المقالات
السياسة
قراءة نقدية:الحكم الذاتي وتقرير مصير جبال النُّوبة للدكتور أحمد الحسب عمر الحسب (2 من 4)
قراءة نقدية:الحكم الذاتي وتقرير مصير جبال النُّوبة للدكتور أحمد الحسب عمر الحسب (2 من 4)
09-19-2016 11:33 AM

قراءة نقدية:الحكم الذاتي وتقرير مصير جبال النُّوبة للدكتور أحمد الحسب عمر الحسب (2 من 4)
بقلم الدكتور/قندول إبراهيم قندول

تذكيراً للقاريء الكريم لقد تناولنا في المقال السابق أقوال الدكتور أحمد عن الأجندة الخاصة لأبناء النُّوبة في الحركة الشعبية والصفقات السرية التي عقدت بينهم والمؤتمر الوطني لحكم الولاية لأطول مدة. ثم فنَّدنا المزاعم التي صاغها عن نشوء الخلافات فجأة بين الحركة الشعبيَّة والحكومة مما نتج عنها الحرب الدائرة الآن! وثم أجبنا عن سؤاله: "ماذا يريد النُّوبة؟"، وما هي الأسباب الحقيقيَّة لانفصال الجنوب. وخلصنا إلى أهمية حل قضية السُّودان حلاً شاملاً وجذريَّاً حتى ينعم أهله بالسلام والأمن والاستقرار. ونبهنا إلى أنّ ذلك لن يتحقق إلا بنبذ الاستقطاب السياسي والحزبي والديني والعرقي الحاد بين مكونات شعبه المتعدد الأعراق، فضلاً عن ضرورة تهدئة الخطاب السياسي والقبلي المثير للعواطف بصورة سلبية وصولاً إلى مناقشة الأمور بعقلانية من أجل تقديم مشروع وطني لحل المشكل الذي يواجه إقليم جنوب كردفان/جبال النُّوبة. وكما وعدنا في المقال السابق أيضاً، سنتناول هنا الأسئلة التي طرحها الكاتب والتحريف المخل لتصريح المعلِّم الأستاذ يوسف كوة مكي والنقول غير الصحيحة عن الدكتور جون قرنق، والمشورة الشعبيَّة وإجرائها، ومسألة الحكم الفيدرالي، والذاتي للنُّوبة وسنختم بسؤاله: "ماذا وراء الأكمة"؟ فإلى المقال.


استخدام الإقليم أفضل من الولاية!

عرج الكاتب ليوضِّح سبب استخدامه للفظة إقليم بدلاً عن ولاية جنوب كردفان قبل الحديث عن الموضوع الخطير. لقد علَّل استخدام كلمة الإقليم بأنَّ الولاية لم تكن تحوي كل أبناء النُّوبة بداخله منذ تبني النظام الفيدرالي للحكم العام 1996م. كذلك قدَّم نصيحة لأبناء النُّوبة بأهمية إعادة التفكير الشامل في مقترحهم الذي يعتبر مغامرة سياسيَّة غير محسوبة العواقب! أيضاً، استطرد الكاتب أنَّه سيوضِّح موقفه المبدأي من كل المطالب السياسيَّة المتعارف عليها متى ما كانت تقوم وتتأسس على منطق سليم لا يقدح في طرحها علي طاولة المساومات السياسية لأنَّ السياسة "فن الممكن"، فاذا ما كانت وراء المطلب السياسي حكمة مرتجاة، وغاية مبتغاة، فهذا غاية ما يرجوه الوطن والمواطن من السياسيين.
سوف لا نشغل بالنا بالجدل حول التعريفات الجغرافيَّة والقانونيَّة والسياسيَّة لمصطلحي إقليم أو ولاية (جنوب كردفان) فهذا ليس الموضوع الأهم في الوقت الراهن، ولكن الأجدر الإجابة عن السؤال لماذا لم يعد الإقليم يحوي كل أبناء النُّوبة كما كان وما الذي جرى لهم؟ في الماضي البعيد والقريب، والحاضر سجل ويسجل أبناء النُّوبة وجوداً وافراً في جميع أنحاء السُّودان شأنهم في ذلك شأن بقية السُّودانيين وليس في الإقليم فقط، هذا من ناحية. ومن الناحية الأخرى هم شركاء في الإقليم مع الإثنيات غير النُّوباويَّة الأخرى، وكان التعايش السلمي بين قبائل الولاية المختلفة السمة السائدة عكس ثقافة التناحر والتنافر والتفرقة التي يعيشها أهالي الإقليم اليوم نتيجة لسياسة فرِّق تسد التي تمارس ضدهم! بالإضافة إلى هذا لم تقف العلاقات في حدود التعايش السلمي فقط وأنَّما حدث تزاوج بين هذه القبائل فاختلطت دماؤهم لدرجة أنَّه من الصعوبة بمكان، في أغلب الأحايين، الفصل بين هذاك وذاك، وهذه وتلك. فما هو المقصود بالضبط من التلويح أو ما هي الرسالة التي يريد الكاتب إرسالها بأنَّ الإقليم لم يكن يحوي كل النُّوبة؟ إنَّ هذا الإيحاء يؤكد أنَّ النُّوبة لا وجود لهم في الإقليم لأنَّه تمت إبادتهم وإبعادهم قهراً وقسراً من الولاية إلى خارجها وتمكين غيرهم اقتصاديَّاً وسياسيَّاً، وهلمجرا! فهذه بالفعل علة ينبغي أن تتضافر جهود أبناء الولاية (الإقليم) – بما فيهم النخب – مخاطبتها بوضع الحلول لها حتى يخرج الإقليم من محنته وإنسانه من تعاسته وتعود الولاية إلى سيرتها الأولى بدلاً من النبش في مواطن الألم والجروح الغائرة التي أحدثتها نوائب الدهر، وبدلاً من حديث العواقب!


الموقف المبدأي للكاتب

مرة أخرى، عمد الكاتب إلى الكثير من الغموض في مقاله، وهذا يحتاج إلى المزيد من التوضيح نسبة لسلسلة التساؤلات التي يثيرها موقفه، فمن هذه الأسئلة: ما هو موقفه المبدأي من كل المطالب السياسيَّة المتعارف عليها، وما هي تلك المطالب؟ وما هو المنطق السليم الذي ينبغي ألا يقدح في طرح هذه المطالب؟ وما هي الحكمة المرتجاة والغاية المبتغاة وهلمجراً؟ نأمل أن يكون الكاتب واضحاً في مواقفه لأننا على يقين أنَّ بمقدرة أهل الإقليم إدارة شئونهم بواسطة كل مكوناتهم السكانيَّة وعلى قدم المساواة في إطار السُّودان الموحَّد من خلال عملية سياسيَّة وديمقراطية حقيقيَّة. وهم في ذلك لا ينظرون إلى مَنْ يحكم ولكن كيف يحكم الإقليم، لأنَّ الحكم الرشيد وسيادة القانون وقبول الآخر والعدل بين الناس والمعاملة الإنسانيَّة هي المعايير الحقيقيَّة لا الانتماء القبلي أو الحزبي أو الديني. أما إذا تمادى النخب في الطرق الملتوية فلن يكون هناك حل لمشكلة الإقليم الذي من أجله دفع المساكين أغلى ما كان لديهم لتحقيق حلم التعليم لأبنائهم من أجل مستقبل ناصع لا مثل هذا التناحر بالكلام الجارح!


الجنوب يطالب بالفيدرالية والشمال يرفض!

وعن الفيدرالية بدأ الكاتب حديثه بإثبات أنَّ ممارسة الحكم الذاتي ليست جديدة في السُّودان وأنَّه لا غبار عليه، وأقر بأنَّه يحق لأي سُّوداني الدعوة إليه. فقد قمنا في بداية هذا التعليق بتعريف نظامي الحكم الذاتي والفيدرالي. وبيَّنا أنَّ الفرق بين النظامين رفيع جداً كالفرق بين الخيط الأبيض والأسود من الفجر! والنظام الأخير هو ما طالب به الجنوبيون في البداية ولكن رفض السياسيون الشماليون تلبية هذا المطلب. ولتوضيح هذه النقطة، جاء في خطبة من خطب أحد السياسيين الجنوبيين المخضرمين، الأب سترنينو لوهوري، والتي وجهها إلى برلمان السُّودان في 19 يونيو 1958م ما يلي: "إنَّ الجنوب لا يكن أبداً نوايا سيئة تجاه الشمال، فهو يطالب فقط بإدارة شئوونه المحلية في إطار السُّودان الموحَّد (الفيدراليَّة)، كما ليس له نية للانفصال عن الشمال. أما إذا انفصل، فسيتم ذلك متى ما أراد الشمال، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة وفي أي وقت".(20) كما أكد لوهوري أنَّ الانفصال سيتم إذا ما استمر الشمال في السيطرة على الجنوب سياسيَّاً واجتماعيَّاً واقتصاديَّاً". فأهل الحل والعقد في الشمال هم الذين تجاوزوا الجنوبيين وقدَّموا الدعوة إلى بعض قادته وغيَّبوا المثقفين البارزين منهم لحضور مراسم توقيع اتفاقية تقرير مصير السُّودان في 12 فبراير 1953م واكتفوا بوعد الجنوبيين أنَّهم سيولوا مطلبهم بالفيدرالية الاعتبار الكافي-Due Consideration".(21) كما هو معروف عن ثقافة النخبة السياسيَّة الشماليَّة في نقض العهود، لم يتم النظر الكافي لمطلب الفيدرالية للجنوبيين.(22)
إزاء هذا الرفض قام التمرد الأول - حركة الأنانيا الأولى - بهدف استقلال جنوب السُّودان ثم تطوَّر الأمر إلى الحكم الذاتي الإقليمي والذي أفضى بعد موافقة الحكومة عليه في العام 1972م بأديس أبابا، أثيوبيا مع حركة الأنانيا الثانية بقيادة جوزيف لاقو.(23) وفي الحقيقة، لم يطالب الجنوبيون بالحكم "الذاتي الفيدرالي" كما جاء في المقال وأنَّما بالحكم الفيدرالي أول الأمر فرُفض إلى أن دفعهم الوضع السيء "وحكم الظروف – كما ذكر الكاتب في مكان آخر في مقاله" للمطالبة بالانفصال غصباً عنهم عندما أراد الساسة الشماليُّون ذلك، فتحقق لهم ما أرادوه في 9/7/2011م، كما ذكرنا. الجدير بالذكر أنَّ حكومة الإنقاذ أبرمت اتفاقية السلام من الداخل العام 1997م مع الفصيل الذي إنشق عن االحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان مطالباً باستقلال جنوب السُّودان. كان اسم هذا الفصيل نفسه حركة استقلال جنوب السُّودان أي "سسيم" South Sudan Idependence Movement – SSIM)) بقيادة الدكتور رياك مشار. ومن المفارقات في سياسة "فن الممكن" حاربت حركة استقلال جنوب السُّودان جنباً إلى جنب مع الإنقاذ ضد الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان بقيادة جون قرنق والتي كانت تنادي بوحدة السُّودان! ومن فن "صناعة المستحيلات" في السياسة، تمت الموافقة على منح حق تقرير مصير جنوب السُّودان لهذا الفصيل المنشق في المحادثات التي تمَّت بينه من ناحية وبين الحكومة السُّودانيَّة من ناحية أخرى في فرانكفورت، ألمانيا، بواسطة الدكتور علي الحاج محمد ممثلاً لحكومة السُّودان والدكتور لام أكول أجاوين ممثلاً للفصيل المنشق! فالطبقة الحاكمة ترى أنَّ وحدة السُّودان تقف على عامود واحد: وحدة (الدين، واللغة، والعرق والثقافة) في بلد غني بالتعدد (راجع حديث الدغمسة للسيد رئيس الجمهورية في القضارف).



لماذا يرفع النُّوبة سقفهم السياسي

يستطرد الكاتب أسئلته بخصوص تصعيد أبناء النُّوبة سقفهم السياسي من حد المشورة الشعبيَّة إلى الحكم الذاتي، وربما إلى تقرير المصير في ظل اضطراب سياسي وضع البلد كله على حافة الهاوية! وعلى الرغم من أنَّه لم يسترسل طويلاً في هذا الأمر، ولكن نرد إليه الأسلئة الآتية: لماذا البلد في حافة الهاوية و"هاوية أيه يا عم"؟ كما أشار إلى المشورة الشعبيَّة باقتضاب شديد لم يقم بشرح مفهومها "لوفدي التفاوض- الشريكان فيما بعد" وهو العائد لتوه من ألمانيا الاتحادية بأرفع درجة علميَّة وعقل مفتوح لم يتأَثَّر بعد بالسياسة وألاعيبها؟. ونسأل أيضاً، متى قامت الورشة التنويريَّة عن المشورة الشعبيَّة التي حضرها؟ ألم يكن بند المشورة الشعبيَّة بعد الاتفاقيَّة؟ وإلا كيف "لوفدي التفاوض" أن يصبحا "شريكان فيما بعد" ليتجادلان حول موضوع المشورة الشعبيَّة؟ لقد كان الدكتور جون قرنق محقاً تماماً في تقييمه للاتفاقية التي جاءت في 242 صفحة، من الألف إلى الياء وباللغة الإنجليزيَّة، بأنَّها جيدة ولا غبار عليها، وأنَّ الشيطان يكمن في التفاصيل، كما هو القول المأثور. على أية حال، كنا نأمل أن يأخذ الرافضون للاتفاقية تحذيرات الدكتور قرنق بجدية، لو فعلوا ذلك لما كان الحال كما هو عليه الآن! ولقد صدقت نبوءته: "سوف لن يصير السَّودان كما كان مرة أخرى"؟ أما ما نقله الكاتب عن رئيس الحركة الشعبيَّة بأنَّ المشورة الشعبيَّة "جني صغير بتاع تقرير المصير" فمحفوف بالشك ما لم يوفر المصدر أو"الفيديو" الذي أشار إلى وجوده.


مرجعية نيفاشا للمشورة الشعبيَّة

تناول الكاتب اتفاقية نيفاشا منذ التوقيع عليها كمرجعية أساسيّةً للشريكين لتطبيق بنودها عند التنفيذ. ولكن نعيب تناوله لها في قوله أنَّ المؤتمر الوطني ينطلق باعتبار تنفيذ بند المشورة الشعبيَّة مجرَّد استنطاق سياسي لمواطني المنطقتين بما "يشبه مشورة الهوسا في إقليمهم بنيجريا حول محاكم الشريعة الإسلامية". ما المقصود بمجرَّد استنطاق سياسي وما هو وجه الشبه بين الإجرائين؟ على أية حال، كانت كل المؤشرات الخاصة بتنفيذ المشورة الشعبيَّة في جنوب كردفان تشير إلى أنَّ الاتجاه والشعور العام بين غالبية النُّوبة هو أنَّ البروتوكول الخاص بفض النزاع في الولاية لم يلب طموحاتهم وأنَّ الأمر سيرُفع لمجلس الولاية التشريعي المنتخب ديممقراطيَّاً لمخاطبة أوجه القصور، كما جاء في نص الاتفاقية وقانون المشورة الشعبيَّة الذي أجازه السيد رئيس الجمهورية ووقَّعت عليه الهيئة البرمانية السُّودانيَّة المختصة. إذن، من أين أتى الكاتب بأنَّ الحركة الشعبيَّة استندت لرؤية المعلِّم يوسف كوة التي أكدت ضرورة وأهمية الوحدة بدلاً عن الانفصال؟ يقول نص إجابة المعلِّم منقولاً من مقال الكاتب نفسه: "نحن النُّوبة دخلنا الحركة منذ البداية كوحدويين ولا زلنا في هذا الموقف الداعي للتعدديَّة والاعتراف بحقوق الأقليات وحقوق القوميات وفوق كل هذا وذاك وحدة السُّودان تحت مباديء اللامركزية، فإذا ما اختار الجنوب الانفصال فسيكون لنا حق تقرير المصير سواء نكون جزءً من الشمال أو الجنوب أو مستقلين". وكما وعدنا من قبل سنولي هذا الأمر اهتمامنا!


تحريف لكلام المعلِّم يوسف كوة

كما ذكرنا سابقاً، سنلقي أضواءاً كثيفة على إجابة المعلِّم يوسف كوة مكي لتوضيح وإجلاء محاولات التحريف ولي عنق الحقيقة حولها. لقد كانت الإجابة صريحة للغاية، وواضحة تماماً، كذلك كانت على الملأ وليس همساً، إذ حوت خيارات ثلاثة: وحدة السُّودان (أولاً)، وتقرير المصير (ثانياً) - إما أن تنضم جبال النُّوبة إلى الجنوب أو الشمال، أو الاستقلال (ثالثاً)، لا غير. لم يكن خيار الحكم الذاتي في الحسبان أبداً. لماذا؟ لأنَّ المعلِّم يوسف كان صاحب رؤية ثاقبة إذ كان يطمع ويطمح في وحدة السُّودان بتعدُّده العرقي (عرب/زنوج أفارقة)، والإثني (الّنُوبة، والبرنو، والبرقو، والفلاتة، الدارفوريين، والعرب، والجلابة إلخ...)، والديني (مسلم/مسيحي/صاحب معتقد أفريقي نبيل)، والتعدُّد الثقافي دون إقصاء لأحد ودون كراهية لأي من السُّودانيين، بل والإنسانية أجمع. هذا هو الموقف الثابت والأساسي ليوسف كوة ولمؤيديه من النُّوبة وغيرهم، وهم كُثر. ومن الواضح في الإجابة أيضاً أنَّه إذا استعصى أمر الوحدة أو تقرير المصير فإنَّ خيار الاستفتاء للاستقلال عن السُّودان والجنوب وارد، إذا كان سيرفع ذلك الظلم أو حتى مجرَّد الشعور به. هذا هو "فن الممكن" في السياسة، و"صناعة المستحيلات" فيها أيضاً! من هنا يظهر جليَّاً صراحة وثقة المعلِّم يوسف في التعبير عن آرائه حول الظلم وبدون تردُّد. فقد كان المعلِّم يبغض الظلم والعنصريَّة عن قناعة أنَّهما يحبسان تطور الإنسان وتجرانه دائماً وأبداً إلى الوراء وبالتالي يحولان دون حصوله على حقوقه المدنيَّة والقانونيَّة المشروعة لعدم إدراكه ومعرفته بها. فلقد أدرك المعلِّم يوسف كوة باكراً أنَّ أهله (النُّوبة والإثنيات الأخرى) في الإقليم – بل في السُّودان كله – لا يزالون في قاع سُلَّم التطوُّر المجتمعي بسبب الجهل والتجهيل المتعمِّد لهم، مما حط من قيمتهم في المجتمع الذي أصبح يتلهى عنهم وينتقص منهم.
لهذا كله حاول إنقاذهم بأسلوب الرعيل الأول الذي قاد اتحاد عام جبال النُّوبة ومثَل الإقليم بجميع مكوناته العرقيَّة والإثنيَّة والدينيَّة على المستوى القومي في برلمان ستينيات القرن العشرين. فقد كان قادة الاتحاد هم النُّوبة والعرب والبرنو والبرقو والفلاتة وغيرهم، وإن كانت أدوارهم بدرجات متفاوتة. كان أولئك القادة من خيرة أبناء الإقليم رغم عدم تلقيهم التعليم الكافي أو حصولهم على المستوى المتواضع من التعليم. فهم الذين قاموا بتقديم الاحتجاجات والمطالبة السلميَّة بضرورة توفير الخدمات الأساسيَّة (التعليم، الصحة، المياه، الطرق، إلخ...) لأهلهم في الريف؛ وكذلك هم الذين طالبوا – سلميَّاً - مع رصفائهم في جنوب السُّودان بالفيدرالية كخيار أخير في السُّودان الموحَّد.
سار المعلِّم يوسف وصحابه الميامين (نُّوبة والإثنيات الأخرى) على طريق هؤلاء وبنفس الخطى السلميَّة وفي ذات الوقت قام بمحاولة تثقيف أهله بحقوقهم محدِّداً أهدافاً رئيسيَّة مثل: التحرير من التخلف بالتعليم، وتأهيلهم بالعلم للمشاركة الفاعلة في السلطة وبناء الوطن بإطلاق طاقاتهم الكامنة؛ وتمكين جماهير المجموعات المهمَّشة بالثقة في النفس والاعتداد بها لاستغلال موارد ولايتهم أو إقليمهم لتحسين أوضاعهم الاقتصاديَّة وظروفهم المعيشيَّة والحياتيَّة.(24) ولما كانت المقاومة الشرسة من السلطة الحاكمة سواء أكانت في الإقليم (إقليم كردفان الكبرى) والمركز لمجرَّد المطالبة بتوفير الخدمات الأساسيَّة، واجهها المعلِّم بثقة فانتفض وثار ضد الدولة الظالمة.(25) لم تكن ثورته أو انتفاضته ضد العرب أو المسلمين أو الاثنين ولم يحرِّض الاثنين على بعضهما البعض على الرغم مما ذهبت إليه السلطة لتروِّج في المحيطين العربي والإسلامي: إنَّ التمرد في السُّودان (في الجنوب، وفي جبال النُّوبة، وجنوب النيل الأزرق) يستهدف العروبة والإسلام؛ وكما راحت نفس السلطة تهدئ في المحيط الأفريقي جنوب الصحراء بما يشبه التهديد: هذا شأن سُّوداني داخلي بحت يمكننا احتواءه ونرفض التدخُّل! لقد أدت الدعاية والتكتيك السلطوي إلى استقطاب عرقي/عنصري حاد متعصِّب، وغلو ديني مفرط وقف إلى جانبه الكثيرون بالترغيب أو الترهيب أو الاثنين معاً! فجهود واجتهادات يوسف كوة من أجل السلام والتوافق بين أبناء الولاية والسُّودان لكثيرة رغم وعوده الكثيرة بالعفو عمن ظلمه بمد راحته للسلام.


ثورة يوسف ووعده بالعفو

ورغم ثورة المعلِّم يوسف وانتفاضته العارمة ضد الظلم كان يوعد قومه وأعداءه بأنَّه سيعفو عمن ظلموا وأهانوا أهله. فلقد جسَّد ذلك في أبيات قصيدته الشهيرة المعنَّونة "أفريقيتي" ليكشف جانب من هذه الشخصية النبيلة المفعمة بروح الاعتذار رغم ما لحق بها من جور، وميولها للتسامح والحب والسلام. يقول يوسف مخاطباً أبناء وبنات وطنه، ببساطة ليس فيها فرص التأويل المخالف للحقيقة:
معذرة وألف معذرة يا أخوتي،
لصراحتي، لجرأتي،
رغم ديني وثقافتي،
أنا نُّوبي، أنا زنجي،
.................
أنا رغم بيع جدي، ورغم بيع جدتي،
رغم تخلفي، ورغم سذاجتي،
فغداً سيأتي وأكلل بالعلم هامتي،
وسأضيء شمعتي،
وعلى ضوئها أبنى حضارتي،
وعندها أمد راحتي،
وأغفر لمن تعمَّد طمس هويتي،
السلام والمحبة هي غايتي.


مدرسة يوسف كوة

هكذا كان يوسف عفواً كريماً، لمن أراد أن يعرفه من خلال أقواله وأفعاله التي لا يسمح لنا المجال في عدها، ولكن ندعو القاريء الكريم مراجعة ما كُتِب وتم توثيقه بالتفصيل عن يوسف في مؤلف الدكتور عمر مصطفى شركيان.(26)على أية حال، ستبقى الحقيقة كما هي: آمن المعلِّم يوسف بأنَّ في الوحدة قوة. القوة المستمدة من التعدُّد، الذي فطر الله الناس عليه، وفي العدالة والمساواة بين الناس، وإشاعة روح المحبة والسلام بينهم. كان يرى أنَّه سوف يمكن تحقيق القوة والمنعة للسُّودان الذي يسع الجميع إذا أحسن القائمون بالأمر إدارة هذا التنوُّع! تلك هي المدرسة المكيَّة (نسبة لمكي) التي تخرّج فيها الكثير من أبناء هذا الوطن (عربهم وعجمهم، مسلمون وغير مسلمين) الذين ألفوا يوسف ورأوه واستمعوا لأقواله بآذان صاغية وعقول مفتوحة ونفوس متسامحة فأحبوه حباً جماً كما أحبهم أكثر. لِمَ لا؟ فقد امتهن يوسف تعليم النشء، وكما استطاع بخطابه المتزن غير السافر، والمعقول (لا الخيالي)، وشخصيته الحاضرة والمليئة بالكاريزما أن يقنع عدداً كبيراً من النُّوبة وغيرهم بالانخراط في صفوف الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان، التي لم تكن حكراً على الجنوبيين فحسب. فصفات المعلِّم يوسف النبيلة لكثيرة: منها النبل العظيم لأنَّه خرج من رحم أم رحيمة، وتربي على تراب وطنٍ معطاة، وبين شعب عظيم. وفوق كل هذا كان يوسف مهموماً بقضايا وطنه – ربما - أكثر من أي شخص آخر عرفناه. فقبل الغلو الديني، والعصبية العرقيَّة/العنصريَّة، والجهويَّة، كان السُّودان موحَّداً وقوياً، وكان أهله أخوة في السراء والضراء وكانوا أصحاب همم عالية، وطهر وعفة اللسان والأمانة، والخُلق العظيم والنبيل، والاستقامة، والمروءة. وكان السُّودانيون لا يسألون الناس إلحافاً رغم بساطتهم وبساطة مطالبهم لاستمرارية الحياة إلى أن أتى قومٌ أجبروا الأديب الأريب الطيب صالح في خواتيم عمره – رحمه الله - الجهر بأبلغ سؤال خالد: من أين أتى هؤلاء؟ بل، مَنْ هم هؤلاء؟


تقرير المصير عند يوسف كوة

إنَّ تقرير المصير الذي أشار إليه المعلِّم يوسف كوة مكي حق كل مجتمع له هوية متميِّزة لتحديد طموحاته السياسيَّة وتبني النطاق السياسي المفضَّل له من أجل تحقيق هذه الطموحات دون تدخل خارجي أو داخلي إذا فشلت الدولة التي هم فيها في المحافظة على وحماية حقوقهم.(27) بيد أنَّ ممارسة هذا الحق لا تعني تلقائياً الانفصال عن الدولة وإنَّما هي ترتيب دستوري وقانوني للاختيار من بين عدة خيارات، وهذا ما عناه المعلِّم يوسف. فالنظرة الفاحصة إلى الخيارات التي عدَّدها، نجد أنَّ إقليم جبال النُّوبة قد بقي ضمن حدود الشمال بعد انفصال الجنوب بحسب الاتفاقية وبدون إجراء استفتاء، فكفى الله مواطني الولاية شر الاقتراع للاختيار وعما قد كان سيسفر عنه وردود أفعال ذلك. الجدير بالذكر أنَّ تقرير المصير حق كل سكان الإقليم وليس النُّوبة فقط كما يتبادر إلى الأذهان. فلماذا يسعى بعض المستنيرين من أبناء الإقليم بين الناس لتهييج مشاعر الغضب وإثارته عند سماعهم جملة الحكم الذاتي أو تقرير المصير للولاية؟ هل لأنَّ النُّوبة هم الذين طالبوا به؟ في الحرب الأهلية التي امتدت من 1983 -2005م وحتى انفصال الجنوب كره بعض السُّودانيين الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان. كانت كراهية بعضهم لها لأنَّ قائدها ومؤسسها كان جنوبيَّاً ومسيحيَّاً، وبالتالي فضَّلوا التهليل لمن هم أقل منه كفاءة رغم ما كان يتميَّز به القائد قرنق من نبل الخصال والذكاء الخارق وسرعة البداهة. فيوسف وقرنق صنوان في فكرهما، وذكائهما، وهمومهما في كيف يكون السُّودان وكيف أن يعيش شعبه واحداً موحَّداً.


الدكتور جون قرنق يعزز يوسف كوة مكي

مواصلة لحديث يوسف كوة مكي الذي أدلى به العام 1995م، وفي منحى آخر، أضاف الكاتب أحمد الحسب عمر الحسب بأنَّ الدكتور قرنق عزَّز موقف يوسف في كلمة ألقاها في مؤتمر كاودا العام 2004م، وهذا الكلام غير صحيح البتة، فلا ندري من أين جاء كاتب المقال بهذه المعلومة. فزيارته لكاودا كانت في 2 ديسمبر 2002م أي قبل أكثر من سنتين من اتفاقية نيفاشا للسلام العام 2005م، وفي ذلك الحين كان القائد يوسف قد انتقل إلى رحاب ربَّه. كان الهدف من الزيارة حضور مؤتمر كل النُّوبة الأول (5-2 ديسمبر 2002م) إذ خاطب قرنق المؤتمرين بعربي جوبا في غالبه ومفردات إنجليزيَّة بسيطة هنا وهناك وليست جمل كاملة مثل "We left you with a mini-self determination" كما ذكر الكاتب! إذا كان ما نُقِل عن مكان حديث قرنق خطأ، فإنَّ المنقول عنه من الحديث والذي يشير إلى المشورة الشعبيَّة ب"جني صغير بتاع تقرير مصير" غير صحيح أيضاً. فلنفرض جدلاً أنَّه صحيح، فكيف يكون لتقرير المصير ابناً أو شيئاً صغيراً؟ لم يكن هذا من طبائع أو أسلوب الدكتور جون قرنق، رجل الدولة الجاد والصارم، أن يستصغر الأمور الهامة هكذا، ولم يكن ساذجاً لهذه الدرجة، ولم يكن شعب جبال النُّوبة سذج كذلك!


المشورة الشعبيَّة والرحلة إلى إندونيسيا

مهما يكن من الأمر، حاول الكاتب المقارنة بين المشورة الشعبيَّة المفترض إجرائها في جنوب كردفان والنيل الأزرق وتلك التي تمت في تيمور الشرقيَّة، وكذلك ما جرى في إقليم الهوسا بنيجريا حسب الزعم، ويا لها من مقارنة! فالممتبِّع لمجريات الأحداث يلاحظ أنَّ من أجل تنفيذ المشورة الشعبيَّة قامت حكومة الولاية بمبادرة ضرورية أوفدت بموجبها ممثلين لزيارة علميَّة وعملية إلى إندونيسيا للدراسة والاستفادة من تجربة تيمور الشرقيَّة في مسألتي الاستقلال والحكم الذاتي. نعتقد أن هذه المبادرة كانت في الاتجاه الصحيح على الرغم من صعوبة مقارنة حالة الولاية بتيمور الشرقيَّة وذلك لسببين: الأول هو أنَّه سمح لكل الناخبين التيموريين بالداخل والخارج بالتصويت المباشر، عكس ما كان سيجري في جبال النُّوبة إذ اقتصر حق التصويت على المسجلين داخل حدود الولاية فقط! والسبب الثاني هو أنَّ المرتكزات الأساسيَّة التي قامت عليها المشورة الشعبيَّة في تيمور الشرقيَّة تمحورت حول سؤالين هما: (1) هل تقبل الحكم الذاتي لتيمور الشرقيَّة ضمن جمهورية إندونيسيا الموحدة أم (2) هل ترفض الحكم الذاتي لتيمور الشرقيَّة؟ إذن، نلاحظ - خلافاً للوضع في تيمور الشرقيَّة – أنَّ المجلس التشريعي للولاية كان هو المنوط به تقييم وتحديد القصور الدستوريَّة، والسياسيَّة والترتيبات الإداريَّة والاقتصاديَّة المنصوص عليها في اتفاقية السلام الشامل بعد استطلاع آراء الناخبين. ولم يكن في الأمر خيار بين الاستقلال أو البقاء كجزء من الشمال أو الجنوب؛ وستظل المنطقة ضمن جمهورية السُّودان بغض النظر عما سيتمخض عن المشورة الشعبيَّة أو إذا تمت أم لم تتم حلحلة القضايا التي قادت في الأساس إلى نشوب الحرب في السنوات الماضية.
ففي إفادة غير رسميَّة أفصح أحد أعضاء الوفد المشارك في الزيارة العلميَّة إلى إندونيسيا في كانون الأول (ديسمبر) من العام 2009م في ملاحظاته الإيجابية عن إمكانية تطبيق تجربة تيمور الشرقيَّة في السُّودان وذلك بالسماح لكل أبناء الإقليم أينما كانوا بالمشاركة في المشورة الشعبيَّة، إلا أنَّ عدم توفر الإرادة السياسيَّة والتفكير السليم لحل الأسباب التي أدت إلى الصراع المسلَّح حال دون ذلك خشية من نتائج المشورة الشعبيَّة. وبإعادة النظر إلى قانون المشورة الشعبيَّة الذي تم التصادق عليه من قبل المجلس الوطني ووقَّع عليه السيد رئيس الجمهورية نجد غموض القانون وخلوه تماماً من الآليات العمليَّة لتنفيذ إجراء المشورة الشعبيَّة. (28)
أما على الصعيد السياسي فنرى أنَّه كان لا بد من المشاركة السياسيَّة والدستوريَّة الفعلية لا الصوريَّة والشكليَّة على المستويين المحلي والمركزي. فليس مجدياً أن تمنح الحكومة هذا الشخص وتلك الشخصية حقيبة دستوريَّة أو منصب دستوري لأنَّه ينتمي للحزب العلاني والقبيلة الفلانية ونقول كفى استوفينا الشرط الدستوري من الاتفاق. إذن، المشورة الشعبيَّة في حد ذاتها آلية لن ولا يمكن أن تلبي تطلعات الشعب ولكن الأعمال الفعلية التي تهدف إلى حل المشاكل التي دفعت النُّوبة وغيرهم أو بعضهم إلى حمل السلاح ضد الحكومة المركزيَّة هي المخرج الوحيد، وتبقى المشورة الشعبيَّة عملية ميكانيكيَّة فقط لاستطلاع آراء أفراد المجتمع حول جدوى الاتفاق. السؤال الآن ماذا كان سيحصل إذا رفضت أو عجزت الحكومة المركزيَّة مناقشة ومعالجة أوجه القصور؟ نترك الإجابة لحوارات أخرى عسى ولعلَّ!


الخطوط الواضحة بعد المشورة الشعبيَّة

لم يكتف الكاتب بإشاراته الناقصة إلى المشورة الشعبيَّة، بل واصل ليقترح أنَّ الخطوط الواضحة التي تعقب عملية إجراء المشورة هي "مطلب أعلى سقفاً وأكثر كلفة للمؤتمر الوطني حال تمادي ورفض الاستمرار في تلك الشراكة بمستحقاتها كاملة حتى بعد انفصال الجنوب!" الخطوط الواضحة لإنفاذ المشورة الشعبيَّة متضمَّنة في بنود الاتفاق وقانون المشورة الشعبيَّة وهي استطلاع وتحقق آراء شعب الإقليم حول الاتفاقية (البند 3-1) وأنَّها (الاتفاقية) ستخضع لتقييم إرادة الشعب عبر مجلسهم التشريعي المنتخب ديمقراطيَّاً (البند 3-2). (29) نعم، كان على الحكومة والحركة الحركة الشعبيَّة تسهيل إنفاذ بنود الاتفاق. أما الخط الواضح الآخر هو دخول المجلس التشريعي للولاية في مفاوضات مع حكومة الوحدة الوطنيَّة لتصحيح القصور في الترتيبات الدستوريَّة والسياسيَّة والإداريَّة (البند 3-6)، وإنَّا لفي شك عظيم في أن تقبل الحكومة في الدخول في مفاوضات جديدة، فما هو السقف الأعلى المشار إليه في المقال؟!
ثم ما هي التكلفة التي ينبه لها الكاتب حزب المؤتمر الوطني؟ مَنْ الذي أضاع فرصة المضي قدماً لتنفيذ البند الخاص بالترتيبات الأمنيَّة الذي ورد في الاتفاق (البند 10-1). لقد كان من المقرَّر أن تبدأ الترتيبات السياسيَّة (الانتخابات العامة والولائيَّة) في العام 2008م، أي في منتصف الفترة الانتقالية، ولكن لم يتم ذلك لأسباب شرحناها سابقاً. على أية حال، لم يكن هناك بند في الاتفاقية ينص على أنَّ النُّوبة هم المعنيين فقط بممارسة المشورة الشعبيَّة. لهذا كان من البديهي أن تقف الأغلبية الصامتة في وجه المركز وتضغط عليه حتى تتم العملية الديمقراطيَّة وإقرار ما لم يتفق عليه بعدم تلبية طموحات الأقلية، أو على الأقل القبول بأنَّ بروتوكول الولاية قد لبَّى طموحات شعب الإقليم.


ملاحظات الكاتب في المناسبات

أثار الكاتب في ملاحظاته أثناء مخالطته أبناء النُّوبة في كل الأنشطة والمناسبات موضوع التناغم بين أبناء النُّوبة في الحكومة والمعارضة في مسألة الحكم الذاتي والذي سيقود إلى تقرير المصير لاحقاً. في رأينا لا ترقى هذه الملاحظة إلى شيء غير أنَّها محاولة لخلق الفتنة والبلبلة ثم الإيقاع بين الحكومة وأنصارها والمحايدين من أبناء النُّوبة الذين لا يتعاطون ولا يتعاملون مع السياسة، فضلاً عن أنَّ هذا الأمر مجرَّد رأي شخصي غير صائب من الكاتب ولا ينبغي أن يؤخذ به في مثل هذه الأمور الهامة والتي تتعلَّق بمصائر الشعوب. فالأحاديث التي تُطلق في الأنشطة غير الرسميَّة والمناسبات أو اللمات أو القعدات الاجتماعيَّة ثم تُنقل، تقوم مقام "القوالات، والشمارات والبوبار"، كما يقولون في السُّودان، فما كانت لتخرج هذه التصريحات أبداً من شخصيات مأمول فيها بهذه الصورة الكيدية في هذا الوقت الحرج والخطير من تاريخ السُّودان.
تكمن خطورة هذه الملاحظات أيضاً في أنَّ الكاتب وعلى مدى ست سنوات في ألمانيا (حسب إقراره بفترة دراسته هناك) كان يخالط ويجالس ويصادق من يصادق من أبناء النُّوبة، ليس فقط من أجل الصداقة، بل من أجل مآرب أخرى ظهرت جلياً في إقراره، الذي فيه يقول "(...) لمست حقيقة واحدة تجعلني استطيع القول أنَّ الأجندة السياسيَّة لأبناء النُّوبة فيما يتعلَّق بهذه النقطة هي في تناغم تام، وعلى قدر عال من التنسيق المحكم بين الداخل والخارج، وإن تباينت الانتماءات السياسيةَّ"! بالله رب السموات والأرض بم يُسمَّى هذا الكلام؟
النُّوبة مشهورون بين السُّودانيين بطيب المعشر والأمانة والطاعة والأخلاق الحميدة، والمجاملة الشديدة. لهذا هم دائماً ضحايا في كثير من الأحيان لهذه الصفات النبيلة، مثلما يمكن أن يحدث لبعض الذين جمعتهم الأنشطة والمناسبات الاجتماعيَّة مع الكاتب. فالحديث المعارض والمؤيد للحكومات المتعاقبة في السُّودان بين كل السُّودانيين – خاصة في الخارج –شيء طبيعي ودائم الحدوث. وفي بعض الأحايين يصل عدم التوافق على رأي إلى المشاجرة والخصام، ولكن سرعان ما تتبدَّت هذه المشاعر والعواطف الجيَّاشة. ولكن أن يصل الأمر بالكاتب أن يكتب ويقول مثل هذا الكلام عمن التقاهم، وربما أكل معهم "الملح والمُلاح" وشرب معهم ما شرب، أمرٌ عجيب! وماذا هو قائل لهم إذا هو التقى بهم مرة أخرى، أم سيكون ذاك من "فن الممكن"؟ أو "صناعة المستحيلات" في السياسة!


تناغم كل النُّوبة في مطلب الحكم الذاتي

تحدّث الكاتب عن تناغم جهود النُّوبة في مطلب الحكم الذاتي دون عرض لحججه التي يعترض أو يبرهن بها هذا التناغم. على أية حال، المعروف في الساحة السياسيَّة النُّوباويَّة – في الخارج والداخل أنَّ هناك أربعة تيارات: الموالون للحكومة والمؤلفة قلوبهم (إذا جاز التعبير) والمحايدون والمعارضون! لقد حاولت الحكومة بإستراتيجيتها جمع هذه التيارات فيما يعرف بالحوار النُّوباوي – نُّوباوي ثم إلحاقهم بالحوار الوطني الجاري الذي وجد نفسه في ورطة ويأس منه المتحاورون. لذا جاهرت قيادات بارزة في المؤتمر الوطني مثل الأستاذ علي عثمان محمد طه بانتقاد إطالة أمده وتشبيه انتظار الناس لمخرجاته بانتظار "شنطة الحاوي"، التي قد تخرج منديلاً أو حمامة.(30)
إذن، كيف بالكاتب أن يصب التهم المغرضة ضد كل أبناء النُّوبة في الداخل والخارج وباتجاهاتم السياسيَّة المختلفة بأنَّهم يحبكون المؤامرات ضد الدولة في اجتماعاتهم الخاصة والتي كان شريكاً فيها وحاضراً بينهم؟ لا نرى منطقاً سوياً لزراعة الشوك والفتن بهذه الطريقة بدلاً من أن يعمل أبناء ولاية جنوب كردفان خاصة الذين نالوا قصداً من التعليم الرفيع وبالأخص في دول المهجر المتقدِّمة مثل ألمانيا وغيرها ولأطول مدد في تغيير المفاهيم التي تجر أهلهم إلى الوراء.


الحكم الذاتي: لماذا الآن؟

أعاد الكاتب السؤال عن لماذا تبنَّت الصفوة السياسيَّة لأبناء النُّوبة المطالبة بالحكم الذاتي، وزاد عليه بالاستفسار عن التوقيت؛ وتساءل هل الصفوة مدركة بمآلات المطلب وانعكساته على مستقبل "علاقاتهم السياسيَّة، والاجتماعيَّة مع بقية النسيج الاجتماعي في الولاية من ما لا يشاركونهم الانتماء السياسي لرؤية السودان الجديد، و ما أكثرهم؟" ومضي يُذكِّر المطالبين بالحكم الذاتي بأنَّه ليس "بالأمر الهين" وأنَّ الدعوة في حد ذاتها بها غموض، ومحفوفة بالتعقيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي"، ووضع علامة الاستفهام بسؤال عن "فماذا وراء الأكمة؟". لقد أجبنا في الصفحات الماضية عن سؤالين: لماذا وماذا يريد النُّوبة، وحرى بنا التعليق على الاستفسار عن التوقيت بالذات وبقية الأسئلة.
لقد وضح جليَّاً أنَّ حكومة المؤتمر الوطني لا تريد أن يتقدَّم الإقليم ولا إنسانه وهذا واضح من الاستهداف المستمر بالقتل والتشريد لإثنية النُّوبة بدلاً من حمايتها وتوفير الأمن والاستقرار لها، ولعلَّنا قد أوضحنا معنى الاستهداف في الصفحات الماضية. فمن ذا الذي لا يسمع ويقرأ ويرى بأم عينيه المشاهد الفظيعة لأشلاء أطفال النَّوبة تتناثر قطعاً قطعاً بآلة الحرب الحكوميَّة؟ فمن أحدث هذه المشاهد والصور مجزرة أطفال هيبان. (31) وما يدمي الفؤاد أنَّها ليست ولن تكون الأخيرة في بلدٍ تحيط به الحروب من كل الجهات. أما السؤال عن إدراك النُّوبة بمآلات مطلبهم وانعكساته ففيه نوع من الاستخفاف بهم والتسخير منهم. النُّوبة مدركون تماماً لمآلات ما هم مقدمون عليه وإنَّ الطريق لوعرة، وإنَّ المخاطر لكبيرة، ولا مناص لأنَّ عسر المهمة لا يعفي من جهد المحاولة عساهم أن يقاربوا التوفيق، ولعلَّ الوعي بالمصاعب الحقيقيَّة هو في حد ذاته نوع من تجاوزها.(32)


علاقات النُّوبة السياسيَّة والاجتماعية في المستقبل

لقد تعرَّض الكاتب لمستقبل العلاقات السياسيَّة والاجتماعيَّة مع اختلافاتها وربطهما بالنسيج الاجتماعي (ربما يعني الإثنيات غير النُّوباويَّة) في الإقليم. نقول إنَّ الفهم الصحيح للأسباب التي أدت إلى تلك الشروخ وحلها ستقود حتماً إلى عودة هذه العلائق، بل بصورة قد تكون أقوى مما كانت عليه. إنَّنا واثقون من ذلك لأنَّه حدث تضليل منظَّم لشعب جنوب كردفان، مما أدى إلى هذه الشروخ. وحديث اختلال النسيج الاجتماعي في المستقبل فيه خطل، ولا معنى له وأنَّه تحصيل حاصل. فالشرخ في النسيج الاجتماعي لم يقتصر على جبال النُّوبة فحسب بل حدث في كل أنحاء السُّودان. ففي أيام الزمن الجميل، وعلى الرغم من التباين في الانتماء السياسي عاش مواطنو الإقليم والسُّودان في أمنٍ وسلام ووئام، إلا من بعض المناوشات، والتي كانت تحل حتى على مستوى الإدارات الأهليَّة والتفاهمات القبليَّة. لذا كانت الصداقات أو العلاقات متينة بين النُّوباوي والفلاتي، والبرقاوي، والبرناوي، والحازمي (الحوازمي)، والفوراوي والجلابي، والذين لم يذكرهم الكاتب لسبب ما على الرغم من دورهم الفاعل في الولاية. فعلاقات النُّوبة الاجتماعيَّة مع من ساكنهم الديار لا تختلف كثيراً عن علاقة النُّوباوى بالنُّوباوى. لقد كانت هذه العلاقات بغض النظر عن الانتماءات السياسيَّة والدينيَّة من أقوى عوامل الوحدة في المنطقة، وكان من الممكن أن تكون النموذج الأمثل للسُّودان لولا تبنِّي بعض العناصر ثقافة التفرقة العنصريَّة. إنَّه من الصعب ألا يجد الفرد في جبال النُّوبة قبيلة غير نوباويَّة لم يتزوَّج أحد أفرادها بزوجة نُّوباويَّة الأصل. وبسبب هذا التزاوج اختلطت دماء "النُّوباويَّات" بهؤلاء، ونتيجة لهذا أصبح النُّوبة "خيلان" أولادهم، وفي السُّودان يُقال الوالد خال! فكيف أن ينكر ويتنكر عليه لو لا التضليل بأنَّ "خيلانه" أقل شأناً.
من المؤسف أنَّ هذه العلائق قد شُوِّهت وبدأ هدمها فى منتصف الثمانينيَّات ثُمَّ دُمِّرت تماماً فى تسعينات القرن المنصرم وبداية القرن الحالى بتأجيج نار الفتنة ثُمّ إحداث شرخ كبير فى هذه العلائق كما أسلفنا الإشارة إليها. ونحن نرهن عودة العلاقات إلى ما كانت عليه إذا تفهَّمت العناصر المتساكنة عمق ومعنى هذه العلاقات الدمويَّة، فالدَّم أثقل من الماء كما يُقال، والقول حقيقة!


تعدُّد التوجُّهات السياسيَّة: السُّودان الجديد بديلاً

تطرَّق كاتب المقال إلى تعدُّد التوجُّهات السياسيَّة في المنطقة. نوافقه هذا الرأي بأنَّ هذا التعدُّد ظاهرة صحيَّة، ولكن ينبغي أن يسود منصات الأحزاب السياسيَّة النقاش الموضوعي والبنَّاء للقضايا المطروحة. بالإضافة إلى ذلك ليس من الضرورة أن يتوافق الشعب في رؤية سياسيَّة واحدة، وإذا كان الأمر كذلك لما كان في السُّودان أكثر من مائة حزب. فكل حزب له رؤيته الخاصة به في كيف يُحكم السُّودان غير أنَّ هناك من يرى مَنْ يحكم السُّودان وعلى الرغم من ذلك تتميَّز اللعبة السياسيَّة بالدينامية والتغيُّر حسب المتغيرات. لذلك تجد ألدَّ خصوم الأمس من أقوى أصدقاء اليوم، والعكس صحيح، وهكذا دواليك. وفي العرف السياسي أيضاً نسمع بمصطلح "التحالفات السياسيَّة". كل هذه المعطيات تدل على المتغيرات الآنيَّة والمتوقعة في المستقبل القريب والبعيد. وكما أشرنا سابقاً، لقد كانت العلاقات السياسيَّة بين النُّوبة والكيانات غير النُّوباويَّة قوية، بل وصلت درجة العمل معاً في دوائر جغرافيَّة واحدة لتعضيد بعضها البعض ضد من لا يتفق معها في البرامج السياسيَّة من الأحزاب الأخرى. ما الذي يمنع أن تحدث مثل هذه التحالفات مستقبلاً؟ السُّودان الجديد الذي تنادي به الحركة الشعبيَّة هو مفهوم متقدِّم يقوم على ثقافة العدالة والمساواة لكسر الحلقة الخبيثة في السياسة السُّودانيَّة. عليه، يمكن أن يقوم به أي تنظيم سياسي إذا ما توفَّرت لديه الإرادة السياسيَّة لبسط العدل ومحاربة الفساد بكل أنواعه.


تحليل وتنبيه

وقبل ختام الجزء الأول من المقال ذكر الكاتب بأنَّه لا يعلم الإجابة على تساؤلاته، ولكنه يخضعها لتحليل ولتنبيه الحكومة وأخوته من أبناء النُّوبة بأنَّهم يخططون للفشل إذا أصروا بالمضي قدماً بهذا المشروع السياسي! ونحن نقول مثل هذا الحديث قرأناه في تاريخ السُّودان المعاصر والحديث، وسمعنا بعضاً منه بآذاننا، بل حضرنا بعض النقاش الحاد بين الشماليين والجنوبيين بهذا الخصوص. كان الفريق الأول يراهن على فشل "مخطط الجنوبيين للحكم الذاتي"، ولكنهم نجحوا في تحقيقه بالكامل العام 1972م ضمن السُّودان الواحد بموجب اتفاقية أديس أبابا، ولكن حنثت الطبقة الحاكمة العام 1983م ورمت بالمعاهدة في مزبلة التاريخ، كما يقولون. من الجانب الآخر، كان الانفصال بعيداً عن الأذهان كالمسافة بين السماء والأرض أو الليل والنهار، ولكنه تحقَّق في خاتمة المطاف بعد تقتيل وتشريد ومعاناة شديدة. بالطبع لن يكون ما يخطط له أبناء النُّوبة "بالأمر الهين"، وممكن أن يكون من "صناعة المستحيلات" في السياسة أو من "فن الممكن" في السياسة. ومثلما ذكرنا آنفاً، إنَّ إصرارهم على الخيارين (الحكم الذاتي وتقرير المصير) ونجاحهم فيه مرهون بتصرفات الحكومات المركزيَّة الحالية والحكومات التي ستتعاقب على حكم البلاد حيال "رؤية سُّودان جديد". السُّودان الذي يرى السُّودانيون أنَّهم ينتمون إليه جميعاً دون تمييز أو تفضيل عرقي أو إثني أو ديني.


ماذا وراء الأكمة؟

وأخيراً ختم الكاتب الجزء الأول من مقاله بسؤال يتكوَّن من ثلاث كلمات دون إجابة وهي: "فما وراء الأكمة؟" بالطبع هذا مثل يُضرب دائماً للتعبير عن أمر مريب، أو مكيدة وراء شيءٍ ما، ولكننا نصر كل الإصرار أنَّ أبناء النُّوبة واضحين جداً في رؤاهم حول قضية السُّودان والإقليم، ولئن اختلفت تلك الرؤى. فمنهم من يؤمن بالسُّودان الموحَّد على أسس جديدة، ومنهم من يرى "الانفصال الكامل الدسم" في حالة إصرار النخبة الحاكمة على الازدراء والإقصاء، والبعض الآخر يعتقد في الحكم الذاتي الجاد كحد أدنى ضمن دولة السُّودان. هذه الرؤى هي "ما وراء الأكمة"؟


الخلاصة

نخلص في خاتمة هذا التعليق إلى أنَّه في مقدور أهل الإقليم إدارة شئونهم على قدم المساواة في إطار السُّودان الموحَّد المسالم مع نفسه. لم يطالب الجنوبيون بالحكم "الذاتي الفيدرالي" كما ذكر الكاتب، وأنَّما بالحكم الفيدرالي الحقيقي غير المزخرف بعبارات "سنوليه الاعتبار الكافي".
حاول الكاتب لي عنق رؤية المعلِّم يوسف كوة مكي الواضحة حيال قضية الحرب والسلام في السُّودان: وحدة السُّودان على أسس المواطنة المتساوية في الواجبات والحقوق وأنَّ النُّوبة هم من سيحددون مصيرهم. كما حاول الحديث الناقص عن المشورة الشعبيَّة وإجراء مقاربة أو مقارنة غير واقعية بين ما حدث في جنوب كردفان/جبال النُّوبة وفي إقليمي آشي بأندونيسيا، والهوسا بنيجيريا.
اتهامات الكاتب بتناغم الأجندة السياسيَّة لأبناء النُّوبة غير مسنودة ولا حقيقيَّة. فضلاً عن أنَّها تدعو إلى الفتنة لزحزحة العلاقات السياسيَّة والاجتماعيَّة المستقبليَّة بين سكان الإقليم إذا عم السلام ربوع الوطن. سيكون رد أبناء إقليم (ولاية) جنوب كردفان/جبال النُّوبة على هذه المزاعم توحيد كلمتهم من أجل رتق النسيج الاجتماعي الذي مزَّقته الحرب حينما يحل السلام والأمن والاستقرار الذي ينبغي العمل سوياً من تحقيقه.
في الحلقة القادمة (3 من 4) من الجزء الثاني من مقال الدكتور أحمد الحسب سنلقي الأضواء على العقبات المحتملة في الترتيبات الدستوريَّة عند خطط إنشاء ولايات إضافية بجنوب كردفان، واتفاقية نيفاشا وتكريسها للحكم الفيدرالي كما زعم. كذلك سنعالج قضية الأمن القومي التي أثارها وتاريخ ولاية غرب كردفان وأزمة الحكم الذاتي التي ذكر أنَّها تتمثَّل في مساحة وقلة موارد ولاية جنوب (جنوب كردفان)!!

[email protected]
انظر رابط الجزء الأول
http://www.alrakoba.net/articles-act...w-id-67436.htm


المراجع والهوامش

(20) الدكتور سلمان محمد أحمد سلمان، انفصال جنوب السودان: دور ومسئولية القوى السياسيَّة الشمالية، مطابع (إم.بي.جي) لندن، 2016م.
(21) نفس المصدر أعلاه.
(22) Alier, A, Southern Sudan: Too Many Agreements Dishonored; Ithaca Press: Exeter, 1990.
(23) الدكتور قندول إبراهيم قندول، المشورة الشعبيَّة: وصفة لصراع جديد في جبال النُّوبة، جريدة سودانايل، 8 نوفمبر 2008م. كذلك يمكن الرجوع إلى ما كتبناه عن نفس الموضوع في المواقع العنكبوتية المختلفة باللغتين الإنجليزيَّة والعربيَّة، 2008م.
(24) الدكتور عمر مصطفى شركيان: النوبة في السُّودان.. نضال شعب في سبيل العدالة والمشاركة في السلطة، دار الحكمة، لندن، 2006م.
(25) الدكتور عمر مصطفى شركيان، السُّودان: انتفاض مواطني المناطق المقفولة، الشارقة، 2010م.
(26) الدكتور عمر مصطفى شركيان، في النزاع السُّوداني: عثرات ومآلات بروتوكول جنوب كردفان والنيل الأزرق، القسم الثاني: خواطر عن بطل وأهله، صفحات 147 -226، مطابع (إم. بي. جي)، لندن، 2015م..
(27) Declaration on the Granting of Independence to Colonial Countries and Peoples.
http://www.un.org/en/decolonization/declaration.shtml

(28) الدكتور قندول إبراهيم قندول، المشورة الشعبيَّة: وصفة لصراع جديد في جبال النُّوبة، جريدة سودانايل الإلكترونيَّة، 8 نوفمبر 2008م.
(29) قانون المشورة الشعبيَّة لجنوب كردفان/جبال النُّوبة والنيل الأزرق لسنة 2009م.
(30) على عثمان محمد طه، انحراف الحوار الوطني وضياع المعنى الأسمى للمبادرة، جريدة السُّودان اليوم الإلكترونيَّة، 15 يونيو 2016م.
(31) في الأول من مايو 2016م قامت طائرات حكومة المؤتمر الوطني بقصف مدينة هيبان بجبال النُّوبة، مما أدى إلى مقتل الأبرياء من المواطنين العزل ولا سيما 6 أطفال من أسرة واحدة تتراوح أعمارهم بين 2-12 سنة. والأطفال (رحمهم الله) هم: نضال عبد الرحمن إبراهيم التوم (12)، وإبراهيم عبد الرحمن إبراهيم التوم (4)، وجماع عبد الرحمن إبراهيم التوم (3)؛ كوكو الدولي (4)، وكُتي حافظ محمود (5)، ويوسف يعقوب عمر (4). لم تكن هذه المجزرة هي الأولى ولا ستكون الأخيرة ضد هذا الشعب المسكين ما دام هذا النظام قائماً.
(32) الدكتور قندول إبراهيم قندول، مدخل لدراسة قبيلة روفيك (دميك)، الحياة الاجتماعيَّة والثقافيَّة والدينيَّة، جبال النُّوبة – السُّودان، مطابع (إم. بي. جي)، لندن، 2015م.








تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1498

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1520819 [Angabo]
1.00/5 (1 صوت)

09-19-2016 02:53 PM
....يظل عدم المساس بأصل المشكلة الكامن في طبيعة تلك النظرة الدونية المعني والإقصائية المرمي من جانب المركز لباقي الأقاليم، وتحكمه بالتمسك بالسلطة كابرا عن كابر، هو ما سيجعل من كل حلول التجزئة التي يفرضها النظام الحاكم في السودان، وتقريرات المصير المحتملة وحتي الإنفصال الذي وقع من ناحية أخري، كعمليات تفريق بين خصمين متي ما وجدا فرصة للتقاتل تقاتلا، وهذا ما نجده ماثلا في طبيعة تفجر الوضع الحدودي بين دولة جنوب السودان والسودان، مما دفع بالأولي إلي تجربة الحرب مع الدولة الأم وهي بعمر لا يتجاوز العام! وعليه، فإنه حتي مع محاولة التطبيب بالتكامل الثقافي بين الشمال والجنوب في أعوام 1965م، عبر منع المدارس التبشيرية وتوحيد المنهج التعليمي بالسودان علي طريقة التغني بنشيد "صديقنا منقو –قل لا عاش من يفصلنا( )" وغيره، وما تبع ذلك من أغنيات( ) معتبرة في ذلك الإتجاه، فقد كانت قابلية ظهور ذات الأعراض لذات المرض الكامن هي الأكثر إحتمالا، وهذا ما أدي بدوره لتجدد الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب في العام 1983م بعد إتفاق الوحدة الوطنية عام 1973م، وأدي لإنتقالها وإستنساخها بذات الأعراض والكوامن لدارفور عام 2004م ولشرق السودان عام 2005م وللجنوب الجديد للسودان –ولايات النيل الأزرق وجنوب كردفان عام 2010م، والمستمرة حتي كتابة هذه الأسطر!.

منقول من درافت كتاب: ثورية تحرير السودان
وتحديات المواءمة
بين واقع مألوف ومستقبل مأسوف

[Angabo]

#1520769 [حمر طرطور]
1.00/5 (1 صوت)

09-19-2016 12:33 PM
تكمن المشكلة فى النظرة القبلية والاثنية لاسباب الصراع وليس الخلافات السياسية وهى مشكلة معقدة لا حل لها الا بالحرب واستئصال الطرف الاخر . وعليه فان العنصرية ثمنها غالى جدا لمن يفهم السياسة

[حمر طرطور]

بقلم الدكتور/قندول إبراهيم قندو
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة