فهو باني إمبراطوريَّة، ولكنَّه يحاول أن يُثبت عبقريَّةً وخصوصيَّةً لشخصيَّته الفذَّة ما أمكنه ذلك.
وهو شخصٌ لا يكفُّ عن الشِّقاق مع الآخرين، ولا عن السعي لتحقيق طموحه أو أهدافه برعونة، أو بإقدام مذموم، لا يراعي مشاعر النَّاس ولا رأيهم، وبذلك يجعل حياتهم تعيسة انتقاماً لتعاسته السَّابقة أو كما كان يُعامل خدمه وحشمه.
وليس هناك من شكٍّ بأنَّ الإسلام مع التَّواضع الحقّ وضدَّ النَّرجسيَّة:
" قد علمت أنكم تكفوني، ولكن أكره أن أتميز عليكم، فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزًا على أصحابه"
والآية الكريمة: " ‫لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ۗ ‬ "، تُفرِّق بين المجموعتين الأولي التي تنزل وحدها وتمنع رفدها، والمجموعة الثَّانية التي لا تقبل عذراً ولا تغفر ذنباً، والمجموعة الأخيرة التي لا يُرجي خيرها ولا يُؤمن شرُّها. ‬‬‬‬‬
وفي اللُّغة القلب القاسي هو الذي اشتدَّ وصلُبَ فذهبت منه الرَّحمة واللين والخشوع، فهو كالأرض الصلبة لا تُنبت خيراً، وكالليلة الظلماء لا تهدي ضالاً، ولا تُنير طريقاً، وكالشِّتاء الشَّديد لا يُوفِّر دفئاً، وصاحبه عنيفٌ، فظٌّ، شديد اللهجة، قبيح الكلام والفعل.‬‬‬‬‬‬‬‬‬

فالذي في قلبه مرض، كالذي في المجموعتين الأولي والثانية، يُمكن علاجه لأنَّه ما يزال حيَّاً؛ كما صلُح إسلام كثير من المنافقين في تاريخ الإسلام خاصَّة بعد أن رأوا كيف عامل المصطفي صلَّي الله عليه وسلَّم المنافق عبدالله بن أبي بن سلول إكراماً لابنه ورحمةً منه.
والفرق بين المجموعة الأولي والثانية هي مسألة درجة بحسب اشتداد المرض لا مسألة نوع، وكلَّما ازداد المرض كلَّما تسرَّب اليأس من الحياة وصار الموت مُحصِّلةً، كالضَّوء الذي يتسرَّب حتى يعُمَّ الظلام.
ولكن المجموعة الأخيرة إذا ما قسي قلبها تماماً فقد تحجَّر ومات ولا أمل فيه، ولذلك لن يتغيَّر أبداً ما دام على نهجه، بل يزداد سوءاً بمرور الأيَّام، لأنَّه أسرف في الشَّرِّ، إلا إذا أحياه الله برحمته لحكمة ما، وليس هناك من باب لإحياء مثل هذه القلوب إلا بنور الدِّين المُخلص، فهو إحياء وليس علاجاً كما في حالة المجموعتين الأولي والثَّانية، وهو معني الآية الكريمة: ‬‬‬‬‬‬
‫"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ"،‬ ونلاحظ ذكر الإحياء يرتبط بالدِّين وبالقلب، فالمولي عزَّ وجلَّ إذا آمن الإنسان به فهو يُنير قلبه، وبذلك يكوِّن حاجزاً بينه وبين الظلام، فتذهب القسوة والصلابة وتُطلُّ الرَّحمة: ‬‬‬‬‬
" ‫أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا‬".‬‬‬‬‬
وفي الحديث القدسي: "قال اللهُ تعالى لمْ تسعْني سَمائِي ولا أرضِي ووسعَني قلبُ عَبدي المؤمنِ اللَّينِ الوادعِ".
والوادع لغةً هو الهادئ، السَّاكن، المطمئن، ومرَّة أخري نري مفهوم النَّفس المطمئنَّة الرَّاضية التي وصلت مرحلة علم اليقين أو مرحلة عين اليقين، بينما قلب الطَّاغوتي متقلِّبٌ مضطَّرب لا قناعة فيه ولا سكون ولا سكينة بل نزاعٌ مستمر وعذاب ومرض نفسانيِّ.

واللَّين لغةً هو السَّهل، الرَّقيق لا عنف فيه، اللطيف الطَّائع، ولان قلبه: أي رقَّ وحنَّ. وفي علم النَّفس الحديث مصطلحٌ يُسمَّي "باللِّيونة العقليَّة أو المعرفيَّة أو الإدراكيَّة"، ويقابله: "الصَّلابة العقليَّة أو المعرفيَّة أو الإدراكيَّة"، فالأوَّل دليل العافية النَّفسيَّة والثَّاني دليل المرض، والسَّبب وراء ذلك عاطفي أي قلبي، وبمعني آخر فالصلابة العقليَّة دليل على التَّعصُّب لانعدام الموضوعيَّة في تناول الأشياء وتغليب الذَّاتيَّة والمصلحة الخاصَّة على الحقِّ، كما وأنَّ الليونة العقليَّة دليل على الانفتاح العقلي لتقبُّل الجديد إذا سنده دليل، وهو دليل على الموضوعيَّة، وخير مثال لذلك إيمان سيدنا أبوبكر الصدِّيق رضي الله عنه وكُفر الوليد بن المُغيرة والد الصَّحابيُّ خالد بن الوليد، برغم حكمته المعروفة وعقله المشهور، فهو أوَّل من حرَّم الخمر في الجاهليَّة لمَّا رأي ما تفعله بعقل الإنسان وهو امرئ يُعلى من قيمة الفِكر، وذلك حين رقَّ قلبه عند سماع القرآن وقال: " والله لقد سمعت منه كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجنِّ، والله إن لقوله الذي يقول حلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته، وما يقول هذا بشر"، قال هذا عندما استخدم علمه بالأشعار وقارنه بها مقارنة موضوعيَّة.

ولكنَّه لمَّا تعرَّض له أبو جهل وطلب منه أن يقول فيه قولاً سلبيَّاً في نبي الرَّحمة فكَّر في مصالحه، وقدَّر أموره بذاتيَّةٍ محضة، وهو ذو ثراء ومكانة تُهدِّدها دعوة رجلٍ يتيمٍ فقير، فقال إنَّه سِحْر يؤثر وعلَّل ذلك بمقدرة المصطفي صلَّي الله عليه وسلَّم بتفريقه بين الرَّجل وأهله وولده ومواليه، ولكنَّه لم يعدم أن ينتصر لنفسه بجعل قُريش تُنكر أسباب رفضها لرسالة الإسلام بناءً على انتقاص شخصيَّة الرَّسول صلَّي الله عليه وسلَّم فسألهم:
"وإنما أنتم تزعمون أن محمدا مجنون، فهل رأيتموه قط يخنق؟ قالوا: لا والله، قال: وتزعمون أنه شاعر، فهل رأيتموه نطق بشعر قط؟ قالوا: لا والله، قال: فتزعمون أنه كذََّاب فهل جربتم عليه كذبا قط؟ قالوا: لا والله. قال: فتزعمون أنه كاهن فهل رأيتموه تكهن قط، ولقد رأينا للكهنة أسجاعاً وتخالجاً فهل رأيتموه كذلك؟ قالوا: لا والله. فقالت قريش للوليد: فما هو؟ ففكر في نفسه، ثم نظر، ثم عبس، فقال ما هو إلا ساحر! أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه؟".

وهذا يدُّلُّ على نزاعه النَّفسي بين الحقِّ والباطل حين فكَّر في المسألة تفكيراً عميقاً مُتَّبعاً مراحل التَّفكير الأربعة التي تبدأ: بجمع المعلومات والحصول على العلم، ثُمَّ تمحيصها بتقدير قيمة برهانها العلمي وذلك بوزنها مقارنة بما لديه من معلومات ثمَّ النَّظر؛ والنَّظر هو التَّفكير والدِّراسة للأمر، وعندما وصل الوليد بن المغيرة لمرحلة إصدار القرار وتبليغ مُحصِّلة تفكيره عن صدق رسالة المصطفي، نظر مرَّة أخري لما يكسبه ولما يخسره بقوله، ورأي أنَّه يخسر كثيراً بمساندته للنَّبيِّ صلَّي الله عليه وسلَّم مكانةً وسُمعةً بين قريش، فقرَّر أن يتبع هواه لا عقله؛ وهذا هو إدباره عن الحقَّ وذلك نتيجة لاستكباره، والاستكبار نتيجة الطَّاغوتيَّة، ولذلك سأل المولي عزَّ وجلَّ إبليس اللَّعين الذي أسماه بالطَّاغوت: "استكبرت؟، ووصف الذين يتبعونه بعبادته: " وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ"، وفي قراءة سيدنا عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: "وعبدوا الطَّاغوت"، وكلُّ رأس في الضلال طاغوت.
وهو يُوضِّح حالة العَمَهْ أو التَّذبذب بين خيارين مختلفين التي وصفناها من قبل، والإنسان يُميل أو يحنف رأيه مُغلِّباً رأياً على رأيٍ حسب العوامل الدَّاخليَّة والخارجيَّة المساعدة على ذلك ومنها نصيحة المُقرَّبين وأصحاب المصالح، ولذلك فاختيار الأصحاب مسئوليَّة عظيمة قد تُنقذك من ضلالٍ أو تدفعك إليه وهو تصديق قول الإمام علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه: "صديقك من صَدَقَكَ وليس من صَدَّقَكَ".
فالوليد بن المغيرة كان حاله كالذي بين الحياة والموت وبيدٍ العلاج بذله له المصطفي صلَّي الله عليه وسلَّم، وبيدٍ أُخري السُّم الذي بذله له شيطان الإنس أبو جهل، فقد كان قريباً من الحياة الرُّوحيَّة إذا أسلم وتبِع عقله، ولكنَّه فضَّل الموت برفضه العلاج وتجرُّع سُمَّ الكفر، فقتل نفسه فكان كالَّذي انتحر. ولذلك كرَّر المولي عزَّ وجلَّ مسألة قتله مرَّتين لأنَّه فكَّر مرَّتين وعرف الحقَّ من الباطل ولكن بعناده وتعصُّبه لقبيلته ولمصلحته اختار الباطل ورجع عن الحقَّ فنزل فيه:
" ‫ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا، وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا، وَبَنِينَ شُهُودًا، وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا، ‫ثًمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ، كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا، سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا، إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ، فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ".‬ ‬‬‬‬
واتِّهام الرُّسل بالسحر ليس جديداً فقد اتَّهموا به سيدنا موسى وسيدنا عيسى بن مريم عليهما السلام عندما رأوا المُعجزات ولم يجدوا لها تفسيراً، ولكن خوفهم على مصالحهم أدَّي إلى إيجاد تفسير يرفضون به الرسالة الجديدة. والشيخ الشعراوي رضي الله عنه يقول عن أسباب رفض الطَّواغيت للرسالات:
" لقد كانوا يعرفون أن مجرد النطق بـ " لا إله إلا الله محمد رسول الله " يعني فقدانهم لسلطان إرهاب الناس والقبائل. ولو كانت المسألة مجرد كلمة تقال، ويبقى الأمر على ما كان عليه لقالوها، ولكنها كانت كلمة تغير من الأمر سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، ولا يبقى من جبروت لأحد، فكل الناس سواسية. لذلك تصدى صناديد قريش لدعوة الإسلام. وهكذا نجد أن كل رسول يأتي يبرز له من يعاديه من أصحاب الفساد والجبابرة في الأرض، مصداقاً لقول الحق سبحانه وتعالى: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ اْلإِنْسِ وَاْلْجِنِّ" .
والفرق بين الوليد بن المُغيرة وأبي جهل أنَّ أبا جهل كانت طاغوتيَّته ونرجسيَّته طاغيتين بنسبة مَرَضِيَّة أدَّت لموت حياته الرُّوحيَّة لأنَّه اختار موقفه لا عن جهل، برغم اسمه، ولكن عن علمٍ وتعصُّباً لبني مخزوم حقداً على الهاشميِّين وشُحَّاً من نفسه بغبائه العاطفي، فقال للأخنس بن شريق الثَّقفي؛ لمَّا سأله عمَّا إذا ما كان المصطفي صلَّي الله عليه وسلَّم كاذباً: "ما كذب قط وكنا نسميه الأمين، ولكن إذا كان في بني هاشم السقاية والرفادة والمشورة، ثُمَّ تكون فيهم النبوة فأي شيء لبني مخزوم؟"
هذا التَّنافس بين قبائل قريش لم يهدأ طيلة تاريخ الإسلام وقد كان واضحاً قبل فتح مكَّة المكرَّمة واستتر بعد الفتح وظلَّ يُطِلُّ برأسه من فترة لأخري حتى جاءت خلافة سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه وقد نبَّه لذلك الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال:
"كرهت قريش أن تجتمع لكم النُّبوَّة والخلافة"، ولم يكن تعليق أبو سفيان لصديقه العبَّاس بن عبدالمطلب رضي الله عنه، يوم فتح مكَّة إلا إعلاناً لهذا التَّنافس الخفيِّ: "والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً"، ومثل هذا الحسد لا يموت ويظهر في المستقبل.

ونجد أصحاب الأيديولوجيات من الصَّنف الذي لديه صلابة عقليَّة، ولا يفوتنا أنَّ الطَّاغوتيَّة تتَّصف بصلابة أو قساوة القلب. والطَّاغوتيَّة دائماً تُدافع عن الوضع السائد وتُحارب التَّجديد لأنَّ مصالحها السلطويَّة والمادِّيَّة مرتبطة باستمرار الحال كما هو، وفي العادة تلجأ لحيلٍ كثيرة لتقتل التَّجديد في مهده مثل الرَّشوة بالمنصب، أو بالمال أو بالتَّهديد والحرب. وإذا تأمَّلنا ما حدث في صدر الإسلام فسنجد أنَّ كلَّ هذه المراحل اتُّبعت وإذا ما قارنَّاها بأيِّ نظامٍ شموليٍّ استعلائيِّ في تفكيره أو في سلوكه شرقاً وغرباً فسنجد نفس هذه الخطوات، ومثال استخدام الجزرة والعصا خير رمزٍ لها.

ومنطق هؤلاء أنَّه لا يجب كسر أو تغيير إناءٍ يعمل، لأنَّ وضعهم يُغذِّي مصالحهم فلا يرون وضع الآخرين مختلفاً، ويعتقدون أنَّه طالما هم بخير فالبقيَّة يجب أن تكون بخير ويجب أن تتبع طريقهم الأمثل، بل ويجب أن يكونوا سعداء أيضاً. ودائماً الحجَّة التي يستخدمونها هي المحافظة على التَّقاليد برغم فساد التَّقاليد وتحيُّزها لطبقة دون طبقة، وليس على العلم، خاصَّة التي ورثوها من آبائهم:
" ‫وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا‬، ‫أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ‬". ‬‬‬‬‬‬
والإنسان له أربعة حيواتٍ هنَّ الحياة الجسديَّة والحياة النَّفسيَّة والحياة الاجتماعيَّة والحياة الرُّوحيَّة وهُنَّ يتكوَّنَّ من ثماني أنفسٍ. والمولي عزَّ وجلَّ جعل ثلاثٍ من الحيوات خادمة لواحدة، ولذلك من يُغفل جوهر الحيوات يكون بمثابة الميِّت في نظر المولي عزَّ وجلَّ، ولذلك قارن بين الحيوات الثَّلاثة وبين الحياة الرُّوحيَّة وحسم أمر المُهمّ منها بل وعرَّفها بأنَّها الحياة الحقَّة:
" ‫وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ‬". بل وربط ذلك بالطَّاغوت لأنَّ الحياة الرُّوحيَّة تعني المنهج الذي تتَّخذه والغرض من حياتك وهذا خيارٌ بين اثنين إمَّا هُدي الله أو هُدي الطَّاغوت فالإنسان في بئرٍ عميقٍ من ظُلمات الشهوات العاجلة يُنزله إليها حبل ويرفعه منها حبل، والخروج أقسي من الهبوط، ولذلك لا بُدَّ وأن يكون حبل الخروج متيناً: " ‬
‫اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ‬"، وكلمة السرِّ كما تضغط على زرٍّ في مصعد هي كلمة لا إله إلا الله: "فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا". ومثال الحبل والعروة تكرَّرا في القرآن الكريم:‬
" ‫ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ‬"، وسبب الذِّلة والمسكنة هو: "ذلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ". ‬ ‬

"وَاْعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اْللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاْذْكُرُواْ نِعْمَتَ اْللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ اْلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا كَذلِكَ يُبَيِّنُ اْللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ". والمولي هنا يوضِّح العلاقة الوثيقة بين الحياة الرُّوحيَّة والحياة الاجتماعيَّة وكيف أنَّ الأخيرة تتبع الأولي وأنَّ العافية وكذلك السلام الاجتماعي لا يتمَّان إلا باتِّباع منهج الله الهادي من الضلال للحقِّ.
ولكن لا يتمُّ هذا إلا بكامل التَّسليم بعد الوصول لدرجة الإحسان أي أنَّ الإسلام يبدأ إسلام إقرار بالجوارح وينتقل لإيمانٍ بالقلب للغيب ثمَّ إلى إحسان عبادة بالمشاهدة القلبيَّة ثمَّ تنتهي دائرته في إسلام التَّسليم الكُلِّي لله بلا شركٍ ظاهرٍ أو خفيٍّ وحينها نكون قد استمسكنا حقَّاً بالعروة الوثقي: " وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اْللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اْسْتَمْسَكَ بالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأَمُورِ".

إذن فالقتل المعني هنا في حالة الوليد بن المغيرة هو للحياة الرُّوحيَّة والتي تتكوَّن من النَّفس الإيمانيَّة وجهها المقابل هو النَّفس السلوكيَّة: " إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ"، وضرب لنا المولي عزَّ وجلَّ مثلاً عن كيفية إحياء أرض القلوب الميتة المخلوقة من تراب:‬ ‬‬
"اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ".
"وقد ربط المولي عزَّ وجلَّ إحياء الأرض الميتة بالعقل، فهي آية للذين يعقلون، لأنَّ مناط المخاطبة هو العقل الذي يفتح باب القلب لماء الحياة؛ وهو الإيمان الحقّ، وصدقُ المحبَّة لله بلا شراكة. وهو حصيلة الذين يقرأون القرآن ويتدبَّرونه وإلا فتكون قلوبهم مُغلقة: " ‫أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا‬؟". ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

فالذي يقفل قلبه بمفتاح العناد؛ دفاعاً عن سلطة زمنيَّة أو مجدٍ زائل، لا يدخل النُّور إليه ويظلُّ أعمي؛ وهو العمي النَّفساني في الحياة الدُّنيا الذي يتحوَّل إلى عمي حقيقي في الحياة الآخرة: ‬
"وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى‬، ‫قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا‬؟، ‫قَالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى، وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ ۚ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى‬". ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
ومعيشة الضّنك لا يُقصد بها حياة التَّرف ولكن يُقصد بها الزَّعزعة النَّفسيَّة المُصاحبة للتَّرف؛ إذ أنَّ صاحب الأموال يخاف فقدانها، ويسعي لتنميتها، ويظنُّ أنَّ النَّاس تحسده أو تُظهر له المحبَّة من أجل ماله، أو أنَّه عرضة للنَّهب وهكذا. فهو فريسة للقلق والأوهام والطُّموح لا يستكين لأنَّه جعل الحياة الدُّنيا أكبر همِّه ومبلغ علمه، وذلك بأن جعلها في قلبه ولم يجعلها في يده.
وفي هذا نجد أنَّ المال الصَّالح هو المال المُنفق لا المكنوز ولا يتمُّ ذلك إلا بواسطة رجلٍ صالح، فصلاح الرَّجل يسبق صلاح المال، وهو معني الحديث الشريف:
"نِعْمَ المالُ الصَّالحُ عند الرَّجلِ الصَّالِح"، أي الذي يكسب من حلال ويُنفقه في وجوه الخير ولا يكنز المال. ونجد النَّاس يكسبون المال ولا يتورَّعون عن مصادره، ثمَّ يظنُّون أنَّهم يمكن أن يُلحقوا صلاحهم بالمال كما قال أخوة يوسف:
" ‫اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ ‬ ". ‬‬‬

فهم اتَّفقوا على ضلال أبيهم لأنَّهم عُصبة وهو واحد، وهذه من المغالطات الفلسفيَّة في المنطق أنَّ يُظنُّ الحقَّ مع المجموعة الصغيرة إذا اتَّفقوا، فالحقُّ مع صاحب الدَّليل، وإن عُدِم فهو مع السَّواد الأعظم. قالوا ذلك وهم أبناء نبيٍّ ويعلمون علم اليقين أنَّ أباهم نبيٌّ سليل أنبياء فما بالك ببقيَّة النَّاس؟ فإذا كان هذا شأن أقرب النَّاس للسَّماء فما بال حال بقيَّة العالمين؟
ونسمع من بعض القوم أنَّهم أتقي أهل الأرض يُزكُّون أنفسهم يُطلقون لحيةً، ويحفُّون شارباً، ويتعمَّمون وتبدو على ملامحهم الصَّرامة، وفي أعينهم القسوة، يتحدَّثون باللُّغة العربيَّة الفصيحة التي لا يفهمها أكثر النَّاس، ويقرأون: "تبسُّمك في وجه أخيك صدقة"، ثمَّ يقولون أنَّهم على قدوة المصطفي صلَّي الله عليه وسلَّم السَّمحة السَّهلة اللِّينة الوادعة.

وقد ألمحنا من قبل إلى ارتباط الشَّخصيَّة النَّرجسيَّة والطَّاغوتيَّة بتكوين الطوائف العقائديَّة مستخدمة الأيديلوجيَّة، وقلنا إنَّ طريقة تفكيرها آحادي لا يقبل المنطقة الرماديَّّة، كما وضَّحنا كيف أنَّ الشَّخصيَّات التي تطغي فيها هذه الطبائع هي التي تتولَّي زمام القيادة خاصَّة الطَّاغوتيَّة الخلاقة. وتحدثنا أيضاً عن الكيفية التي تنشأ بها النُّظم الشموليَّة والعوامل التي تؤدِّي إليها والآن نتحدَّث عن عاملٍ آخر له دورٌ كبير في اتِّخاذ القرارات في مثل هذه المجموعات وهو ما يُعرف بتفكير المجموعة أو التَّفكير الجمعي.
وتفكير المجموعة أو التَّفكير الجمعي هو أسِّ البلاء في حكم القِلَّة من الطَّاغوتيين فهم يُزيِّنون لأنفسهم الباطل حتى يصير حقَّاً في بصرهم، وهو دليل على عمى بصيرتهم وغفلتهم عن ربِّهم ويزيدهم الشيطان تسويلاً وإملاءً.
و"التَّفكير الجمعي" أو "تفكير المجموعة" مصطلح قدَّمه "يانس إيرڤنق" يصف به نمطاً من التَّفكير تسود فيه الرَّغبة في الحفاظ على تماسك المجموعة، وسيادتها، وسلطانها على الرَّغبة في النَّظر في الحقائق بطريقةٍ موضوعيَّة، والتي قد تؤدِّي إلى اختلاف الآراء وتهديد مصالح المجموعة.

فإذا كنت في مجموعة وتناقشتم في شيء واحتفظت برأيك خوفاً على مصلحتك أو خوفاً على زعزعة المجموعة فأنت قد جرَّبت تفكير المجموعة. وقصَّة الملك العريان التي درسناها في صغرنا هي أوضح مثالٍ لمثل هذا التَّفكير لأنَّه يُصوِّر الباطل حقَّاً تجد المجموعة نفسها مُجبرة على القبول بها إمَّا خوفاً على مصلحة أو على حياتها أو ضلالاً حينما تري بمنظارها أنَّ الباطل حق.
وهذا النَّوع من التَّفكير ينشأ بسبب سيادة الضَّغط على التزام التَّوافقيَّة بين أعضاء المجموعة كمبدأ، فتبذل المجموعات جهداً ضمنيَّاً على أفرادها يمنعهم عن رفع صوتهم بوجهات نظر تقويميَّة ناقدة، خاصَّة التي لا تحظى بالقبول من قادة المجموعة، أو تكون خارج المألوف. وينتج عن ذلك تدهورٌ في ثلاثة عوامل وهي القدرات العقليَّة للفرد، ومقدرته على التَّفكير المُستقل والنَّاقد العلمي لاختبار الحقائق وأيضاً حكمه ونزاهته الأخلاقيَّة.

وأكثر الأضرار هي إلغاء العقول، وهجر التَّقييم الموضوعي للبدائل للتَّوصُّل لقرار أمثل يُقوِّم المِعوجَّ من الأمور وبذلك تنفصل هذه المجموعة عن الواقع رويداً رويداً حتى لا تري إلا ما تُريد أن تري وبذلك تُعيد إنتاج الأزمة.

وقد تنتبه قيادة المجموعة لرغبة الآخرين للتَّعبير عن آرائهم وتُعطيهم الفرصة، ولكنَّها تُوحي أو تومئ إليهم بما يُفضِّله القائد، وبعد ذلك يعتمد الجواب على مقدار شجاعة المرء أو تغليب مصلحته على المصلحة العامَّة أو العكس.
وقد جاء ذكر تفكير المجموعة في الآية الكريمة:
" وَكَذلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا"، والغرور لغةً هو الباطل والخداع. وإذا تأمَّلنا محتوي ما حدث بين الوليد بن المغيرة وأبي جهل فسنري مثالاً لتفكير المجموعة.
ومحاولة إقناع مثل هؤلاء القوم بخطأ تفكيرهم أو قرارهم مُستحيل:
" ‫وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ‬"، فهذا مثالٌ واضح لتفكير المجموعة.‬‬‬

وهذا هو مربط الفرس في مفهوم تقوي الله أي الخوف منه فقط، ولهذا فقد ربط المصطفي صلَّي الله عليه وسلَّم بين أفضل الجهاد وبين كلمة الحقِّ عند سلطانٍ جائرٍ، وهو باختصار مقاومة تفكير المجموعة الضَّال لأنَّ سلطان الجور لا يريد أن يسمع غير ما يُحب.
وقد كان المصطفي صلَّي الله عليه وسلَّم أحرص النَّاس على القضاء على هذا النَّوع من التَّّفكير ولذلك فقد كان أكثر النَّاس مشورةً لأصحابه، وكان يفتح الباب لكُلِّ أفراد أُمَّته لا يتثنى أحداً ممَّا جعل دعوته جماهيريَّة لا صفويَّةً وفي ذلك يقول:
"ذمَّة المسلمين واحدة يسعي بها أدناهم"، فهذا تحرير للعقل ليكون مُستقِّلاً فكريَّاً، وهو تقييم للإنسانيَّة، وإقرارٌ بالمساواة، واحترام للرَّأي مهما كان مصدره.
وقد سار على هذا النَّهج ثُلَّة من الخلفاء الرَّاشدين فهذا الفاروق عمر بن الخطَّاب يقول:
" لا خير في قومٍ ليسوا لنا بناصحين، ولا خير في قومٍ لا يحبُّون النَّاصحين".
فإذا كنت في مجموعة عمل أو طائفة أو حزب تخشي أن تنصحها أو لا تُحبُّ النَّصيحة ففارقها حتى وإن كانت أنجح الشركات قاطبة أو ادَّعت الكمال في الدِّين أو أكبر الأحزاب السياسيَّة فإنَّ مصيرها إلى زوال لأنهّا حجرت على الفكر وقطعت شرايين حياتها بيدها ويجب أن تعلم أنَّ تغيير المنكر بالقلب لا يعني إنكاره سرَّاً ولكن إظهار الإنكار ومُقاطعة من يأمر بالمنكر وينهي عن المعروف.

وسنواصل إن أذن الله سبحانه وتعالي
ودمتم لأبي سلمي

د. عبدالمنعم عبدالباقي علي
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1808

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. عبدالمنعم عبدالباقي علي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة