المقالات
منوعات
محمود عبد العزيز : الفنان الثوري
محمود عبد العزيز : الفنان الثوري
09-17-2016 11:41 AM



ثمة بون شاسع بين المغنى و الفنان على صعيد القيمة الفنية ، و حينما نقول القيمة الفنية فإننا لا نعنى فرادة الصوت البشري فقط وإنما نعنى أيضاً تنوع الهارموني اللحنى و جودة الأداء الموسيقى و لا ننسى جزالة المفردة و عمق النص . و بين الفنانين الذين بالضرورة لديهم الحد الأدنى من القيمة الفنية بالمفهوم الآنف ذكره ، فإن هنالك معيار تفاضلي آخر للمفاضلة بينهم ألا و هو تكامل المشروع الفنى . المشروع الفنى قد يختلف من فنان لآخر و فقاً لمنظوره الفكرى الشامل ، و قد لا نذيع سراً ان قلنا أن السواد الأعظم من الفنانين و لا سيما الشباب ليس لديهم ما يمكن تسميته جزافاً بمشروع فنى و إنما لا يعدو الأمر لديهم أن يكون عداداً و شيئاً من الشهرة و ان شئت التشهير . بعض الفنانين قد تكون لديهم رؤية ضبابية لمشروعهم الفنى ، تلك الضبابية ربما تعود لإلتباس الرؤى الفكرية و تضعضع الشأن الثقافي لديهم بيْدَ أن الخارطة الجينية لموهبتهم الفنية تحتوى على الخطوط العريضة لمشروعهم الفنى لذلك تجدهم يخوضون فى مآرب مشروعهم ببداهة فطرية دون أن يدرون أنهم بصدد التنفيذ .
المشروع الفنى للفنان الراحل محمود عبدالعزيز قد يبدو جديرا بالتمحيص ، حيث أن التَشكُلات الأولى لهذا المشروع كانت إبان بدايات عَسَفْ الانقلاب الإنقاذى ، و التغيرات الجذرية التى طرأت على هذا المشروع لا تنفك إطلاقا عن تحورات النظام السياسية و إسقاطاته المجتمعية . في بداية التسعينيات من القرن الماضي كان "المشروع الحضارى" يخيم بتنويعاته السريالية ("عرس الشهيد " ، "الدبابين أسود الغابة !" ، "ساحات الفداء" و "بيوت الأشباح" ) على الساحة السودانية ، لا بل حتى داعبتهم أحلام التمدد العالمي و تصدير الثورة الاسلاموية للخارج . في تلك الأيام كانت بداية الخدمة الإلزامية حيث كانت "دفارات الكشة" تقف على مفترقات الطرق لتصطاد الشباب من المركبات العامة و الخاصة لتبعث بهم الى محرقة الجنوب ، و حينما كف الشباب عن الخروج الى وسط المدينة و استعصموا بأزقة الأحياء السكنية ، أتتهم "دفارات الكشة" تسعى اليهم في أماكن تجمعاتهم تحت ظلال أشجار النيم و نواصى الطرق .
في هذا المشهد سَطعَ نجم الحوت ، كان بشكلٍ أو بآخر مُنقذاً و مَنفذاً لهولاء الشباب من جحيم الانقاذ ، يموسقون أحلامهم على تقاسيم أغنياته ، يتدافعون بالمناكب نحو حفلاته الجماهيرية و الاحتفالية ، ينسجون الحكاوى التى تمجده و يتداولونها بينهم ، يلعنون السُلطة حينما تعتقله و وتجلده بسياط النظام العام . لقد كان هنالك شئٌ من الحراك الثورى في حفلات الراحل ، ليس حِراكاًمؤدلجاً بالأغاني الطليعية و إنما حِراكاً مُدمجاً فى شخص الفنان و شخوص الجمهور . في تلك الفترة أحست العصبة الإنقاذية بِخطر الحوت عليها، فلاحقته بالاعتقالات التعسفية و الجلد العلنى لتغتال شخصيته الثورية ، فما كان منه الا ان انتبه الى أهمية مشروعه الفنى في مسار الديالكتيك التاريخي السوداني فانكب ينهل من مَعِينْ الثقافات السودانية المختلفة ، يحتفى بالسودانوية في كل صورها ، يغني اغنيات الحقيبة الامدرمانية ، اغنيات التراث الكردفانى ، اغنيات تراث الوسط ، ربما لو كان يملك ألسن شمال كوش و شرق الفزي ووزي و جنوب الباباى لتغنَّى بها أيضا . و ما أغنية جوبا الا مثالا حيّاً لفكره الوحدوي الذي يهدف لبناء سودان جديد أساسه المواطنة و التعدد الثقافي .
و كلنا يعلم شأن انضمامه الى الحركة الشعبية ، و لم يكن هذا الانضمام مجرد خطوة براغماتية كما يحلو للبعض أن يصورها ، إنما نزعم من خلال تفكرنا في مشروعه الفنى أنه كان ايمانا بمنفستو الحركة و تمظهرا جلياً لثوريته الصادقة . و حينما انفرط عقد الحركة و انفصل الجنوب ، حدث لمشروعه الفنى ما يمكن تسميته بفقدان البوصلة ، حيث أنه انضم للعصبة مغنياً لها و ما أغنياته عند معركة هجليج ببعيد ، حينما ربط العُصابة الحمراء و اعْتَمَرَ كاب الجندية ، قد يقول قائل أن هذا لم يكن الا انتصارا للروح الوطنية ضد الغزو الخارجي و لكننا نزعم أنه محض فقدان للبوصلة في غمرة الصدمة التى حدثت لمشروعه الفنى لدى انهيار احدى ركائزه المهمة عند انفصال الجنوب مما أدى لاضمحلال حلم السودان الجديد . و علاوة على ذلك فقد استغلت العصبة هذا الوضع لتعزيز موقفها و اضافة غطاء إعلامي و فني لفشلها السياسي على حساب المشروع الفني للراحل .
و حينما وقع الراحل طريحا على فراش المرض لم تساعده العصبة و إنما تركته لتتخطفه أيادي المنون ، فهذا هو ديدنها في الاستغلال الوقح . كما لا يخلو المشروع الفني للراحل من قفزات هائلة في سماوات التجريب الموسيقي ، باستخدامه لأنساق موسيقية جديدة على الفن السوداني و هذا مما يجعله من أصحاب القدح المُعَلَّى في التحديث . و من الملامح الاساسية لمشروعه الفني احتفائه بالانسان ، و لعل هذا الاحتفاء ما جعله على مقربة من جميع الاطياف المجتمعية و قد تكون ظاهرة الحواتة خَيْر دليل على تفرد المشروع الفنى للراحل و تميزه الذى أدى الى تربعه على أفئدة الجماهير .

محمد السيد حمد
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1900

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمد السيد حمد
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة