الحُب في زمن الجنجويد!
09-13-2016 01:41 PM


الوقت ليس مناسبا للموت في هذه البلدة الغارقة في الرذاذ ورائحة نوّار شجر السنط: الساعة الخامسة صباحا، صوت أذان الفجر يتهادى في ندى الضوء الوليد فوق كثبان الرمال، وأشجار الطلح المتناثرة في المدى الغارق في ضوء الفضة.
إستيقظ الملازم معاوية إبراهيم عثمان على صوت أقدام الجنود، بدا له صوت آذان الفجر، القادم عبر الرمال، مختلطا بصوت خطوات الموت، كأنه قادم من عوالم أخرى، تحوّل صوت المؤذن في ذاكرته الى صوت ذلك الرجل الذي كان يطوف القرى على حماره ليعلن أسماء الموتى الجدد.
كان يشعر أن هذا هو يومه الأخير في هذا العالم، لم يشعر بالخوف، كل فجر حين يتعالى صوت أقدام الجنود في الممر أمام الزنازين، ثم صوت المفاتيح في أقفال الأبواب، يتم سحب عدد من المعتقلين الى الخارج، لا يعودون مرة أخرى. يظل الموت الزائر الأكثر حضورا في المكان، لكن ضوضاء الحياة لا تنقطع في المكان أبدا، في نفس اليوم يحضر معتقلون جدد، متمردون ضد الدولة صدرت عليهم أحكام بالاعدام في محاكم عسكرية لم تستغرق سوى دقائق، متهمون في محاولات إنقلابية، تجار وطلاب متهمون بالتعاون مع حركات التمرد.
إنفتح باب الزنزانة وطلب منه أحد الجنود أن يخرج بسرعة، طلب من الجندي أن ينتظر قليلا حتى يرتدي حذائه، لكن الجندي رد بصفاقة:
لن تحتاج إليه بعد الآن!
تتكون مجموعتهم من ستة أفراد وقعوا جميعا قبل أسابيع في الأسر، وهم يقومون بتغطية إنسحاب قواتهم، بعد ان إستطاعت قوات الجنجويد إستعادة الحامية العسكرية التي إستولت عليها قواتهم المتمردة قبل أشهر. في الخارج كان الجو لطيفا، العصافير تحتفل بالنهار الجديد دون أن تكترث لرياح الموت القادم مع أول خيوط ضوء الشمس، في ضوء الفجر لاحت في السماء سحب كثيفة تبشّر بأمطار غزيرة. ما أن خطا أول خطوة خارج مبنى السجن حتى لامست وجهه قطرات من المطر، كأنه يستعرض المطر مثل حرس شرف في الطريق القصير الذي ينتهي في الموت. كان عاشقا للمطر، في طفولته الأولى كان المطر جزءا من حياته، رائحة الأرض ورائحة الحقول، في طفولته الثانية في مدينة صغيرة بعيدة في عمق الصحراء، كان يشعر دائما بحنين غامض للمطر، لرائحة الأرض ورائحة نوّار أشجار النيم الغارقة في المطر، حين يسقط المطر في أحيان نادرة في تلك المدينة النائية، كان يحتفل به بقضاء يومه كله خارج البيت، كأنه يبحث عن أصداء طفولة سعيدة غابت فيما وراء الصحراء.
كان الجندي محقا، لم يستغرق الوصول لساحة الاعدام سوى دقيقة واحدة مشيا، قام الجنود بربطهم الى الأعمدة وعصبوا أعينهم، أشرعت فرقة الاعدام بنادقها وصوبت نحو صدور المحكومين في إنتظار أمر إطلاق النار. حاول الملازم معاوية إبراهيم عثمان أن يقوم بتثبيت صورة واحدة في واجهة ذاكرته، لتصبح جسرا بين موته وحياته التي لم يبق فيها سوى ثوان قليلة. قفزت صورة سميرة وتراجعت صور كثيرة أخرى، لم يجد فرقا في صورة سميرة بين سميرة شقيقته وسميرة الأخرى كما كان يسميها، سميرة شقيقته كانت تعبر في كل مكان مثل نسمة، لا يلاحظ أحد وجودها رغم أن وجودها هو الذي يجعل الحياة في هذا الجحيم ممكنة، منذ ان جاء جدهما لاصطحابهما للعيش معه في مدينته البعيدة بعد وفاة والديهما.
مرّت الأيام في مدينة الصحراء والقطارات والنخيل، وتفتحت سميرة عن وردة برية جميلة، رغم مسحة الحزن التي ستبقى في عينيها الى الأبد من واقعة فقد والديها. رآها جالسة فوق بساط قديم مصنوع من وبر الجمال تحت شجرة النيم، وجدتهما تمشط لها شعرها في جدائل طويلة ناعمة، وتمسحه بالزيت والشحم.
في سيل الصور التي تدفقت في ذاكرته كأنها تهرب من تقدم الموت، كأنها فئران تقفز من السفينة المشرفة على الغرق. رأى نفسه صبيا صغيرا يتجول في أزقة المدينة الصغيرة النائمة بين النهر والجبل والصحراء، بملابس رثة وشعر طويل معجون في الغبار والعرق، تبدو تلك المدينة الغارقة في ضجيج القطارات القادمة والمغادرة عبر الصحراء، في صور ذاكرته مثل كائن خرافي ملقى على حافة الصحراء ، تتمدد حوافه الأخرى حتى نهر النيل. كل شئ ذائب في الغبار ولون التراب، حتى جدران البيوت، تبدو ذائبة في جحيم القيظ، حتى النهر يبدو مثل خيط ذائب من القصدير.
طوال فترة تمرده وسجنه كان يعيش على ذكريات وصور جدته التي صارت أما له منذ وفاة أمه، وسميرة شقيقته، وسميرة بنت خالته التي كان يسميها سميرة الأخرى . لم يكن قد تبقى لشقيقته في الدنيا شخص غيره سوى جدته، بعد أن توفي والديهما في حادث أثناء رحلة الحج، كان يشعر دائما بالخوف من المسئولية التي ألقاها والده الراحل على عاتقه قبل رحيله.
حين سافر والداه في رحلتهما التي لن يعودا منها، وقف والده في لحظة الوداع ليقول له: لقد أصبحت رجلا، ستكون مسئولا من أختك حتى نعود! سيظل يحمل الأمانة منذ تلك اللحظة وحتى لحظة وقوفه أمام فريق الاعدام.
إنتابه خوف غريب حين سمع والده وهو يوصيه على سميرة، لم يتجاوز عمره آنذاك إثني عشر عاما، لم يكن يفهم بالضبط ما الذي يجب عليه أن يقوم به. وقف أمام والده وقد غمرت وجهه موجة من الجدية، لم تكن سوى إنعكاس للخوف الذي إجتاح دواخله حتى شعر ببرودة في أطرافه، كأنه كبر فجأة في تلك اللحظة فقط ليقبل تحمّل تلك المسئولية، لكنه كان يشعر فقط بالخوف، كأنه فوجئ بوصية والده، لم يكن يفكر في شئ آنذاك أبعد من أحلام طفولته وحبه للعب والتجول في أزقة المدينة الصغيرة. لكن تلك اللحظة بكل ومضات الخوف والرجاء إنقضت سريعا. تراجع شعوره بالمسئولية نتيجة وصية والده، حين جاءت خالته مع إبنتها وإبنها الصغير من قريتهم البعيدة لتقيم معهم لحين عودة والديهم. خالته إمرأة قوية الشخصية، طيبة القلب، كانت زوجة لمزارع وسكير محلي، هجر الزراعة الى التجارة التي لم يحقق فيها أيضا نجاحا يذكر، قبل أن يصبح مسئولا في الإدارة المحلية بعد تعلقه في مؤخرة قطار أحد الانقلابات العسكرية، فقد كان مدمنا على إرسال برقيات التأييد كلما وقع إنقلاب عسكري، لحسن حظه لم يكن أحد ينتبه لبرقيات التأييد للإنقلابات الفاشلة، جهاز الراديو كان دائما جاهزا وبطارياته جديدة لالتقاط أنباء أية إنقلاب عسكري، لم يرتكب سوى خطأ واحد طوال سنوات لمطاردته للتغيير، حين أرسل مرة برقية تأييد ليكتشف لاحقا أن الانقلاب كان في جزر القمر! كان مخمورا حين سمع الخبر، وبسبب عجلته لحجز مقعد متقدم في التأييد خرج من البيت مترنحا الى مكتب البريد القريب، الذي كان يعمل لسوء حظه في ذلك اليوم لفترة مسائية إضافية، وقام بإرسال البرقية. حاول موظف البريد الذي كان يعرفه بسبب كثرة تردده لإرسال برقيات التأييد، حاول إقناعه أن الأحوال هادئة ولم يسجل أية تحرك عسكري، وقام بفتح المذياع أمامه فإنطلقت أغان عاطفية إخترقت أذنيه مثل مارشات عسكرية. لم يكن يثق في أية شئ قدر ثقته في أذنه وفي قوة مذياعه الانقلابي، لم يفقد ثقته في مذياعه بعد ان اتضح ان الانقلاب في جزر القمر. لكنه توقف عن إرسال برقيات تأييد الانقلابات المسائية، حتى أنه أبرم إتفاقا مع موظف البريد ألا يقوم بإرسال برقيات التأييد المسائية الا بعد أن يقوم بتأكيد طلب إرسالها صباح اليوم التالي.
بعد وصول خالته مع اطفالها الى البيت وتحملها مسئولية كل شئ، شعر معاوية بالأمان، ونسي كل الهواجس التي عبرت في ذاكرته لحظة وداع والديه. واصل نفس برنامج حياته بضراوة أشد كأنه كان يشعر بوقع خطوات الموت، تهدد حتى مواسم براءته.


من رواية الحب في مملكة الجنجويد.


للحصول على نسخ بي دي اف من بعض اصداراتي رجاء زيارة صفحتي

https://www.facebook.com/ortoot?ref=aymt_homepage_panel

[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 5126

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1519317 [محمد الفكى]
5.00/5 (1 صوت)

09-15-2016 02:42 AM
أقرأ لك دوما.كتاباتك جميلةومعبّرة.

واصل إبداعك فسيكون لك شأن كبير بإذن الله.

[محمد الفكى]

#1518897 [سهيل احمد سعد الارباب]
5.00/5 (2 صوت)

09-13-2016 02:33 PM
ياسلام عليك ياسلام الوم نفسي كثيرا باننى اكتشفتك اليوم فقط..الوم نفسي واقدارى واسجل عجزى واعترف اليوم فى العالمين بجهلى...ليتنى التقيك يوما لاكون صادقا عندما اتحدث عنك بانى قد قابلت فخر سوظانى جديد وقمة ادبية وقصصية ستكون امامها الجواىز العالمية خجلى

[سهيل احمد سعد الارباب]

احمد الملك
احمد الملك

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة