المقالات
منوعات
أقاحي الروض / أبو داؤود
أقاحي الروض / أبو داؤود
09-14-2016 06:39 PM

image

أقاحي الروض
أبو داؤود "سلطنة الطرب"
الأقحوانة السادسة من روض أبي داؤود
لا تزال عوالم السكة حديد تنضح بالعُذاب و أفئدة المترجلين و المسافرين تنتفض شوقاً وبكاءاً و تمنياً تعلق بالاحبة وتفتح نوافذ القطارات لتلمح خيال المحطات القادمات وفي الانفس شيء من حتي ضجيج تحتل مكامن المحطة فتزبد صخباً يفوق البحر مداً وجزراً والأعين ترمق بالون الطابشور علي المكان ولصوت صافرة القطار لون أصفر باهت، الشوق يمسك بعجلات القطار والانفس تنفث حراً لا يوصف.
يبدو ابو داؤود بهامته الضخمة يتمشى بين الناس يدس بينهم البسمة ليهديها الشفاه ويبدأ سحره في امتلاك الأرواح فيمازح هذا ويلاطف تلك ويداه ممسكتان بالكبريت. وجد مجمع من الناس حول شاب في أواخر العشرينات من العمر فأقتحمهم و أخذت يعزف بأنامله علي الكبريت و يغني:

يا الماشي للبندر ما تطول الغيبة
أنا رجاك راجياك و روحي ماشيبه
أرجوك تطمني و قولي يا الهيبه
أرحم عذابي وراك يا النافي للريبة

بعدك بالمني وعارف بعادك حار
بتقلي في جمرو وجمر البعاد ودّار
و إنت في القمرة ساعة قطارك طار
قلبي مات بالشوق و مسخت علي الدار

فأضحك المودعين و أبكي المسافرين والناس حوله كقمر أحاطته النجوم بمنتصف الشهر، و بدأ يحكي للمسافر في نكته بعد وضع يده علي كتفه مربتاً عليه قائلاً:
واحد مسافر وأمه مودعاه و بتبكي قالها يمه ما تبكي أحفضي دموعك للجواب .
و مضي في سبيله كطيف بعد أن عرّش علي أفئدة الناس وكساهم طلاوة ولطافة. أثناء سيره أدرك زميل له بالسكة حديد أوشك أن يركب عربية الفرملة فقال له يا دا لاوين؟
فرد زميله:
سنده
فقال أبو داؤود : سنده يامولاي حافي حالق بالطريق الشاقي الترام، ياتو سنده الماشي تسند عليها؟
فقال: الكربة

فرد أبو داؤود: الكربة كُربة الله يعينك.
بدأ القطار يتحرك حثيثاً حتي خرج من محطة عطبرة قاصداً عروس الشمال مدينة حلفا، وبدأ الناس ينفضون من المحطة وعرّش عليها شيء من السكون لم تعهده المحطة و تسرّب القطار عبر القضبان كالحلم و بدأت المحطة للمسافرين كالرهاب.
الشاذلي الفنوب / القاهرة

أقاحي الروض
أبو داؤود سلطنة الطرب
الأقحوانة السابعة من روض أبي داؤود

للفلنكة رائحة أخّاذة ومنفرة تعلق بالذاكرة الذائقية لدي المرء ودوماً ما يحل الحر والضوضاء وصوت الماكينات المرتبة الثانية لدي الذاكرة المجتّرة لتعبيرات رائحة الفلنكة بالنفس، لذا كثيراً ما ضُبِط ابي داؤود مختبئاً بين الواحها في الصباح الباكر وهو ينشد إحدى روائع رواة الإنشاد النبوي متنفساً بين رياض حدائقهم الوريفة متوسلاً متبتلاً هائماً؛ بل غائصاً في كثير من الأحيان حتي توقظه من غفوته أشعة الشمس إيذانا بالعمل.
كان لصوت الورش بالسكة حديد عطبرة دور في فصل الإزعاج عن التمعن في مآلات الأصوات و دلالاتها البعيدة و رموزها التي تدل علي قيمة الإنسان بالعطاء وآدميته بكونه مخلف للعمار والإكثار، لذا كثيرا ما تأمل وجوده بهذا العالم و دور يد القدر في الدفع به الي عوالم الضوضاء الحالمة.
كان عاملاً متمرداً كل يوم بورشة حتي اضطر الخواجة الي أن يعينه احتياطي ورش أي يمكنه ان يكون في ورشة الخراطة اذا أحب ذلك وورشة الحدادة وفقاً للحوجة، حاله حال سيد درويش رائد الأغنية المصرية الحديثة والذي كان يعمل عاملاً باليومية لدي مقاول بناء فلما أحس المقاول أن المجموعة التي يكون بها درويش تنجز أكثر وأسرع عرف السر، وهو أنه يغني لهم يروح عنهم فيدفعهم ذلك لعطاء أكبر، هكذا كان أبو داؤود، لكن كل ذلك لم يشفي ويكفي رغبته بل كان يبحث عن الانطلاق نحو عوالم اكثر جمالاً ودفئاً، هذا يعني أنه يتمرد علي النظام الرسمي للمؤسسة، هكذا المبدع الخلاق دوما عصياً حتي علي نفسه.
يا حسين بالله شوف الخشب دا مجلعة كيف تلقاهو جايبنو من غابات الواق الواق تقول لي الجنوب فيه خشب! دا خشب أبيض خشب الجنوب لونه ذي العبد لله، ضحك حسين ومن معه بالورشة.
حسين قائلاً:
يا عبدو ما تغني .
أغني وهسي يجيكم الكويفر دا يخلي خميسكم دا سبت، لكن يتيمن اللا أغني حسين مد لي جعفر دا الصندوق
دق يا جعفر
طال عذابي وليلي طال
وسيد قليبي بعيد مجال
يا سيدي ارحم قريب تعال
روحي دايبة وقلبي ولوال

يا بدر ناجي النجوم ليش الغياب
كمل الصبر كُتر الصبر فيه العذاب
عينيّ جافن راحتن خافوا العتاب
لامتين تسامح ترحمن أنا قلبي داب

ياسلاااام يا عبده ينصر دينك ياخي
يابا صبرك استغفر ما يفهموك غلط
فيضحك الجميع حتي يرتفع صوته فوق صوت الماكينات ويرتفع صوت صافرة قطار مغادر مدينة الحديد والنار.
ينظر أبو داؤود لساعته بيده ثم ينظر لحسين قائلاً
يابا هوي كفاي انا شغل النمش أغير أبرولي دا أنا معزوم غداء مع رقاشة وبسمع لي كم غنية لي ود ماحي.

خرج بعد أن لملم ما تبقي من ألم و عنت و تعب كان قد علق بأوجه العاملين بالورشة و علق علي أوجههم لافته كتب عليها للسعادة أوجه كثيرة .


الشاذلي الفنوب / القاهرة
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2310

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




الشاذلي الفنوب
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة