عم سيد
09-21-2016 03:34 PM


في هُدوءٍ وبساطة يشبهانه تماماً انسحب عم سيد من الدنيا، ترك الجمل بما حَمَلَ وَمَضَى طاهراً ونظيفاً من كل درن الدنيا. فقد نعت أخبار حلفا الجديدة رحيله صباح أمس، بعيداً عن العاصمة وصحفها وصحفييها، بعد أن عاد لمدينته منذ سنوات، ولم نعد نسمع عنه شيئاً.
سيد علي كرار، عرفنا الاسم ونحن صغار، كان من الأسماء المعروفة للصحفيين الكبار، خَاصّةً في مجلة الشباب والرياضة، يوم كانت مجلة يسعى وراءها الناس ويتدافعون للمكتبات لشرائها، هي ومجلة الإذاعة والتلفزيون.
لا أعرف متى وأين بدأ عم سيد عمله الصحفي، وبالتأكيد قد عمل في عدة صحف، لكن اسمه رَسخَ في ذهني وذهن جيلي مع مجلة الشباب والرياضة في السبعينات مع أسماء أخرى ارتبطت بالمجلة، ومنها حسن أحمد التوم والد زميلنا الطاهر حسن التوم، وآمال سراج وآخرين. كانت مجلة منوعة ومُمتلئة بالمواضيع التي تجذب الشباب، بعضها مُوجّه سياسياً لخدمة نظام مايو، لكن في نفس الوقت كانت تناقش كثيراً من القضايا الاجتماعية والثقافية والفنية.
اختفى عم سيد علي كرار عن الذاكرة، حتى التقيت به في صحيفة "الأضواء"، حيث جاء به الأستاذ كمال حسن بخيت مديراً للتحرير، ثم ترك الأستاذ كمال رئاسة التحرير، وورثت منه الوظيفة. كان رجلاً بسيطاً ومُتواضعاً، يعرفه الجميع باسم عم سيد، لا يُفارق الجلابية والعمامة أبداً، حتى في ساعات العمل.
الصورة الأولى قد تَعطيك انطباع أنّه شخصٌ مُنطوٍ، لكن ما أن تُبادر بالاقتراب منه حتى تكتشف شَخصاً لَطيفاً ومَرحَاً، وجُرابه ملئٌّ بالحكايات. كان يؤدي عمله في هُدوءٍ، لا تسمع صوته أو حركته، إلاّ حين يقهقه بضحكته المُميّزة، التي سُرعان ما يقطعها. يغرق في الورق أمامه وهو يعمل بلا كَللٍ أو مَللٍ، لا يتحرّك إلاّ حين يدفع بالورق لسكرتارية التحرير.
عَم سيد من جيل صحفيي الوسط، وهؤلاء غالباً من مَظاليم الصحافة، ظَلُّوا يَعملون في المهنة لسنواتٍ طويلةٍ، ويُؤدُّون مُعظم العمل الداخلي في مطبخ الصحيفة، لا تستطيع الصحف الاستغناء عنهم، لكنها لا تعطيهم اسماً ولا شهرةً. لم يسعوا وراء نجومية ولم يخلقوا أسماءً كبيرة، وحين يمضون يفعلون ذلك بنفس الهدوء الذي عاشوا به. كان المرحوم حسن الرضي، أشهر سكرتيري التحرير في الصحافة السودانية، من هذه النوعية، وقبل أيام قرأت نعي الأستاذ أحمد حسن محمد صالح "احميدي" الصحفي والمُترجم البارع، الذي غادر المهنة قبل سنوات قليلة بعدما كان يكتب عموداً بالزميلة "الرأي العام"، ومضى أيضاً يلفه نفس الصمت.
هل هذه المهنة جاحدة، أم أنّ الوسط الصحفي هو الجاحد؟ يعطيه الناس كل أعمارهم وجهدهم، ثم يخرجون بلا مَعاش أو مُكافآت أو ضمان اجتماعي لما تبقى من عُمرهم. كان أحد أقرباء صديقي وزميلي الصحفي المهاجر محمد محمود راجي يحاول إقناعنا بترك هذه المهنة والبحث عن مهنة أخرى. وذات يوم أوقف سَيّارته في الشارع ليشير لراجي لرجل يسير في الشارع راجلاً ومجهداً، وسأله: هل تعرف من هذا؟ إنه رحمي سليمان، كان علماً في رأسه نار، وها هو يسير راجلاً، ولا يعرفه أو يحفل به أحدٌ.
رحمهم الله جميعاً وتولاهم بالرحمة والمغفرة، وليغفر لنا نسياننا وتجاهلنا لهم.

التيار


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 3636

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1522579 [عبد الرحمن محمد الحسن]
0.00/5 (0 صوت)

09-23-2016 08:22 AM
رحم الله سيد على كرار.. ورحم الله الأحياء من زملائه

[عبد الرحمن محمد الحسن]

#1522300 [زعيم الزهاجة]
0.00/5 (0 صوت)

09-22-2016 03:47 PM
نسأل الله الرحمة والمغفرة لعم سيد علي كرار عفيف اليد واللسان ،أذكر في مرة جاء الي مكتب الصحيفة متأخراً علي غير عادته وقد كان المسؤول الاول عن الصحيفة واول من يصل الي المكتب، ولما سألته بقولي ان شاء الله خير يا استاذ ،رد علي قائلاً وهو متحسر وحزين: هل تصدق شلت قروش المواصلات من ابوي ؟ ، الاستاذ سيد علي كرار من خريجي كلية غردون ـ جامعة الخرطوم الآن ، وقضي معظم سنوات عمره في مجلة الشباب والرياضة التي كانت تتبع لوزارة الرياضة .

[زعيم الزهاجة]

#1522042 [abdulbagi]
0.00/5 (0 صوت)

09-22-2016 06:29 AM
رحم الله سيد . كل الشرفاء الاوفياء لمهنتهم ووطنهم يرحلون فى صمت . بوقعون اسماؤهم فى دفتر الوطن ويرحلون فى هدوء. يخرجون من هذه الدنيا كما دخولها لايملكون شيئا من حطام الفانيه غير حب الناس .

[abdulbagi]

#1521883 [برعي]
0.00/5 (0 صوت)

09-21-2016 04:24 PM
السودان ومجتمعه لا يحترم او ينصف الا الحراميه اصحاب العاهات ، اما بقية خلق الله وخصوصا المثقفين والافنديه بكافة اشكالهم فهم ياتون ويذهبون في صمت مريع ....

[برعي]

فيصل محمد صالح
فيصل محمد صالح

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة