المقالات
السياسة
ذكريات معتقل علي جدار التاريخ
ذكريات معتقل علي جدار التاريخ
09-20-2016 04:59 AM

الحلقة الأولى(1)←
___________

4/9/2011 - 11/9/2011

سأروي لكم تجربتي مع معتقلات المؤتمر الوطني في عهد الظلم والإستبداد، والذي ما زلنا نقاومه مع شعبنا بكل صمود وثبات، ولا تراجع عن المطالبة بدولة الحرية والسلام والديمقراطية، وتعتبر هذه نقاط قليلة جدا من عدد حكاوي وروايات المعتقلين السياسيين في البلاد.
ففي إحدى الأيام من العام 2011م، اخذت حقائبي وتوجهت من سنار الي كادقلي، في رحلة ذات طابع سياسي وسياحي.

• سياسيا»»» ذهبت الي كادقلي من أجل مساندة رفاقي في الحركة الشعبية لتحرير السودان، في حملة الإنتخابات التكميلية، التي يخوضها مرشح الحركة الشعبية ورئيس هيئة أركان الجيش الشعبي قريبا ونائب رئيس الحركة الشعبية حاليا القائد عبدالعزيز آدم الحلو.

• سياحيا»»» كنت اسمع من الرفاق والأصدقاء أحاديث وحكاوي مثيرة عن جمال الطبيعة في كادقلي، وطيبة شعبها المتسامح والذي يعيش الحياة (ببساطة) لا تخلوا من السعادة والمرح وتعبر عن جمال الإنسان السوداني، ولأنني احب واعشق الطبيعة والتعرف علي الثقافات السودانية وطبائع المجتمعات، شدني (الخاطر) الي تلك المدينة الجميلة التي تحولت اليوم الي حطام.
ففي اليوم الثالث لوصولي الي كادقلي، اجبرتني الظروف للعودة الي الخرطوم، ومنها الي مسقط رأسي سنار، وبعد مغادرتي منها سمعت من احد الرفاق أنباء مؤسفة عن هجوم قوات المؤتمر الوطني علي جنوب كردفان، ورفض نظام المؤتمر الوطني الإعتراف بالإنتخابات التكميلية، بعد تأكد النظام في الخرطوم من تقدم القائد عبدالعزيز الحلو والذي يجد تقدير واحترام شعوب المنطقة.
وقتها تساجلنا مع عدد من الرفاق ومنسوبي الأحزاب السياسية المعارضة وبعض المواطنيين، حول مآلات الصراع السياسي بجنوب كردفان وهجمة النظام الغير مبررة، ولم نصل إلا لنتيجة واحدة هي؟ سعي النظام لدق طبول الحرب.
جلس رئيس الحركة الشعبية الرفيق القائد/ مالك عقار مع وفد الحكومة بقيادة د/ نافع علي نافع وتم توقيع إتفاق إطاري بهدف ترتيب اوضاع السودان بعد انفصال دولة جنوب السودان، وقتها حسبنا أن الأوضاع تسير في الإتجاه الصحيح، لكن اتضح فيما بعد اننا كنا مخطئين في تقيم الوضع السياسي، فلم تمر ساعات علي توقيع الطرفين علي الإتفاق الإطاري، إلا والنظام الإنقاذي يسوق جنوده ويزحف بكل آلياته العسكرية نحو إقليم النيل الأزرق، وفي ليلة مظلمة اتصل بي احد الرفاق وابلغني بنشوب صراع في النيل الأزرق ولا احد يعرف ماذا حدث هناك. بعدها بيوم واحد قامت قوة من الأجهزة الأمنية بمحاصرة دور الحركة الشعبية بتوجيه من السلطات العليا في البلاد، وبلغنا أن دورنا بولاية سنار تمت محاصرتها بالكامل، بحيث لا مجال لدخولها ولو علي (جناح طائر البجع)،
وفي صباح اليوم التالي خرجت كالعادة الي (القهوة)، وفي رأسي تدور الأسئلة والتوقعات والإحتمالات والمقترحات والتي تحدها ملايين الإستفهامات، ولم يأخذ ذلك وقت حتي اتصل بي احد الرفاق من الحزب الشيوعي ودعاني الي جلسة علي ضفاف النيل، وبالطبع لبيت دعوته وذهبنا الي حيث مكان الجلسة، وكانت مسائل النيل الأزرق وجنوب كردفان ومستقبل السودان محاور أساسية في حديثنا العفوي.
وبعد مرور ساعات علي ضفاف النيل إستدعى القدر عودتي الي منزلنا الكامن بحي النصر - مايرنو، وعند وصولي الي المنزل وجدت ما يقارب الثلاثة عربات لاندكروزر تتبع لجهاز الأمن والمخابرات الوطني، تحيط بالمنزل من كل جانب وفي انتظار عودتي.
جئت اليهم مستفسرا عن سبب تواجدهم، فردوا بأنهم يردون أخذي معهم دون تبرير السبب، فاستأذنتهم أن ادخل المنزل لأودع والدتي فوافقوا علي ذلك.
خرجت اليهم بعد اقل من خمسة دقائق، وتم وضعي داخل إحدى العربات (البيضاء)، وتوجهنا الي قسم شرطة مايرنو بحي النصر، وهناك تحدثت لقائدهم لا اعرف اسمه مستفسرا عن اسباب القبض علي، اجابني بأنهم ينفذون أمر صدر من الجهات العليا لإعتقال قيادات واعضاء الحركة الشعبية، صمت وقتها وعرفت أن الوضع قد وصل الي منتهاه، وبعد نصف ساعة تم ترحيلي الي معتقل جهاز الأمن والمخابرات بحي البنيان - سنار، فوجدت هناك عدد كبير من قيادات الحركة الشعبية يجلسون في (هوش المعتقل)، وأخذت الي زنزانة (متر في مترين)، بها نافذة صغيرة تطل علي إتجاهها الشمالي، ولم التقط انفاسي حتي داهمني (الباعوض) وبت لا أرى شيئا امامي من شدة الظلام.
وبعد ثلاثة ساعات جاء عدد من افراد جهاز الأمن يسوقون رجل اسمراني اللون وأبيض الرأس ذو قامة سمهرية، ميزت ملامحه من خلال ضوء (الكشاف) الذي كان بيد أحدهم، اجلس الرجل بجانبي في (زنزانتنا الجميلة)، وبعد ساعة سألني (من أنا ولماذا تم اعتقالي) واجبته عن اسئلته، ولما جاء دوري في السؤال اتضح لي انه رئيس حزب المؤتمر السوداني الأستاذ/ الماحي محمد سليمان، فتذكرت لقائنا في بعض المناسبات السياسية دون تعارف واحتكاك قريب.
أتت الساعة الحادية عشر مساء، وجاء احدهم مناديا بصوت غليظ .. اخرجني الي مكتبهم الملاصق لمكان الحبس، حيث بدء استجوابي من قبل شخصين أحدهم يسأل والثاني يضرب ويرهب، ومن الأسئلة التي اتذكرها واوردها الصحفي حسن اسحق في تقريره الذي نشر في الصحف الإلكترونية (معتقلون سابقون يكشفون عن عنصرية جهاز الأمن)، كانت كما يلي.
1- ما هو منصبي في الحركة الشعبية.
2- ما هي طبيعة العلاقة مع القائد مالك عقار رئيس الحركة الشعبية.
3- اين باقي الرفاق الذين غادروا الولاية بعد تفجر أحداث النيل الأزرق.
وكانت إجاباتي علي اسئلتهم كالأتي.
1- انا عضو في الحركة الشعبية لتحرير السودان.
2- لا توجد علاقة شخصية بيني والقائد عقار إلا في الإطار التنظيمي ولم التقي به إلا مرة واحدة في احتفال اقيم بالنيل الأزرق.
3- لا اعرف اين ذهب باقي الرفاق بعد قيام الحرب في النيل الأزرق.
وهناك اسئلة واجوبة آخرى لا استحضرها بسبب توتر اعصابي في ذلك الوقت مع سخونة المعاملة.
واستمر الإستجواب علي ثلاثة مراحل في ثلاثة ليالي، اعتقد انهم يريدون التأكد من الأقوال التي قلتها في المراحل السابقة.
وبعدها جمعنا جميعا في (زاوية - مسجد صغير) داخل المعتقل، وطلب منا التنازل عن الأراء السياسية أي بمعنى التخلي عن الحركة الشعبية، وذلك في سؤال مباشر وجهه فرد جهاز الأمن يدعى (محمد علي) ، لكنا جوابنا بأننا حركة شعبية، إلا القليل منا، هم الذين لم يتحملوا مشقة المعتقل فقال احدهم (نحن شعب سوداني وليس حركة شعبية).
مرت ستة (6) ليالي علي هذا المنوال بين الشد والجذب والمسرحيات الأمنية والسياسية، حتي جاء مدير جهاز الأمن والمخابرات الوطني (محمد عطا) في زيارة الي المعتقل والمعتقلين، فجلس معنا متحدثا عن حالة الطوائ المفروضة في المنطقة، ومحذرا من أي نشاط سياسي للحركة الشعبية في سنار وخارجها، ثم طلب منا التحدث عن معاملتنا خلال الستة ايام السلفة من قبل جهاز الأمن، وتركنا الحديث للذين اعلنوا انسلاخهم من داخل المعتقل، وشخصيا لم اتحدث لكوني اصغر المعتقلين سنا وخبرة، فتم تفويجنا بعدد (2 الي 3) في خروجنا من المعتقل بفارق وقت يقدر بساعة بين خروج فوج وآخر.
عدت الي منزلنا وعرفت أن جهاز الأمن قام بتفتيش المنزل اثناء فترة اعتقالي، ولفترة طويلة كنت اشعر بالمراقبة اللصيقة حول المنزل والأماكن العامة التي اتواجد بها بشكل شبه يومي، ثم تحولت المراقبة الي ارسال بعض منسوبي المؤتمر الوطني لمناقشتي عن رأي ولوني السياسي، بهدف معرفة توجهاتي بعد حظر نشاط الحركة الشعبية.
توقف نشاطنا في الحركة الشعبية من النواحي التنظيمية علي أرض الواقع ووسط الجماهير، لكنا اخترنا منصات آخرى لنشر فكرنا ورأينا السياسي وتثبيت مشروع السودان الجديد، وكنا نعاون منظمات المجتمع المدني والأحزاب التي بيننا وإياها مساحة قضية ووطن في نضالها وكفاحها ضد سياسات النظام الحاكم، وهي تعاملنا باحترام وتقدر موقفنا ووضعنا الراهن، ونسعى معا من أجل الوصول الي دولة ديمقراطية حرة.


سعد محمد عبدالله


[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1636

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




سعد محمد عبدالله
سعد محمد عبدالله

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة