المقالات
منوعات
" ضنين الوعد " ...إلياذة الزمن الجميل !!
" ضنين الوعد " ...إلياذة الزمن الجميل !!
09-22-2016 09:14 AM


الأغنيات كما المدن ، منهن التى لا نشعر حتى بوجودها وكأنها لم تخلق البتة ، ومنهن التى نمر على شوارعها في ضجر ، ونعد الثوانى حتى نخرج منها ، و منهن التى نحتمل مبانيها و روائح ورودها لأيام قلائل ، ثم يعاودنا حنين الترحال ، فنسرج خيول قلقنا و نسرى بعيدا عنها وقد تلاشت ملامح شوارعها و مبانيها عن ذواكرنا ، و منهن الأغنية التبتل ، التى لا نسكنها نحن ، بل تسكننا هى ، تتخلل مسامنا ، تصبح جزءا من بصمات أيدينا ولون عيوننا و عطر أنفاسنا ، تغافلنا في وسط ضجيج أكواننا ، فتسطع في آفاقنا كما الفجر و تتماهى في وجداننا مع مفهوم الزمن الطويل !!
و" ضنين الوعد " تنتمى إلى هذه الفئة العبقرية ، فهى أغنية إلياذة ظلت محافظة على نضارة خديها لقرابة النصف قرن ، في وقت اضطرت فيه الكثيرات من رفيقات زمنها لاجراء بعض حماقات شد الوجه . و هذه الدرة الخالدة لم تسكر فقط خيال ووجدان المستمع السودانى العادى ، بل امتد تأثيرها حتى لزملاء " الكابلى " نفسه ، فاستفزت العظيم " محمد وردى " أن يطلب من شاعرها "صديق مدثر" ليكتب له نصا فصيحا فكانت رائعة " الحبيب العائد " !!
في زاوية ظليلة ما ، عند أطراف هذه الأغنية السفر ، و أنت على وشك أن تشمر عن ساقى ترقبك ، تصافحك نقرات الكمنجات سويا ، نقرات كمناقير عصافير تبحث عن حبات في سهل فسيح ، كنقزات ساقى درويش على باحة ذكر ، تلتف كمنجة يتيمة حول خواصر صويحباتها ، ثم ترتفع النقرات في تراتبية حلوة ، فاجة الطريق لصوت الكابلى الرخيم الفخيم :
يا ضنين الوعد أهديتك حبى من فؤاد يبعث الحب نديا
المحبوب هنا ضنين بالوعد ، و يرفض حتى أن يبذل العشم لعاشقه . بداية الأغنية إذن تحمل عتابا خفيفا شأن الكثير من أقاصيص العشاق : فالشاعر العاشق وهب محبوبه حبا نديا من فؤاد أخضر ربيعى الوهج . و لأن الكابلى ليس فنانا سطحيا يلحن و يتغنى دونما تمثل للمعنى فهو هنا يركز على عبارة " يبعث الحب نديا " كمقابل تراجيدي للضن بالوعد ، إنه يضغط على كلمات العبارة بتركيز مقصود إبرازا للمفارقة .
ثم من بين خيام هذا العتاب الهادئ الرقيق المألوف في الغناء السودانى و العربى ، تخرج صاهلة فتية خيول الكبرياء العظيمة :
إن يكن حسنك مجهول المدى فخيال الشعر يرتاد الثريا
كلما أخفتيه في القلب تنبى عينه عيناك و لا يخفى علىّ
أنا إن شئت فمن أعماق قلبى أرسل الألحان شلالا رويا
وأبث الليل أسرار الهوى وأصوغ الصبح ذوبا بابليا
لا تقل إنى بعيد في الثرى فخيال الشعر يرتاد الثريا
لم يسقط الشاعر هنا في فخ الغزل المجانى بالحديث عن ليل الشعر و حور العيون و مضيق الخصر وفتنة اللفتات ، بل استخدم عبارة كثيفة المعنى شديدة العذوبة لوصف حسن المحبوبة " مجهول المدى " ، ثم يأت التحدى الوسيم " فخيال الشعر يرتاد الثريا " . و" الكابلى " حين يبلغ كلمة "يرتاد " يمد الألف لتخرج "يرتااااد " و كأنه يريد أن يذكر المستمع بعظم المسافة إلى الثريا !! إن المحبوبة التى تضن بالوعد لا تعجز العاشق الشاعر القادر على تسلق حيطان خياله ليبلغها – المحبوبة - في فضاءاتها العذراء هناك ، تماما كما تسلق الأمير شعر محبوبته في الأسطورة الشهيرة . يستطرد الشاعر متحديا إنه يستطيع أن يقرأ كل ما تخفيه الحبيبة بين عينيها ، كيف لا و هو الشاعر القادر أن يسكب هواه في أذن الليل ويسكب الفجر خمرا في قوارير الحسن .
في الكوبليه الثانى تتهادى الكمنجات كما قوارب على بحر هادئ ، تهرول قليلا في فجاج النغم ، تهدأ و تدور كأنما فاجأها نعاس ما ، قبل أن يخرج صوت " الكابلى " من بين فجاج حوارها الحميم ، ساطعا كما الشمس ، مادا الألف فتخرج " كاااااان " منغمة من سندس صوته الفخم ، لتلتف الكلمة ذاتها بعد ذلك كما تلتف رياح البحر في أغوار مغارة شاطئية ، و ليصل إلى " لقانا عاااابرا " فتمتد الكلمة الأخيرة كما غيمة تعبر تخوم أثير أخضر :
كان بالأمس لقانا عابرا كان وهما كان رمزا عبقريا
كان لولا أننى ابصرته و تبينت ارتعاشا في يديا
بعض أحلامى التى أنسجها في خيالى وأناجيها مليا
هنا بدا لقاء الشاعر بمحبوبته كما وهم من فرط عذوبته ، لولا أنه – الشاعر - تبين ارتعاشات يديه الولهى ، و أحلامه التى خاطها في خياله لتصحب نديما يناجيه كثيرا . ثم تسكرنا بعد ذلك تلك الآهة الفريدة التى يطلقها " الكابلى " قبل أن يعرج على " يا ضنين الوعد " ، و هى آهة أشبه بآهته العبقرية الأخرى في " لو تصدق يا شباب عمرى المفتق " حينما يهتف من أغوار نفسه الشفيفة " آه لو بتعرف كيف تهش أشواقنا تسأل عن عيونك " .
ننتقل بشاعرية إلى الكوبليه الثالت ، خيول الكمنجات لا تزال تتراقص في نشوتها الذاهلة ، مع ذات النقرات الخفيفة :
ومضة عشت على إشراقها وانقضت عجلى و ما أصغت إليّ
كلمة خبأتها في خافقى و ترفقت بها برا حفيا
من دمى غذيتها حتى غدت ذات جرس يأسر شجيا
وافترقنا وبعينى المنى غالها الدمع فما أبصرت شيئا
إن تكن أنت جميلا فأنا شاعر يستنطق الصخر العصيا
إن تكن أنت بعيدا عن يدى فخيالى يدرك النائى القصيا
لا تقل إنى بعيد في الثرى فخيال الشعر يرتاد الثريا
هنا يسترجع "صديق مدثر " حكاية الحب العبقرى الذى أثمر هذا النص العظيم ، كيف أنه بدأ ومضة خاطفة عجلى ، ثم كلمة خبأها الشاعر في جب فؤاده ، و رواها من دمه و نبضه حتى صارت ترن كما قصيدة آسرة . ثم انقض القدر على وردة الود الجميلة فافترق المحب عن محبوبته ، و اغتال الدمع كل حلم و عشم بينهما . وفى خاتمة القصيدة يجدد الشاعر ثورته أنه إن كان المحبوب جميلا فهو – العاشق – شاعر ينطق الصخر العصى ، و إن كان المحبوب بعيدا في فجاج الأرض فالشاعر ذو خيال يرتاد كل بعيد قاص . هى إذن حوارية جمال الجسد و جمال الروح الخالدة !!
لقد سكب ابن الهاشماب العظيم " صديق مدثر " حشاشة فؤاده في هذا النص المكتوب في العام 1968 ، والذى قدر للعبقرى " عبدالكريم الكابلى " – و الذى كان لا يزال حينها يتلمس خطواته الأولى في درب الفن الطويل - أن يعثر عليه في جريدة ما ، و يعكف علي تلحينه ، مغطيا كلماته بغلائل من لحن شجى ، متغنيا به في شاعرية فذة استثنائية نادرة !!
" ضنين الوعد " أغنية رافقتنى عمرا طويلا و عاصرت معى مشاوير قديمة خصبة . هى أغنية لطالما جلست معى على طاولة قصية مع أناس تبقت من حكاويهم مجرد خيوط و صور : صور أهمها هذه الأغنية الكائن الحى !!
لو لم يقدم الكابلى في حياته الفنية أغنية غير "ضنين الوعد " ...لكفته !!
................
مهدى يوسف
جدة
20 سبتمبر , 2016

[email protected]



تعليقات 7 | إهداء 0 | زيارات 1275

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1522888 [خالد صالح خالد]
0.00/5 (0 صوت)

09-24-2016 07:39 AM
عندما استمع. ألعقاد لضين الوعد طالما هنالك شعراء في ألسودأن يستنطقون الصخر ويرتادون الثريا فالشعر بخير...شكرا (عد بي الي النيل) شفي الله سيدنا الدسوقي لقد عدت بي. الي كنا نطلق البخور لنستمع الي ضنين الوعد وحبيبة عمري...

[خالد صالح خالد]

#1522638 [عمر حمدالنيل]
0.00/5 (0 صوت)

09-23-2016 12:00 PM
مقال دسم و فخم عن اغنية لفنان عبقري . اسكرنى تحليلك المحب ، البعيد عن الاكاديمية الفجة

[عمر حمدالنيل]

#1522608 [شريفة شرف الدين]
0.00/5 (0 صوت)

09-23-2016 09:59 AM
إن النفوس العظيمة تنفذ إلى مكامن الجمال و لأنها عظيمة، لا تستأثر ذواتها بالتلقي الذي شعرت بل – شأن الحياة – تجدهم معطاءين جوادين بسخاء لغيرهم لقناعة فيهم أن الجمال يتمرد عندهم يتمرد على الاحتكار.

شاعر القصيدة .. القصيدة .. ملحنها و مؤديها .. و كاتبنا الذي بين أيدينا جمع بينهم الجمال المطلق .. جمال يدخلك بلا استئذان فيرتب داخلك المبعثر و يلفتك في زمننا المهرول أن ثمة ما يستوجب الوقوف و التأمل و التزود.

الكلمات ملك شائع و لكن قلة قليلة عرفت كيف تنظمها نظما لطيفا عميقا مقنعا لا تملك معه إلا أن تتلقاه المرة بعد المرة دون أدنى إحساس بملل على النقيض بل هو الارتقاء و التسامي

ضنين الوعد .. عمق في كل شيئ و زاده عمقا قلم مهدي يوسف بعدما روض جوامح الكلم في واحدة من أجمل المنثورات في عصرنا المتميز بالهرجلة و السطحية لتقف مرفرفة دليلا أن الوعد آت ..

وعدك أن تكتب و وعدنا أن نتلقى

أختك شريفة شرف الدين

[شريفة شرف الدين]

#1522292 [المنبرش]
0.00/5 (0 صوت)

09-22-2016 03:26 PM
ما أروعك

[المنبرش]

ردود على المنبرش
Saudi Arabia [مهدي يوسف الراهيم] 09-23-2016 11:57 AM
الله اخليك اخى الكريم


#1522207 [عميرة عباس]
0.00/5 (0 صوت)

09-22-2016 12:15 PM
أحييك اخ مهدى و انت تتناول هذه الاغنية الكبيرة . اعتقد انها الاغنية الاكبر فى مشوار الكابلى و ربما تكون اغنية القرن فى السودان . شكرا ليك كتير

[عميرة عباس]

ردود على عميرة عباس
Saudi Arabia [مهدي يوسف الراهيم] 09-23-2016 11:56 AM
شكرا عميرة . لا اعلم ان كانت ضنين الوعد تستحق ان تكون اغنية الوطن ام لا . لكنها حتما احمل عمل كتب بالفصحى في السودان .


#1522155 [عبده]
0.00/5 (0 صوت)

09-22-2016 11:11 AM
ما اصدقك واروعك

[عبده]

ردود على عبده
Saudi Arabia [مهدي يوسف الراهيم] 09-23-2016 11:57 AM
شكرا اخى عبده.


#1522140 [مها محمود]
0.00/5 (0 صوت)

09-22-2016 10:36 AM
من احلى و اجمل ما قرأت مؤخرا استاذنا مهدى يوسف . انت قلم جبار و تمتاز بقدرة خرافية على التحليل . اكتب و متعنا اكثر بالدهشة .

[مها محمود]

ردود على مها محمود
Saudi Arabia [مهدي يوسف الراهيم] 09-23-2016 11:54 AM
شكرا مها محمود .كلماتك أثلجت صدرى جدا .


مهدى يوسف ابراهيم عيسى
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة