المقالات
السياسة
سؤال السودان و معضلة الاجابة
سؤال السودان و معضلة الاجابة
09-26-2016 09:56 PM


يدور فى أذاهن الكثير من الناس عن ماهية جغرافية، وطببيعة، وهوية وأيضا أس المشكلة فى السودان. ان الخوض فى هذا المضمار ربما يستغرق وقت طويلا من الزمن، وعمقا متشعبا فى البحث والتنقيب المضنى. عليه، وبقليل من التدبير والتبسيط، يمكننا ان نقول: السودان هى تلك الرقعة الجغؤافية الممتدة من جنوب دولة مصر الي داخل اتون القارة الافرقية السوداء، اى كما تدل التسمية (أرض السود)، دون تحديد الي نهايات حدودية قاطعة. وبمعنى اخر، انه أمتداد اسفيري شاسع غير مفهوم فى تكويناته ونهاياته الجغرافية. لذا احيانا أطلق عنان الخيال واسعا ليشمل الكثير من التنبواءت والتكهنات في ماهية هذا المجهول. ولكن لم يدوم هذا الاأعتقاد طويلا، حيث بداءت تتواتر بعض المعلومات والاخبارعن فحوى ما بداخل ذالك المجهول والمسمي بالسودان. حيث كانت المصادر الاكثرشيوعا لهذة المعلومات هى التى دونت فى كتب ومخطوطات الرحالة المبشرون، والمكتشفون الذين كانوا يقامرون على أقتحام المجهول. ولكننا هنا لسنا معنين بالسرد التنميطى التاريخى، او الجغرافي للسودان، ولكن يمكن ان نقول وعلى عجالة، لقد اكدت الدراسات العلمية والبحوث التاريخية ان ما يعرف اليوم بأرض السودان هى في الاصل مهد الحضارات البشرية بل وربما تكون ألآأقدم قي التاريخ، وايضا هى أرض الرسالات السماوية ان لم نقل كلها بل جلها. مع التزامنا فى عدم الخوض فى هذا الامر كثيرا، ولكن لدينا قدرا كبير من الثقة أن البحوث والدراسات المقبلة سوف توكد قولنا هذا. ولكي تعم الفائدة دعونا ندخل مباشرة فى صلب و قياهب المجهول الحقيقي، والتى فى تقديرى تتمثل فى السودان الحديث بحدوده الجغرافية وتكوينانه البشرية. أذا، ما هو السودان "الحديث"، وما هى مشكلاتها، واين تكمن، وكيفية طرق حلها؟

فى تقديرى، لقد بدأ تكوين السودان الحديث وبحدوده المتعارف عليها اليوم (قبل انفصال دولة جنوب السودان)، فى القران التاسع عشر الميلادى، اى فى عهد الاستعمار، وتحديدا فى عهد محمد على باشا؛ والذى عرف ايضا بالحكم التركى المصرى الذى أمتد من عام 1821م الى 1885م. لقد ضم الحكم التركى المصرى هذا كل السودان تقريبا ما عدا منطقة دارفور الحالية. والجدير بالذكر، حيث كانت دارفور دولة مستقلة وسلطنة قائمة بذاتها ولا تخضع لسلطة المستعمر(دولة الحكم التركى المصرى)؛ وهذه هى احدى معضلات السودان الحديث. كيف؟ سوف نرى ذلك لاحقا.

أن هذه الرقعة الجغرافية (السودان) كانت تعيش فيها شعوبا وأقواما متعددة لايجمع بينها شيئ سوى السياج الحدودى الذى رسمها المستعمر وفرضها كرها على هذه الشعوب المتباينة. لذا، كان لزاما على هذه المجموعات البشرية ان تتعامل فيمابينها، وخصوصا فيما يخص أحتياجاتها اليومية مثل التبادل التجارى، وتداول للسلع وغيرها من معاملات و بعدة طرق. كانت تنشأ صراعات متفرقة بين هذه المكونات، وتصل هذه الصراعات احيانا الى الأحتراب والاقتتال الدموى. وكما لا ننسي ايضا ان هذه المكونات كانت تنشئ تحالفات مع بعضها البعض وذلك لخدمة منافعها اليومية، وايضا فى صراعاتها ضد بعضها البعض، أو ضد المجموعات البشرية ألآخري في محيطها الجغرافى. و بالتاكيد، لقد نشأت بعض علاقات المصاهرة والاختلاط بين هذه الشعوب علي حسب مقتضيات الظرف والمصلحة. ولكن هذا الحراك الاجتماعى بين مكونات هذه الشعوب لم يخلق وحدة متجانسة بين هذه الشعوب، أو الحد الأدنى من العوامل المشتركة التى تساعد على تجميع هذه الشعوب والقوميات مع بعضها البعض وفى وعاء وطنى موحد وشامل. ولكن حاولت هذه الشعوب ان تجتمع نوعا ما عندما أشتد عليها الظلم مجتمعة من قبل المستعمر التركى المصرى. وخصوصا بعد ان ارهقتها الضرائب الباهظة والقسوة فى جمعها، مثل (الزندية) فتذمرت، وضاقت هذه المجموعات ذرعا من هذه الممارسات، فارتفعت اصواتها تنادي با التوحد تجاه المستعمر التركى المصرى، والذي يعتبر عدوهم المشترك. لقد اصبح التمرد والاحتجاجات تتكاثر ضد هذا العدو المستعمرالمشترك، فبدأت المواجهات ضده، و ايضا بدأت تخف حدة التوتر والخلافات و تذويب الفوارق بين مكونات الشعوب السودانية، ولكن فى الحقيقة كانت شبه خلافات موجلة الى اجل غير مسمى.

وقد توجت صراعات هذه المكونات مع المستعمر بنشوب الثورة المهدية فى عام 1881م، ومن بعدها قيام دولة الخليفة عبدالله التعايشى فى 1885م، كان ذلك بعد سقوط الخرطوم ووفاة الامام المهدى. ولقد بدأت الخلافات الحقيقة بين مكونات هذه الشعوب قبل سقوط الخرطوم، ووفاة الامام المهدى. حيث ظهرت الخلافات والفوارق القديمة من جديد اصطحبت معها البعد السياسى والعرقى والجهوى، مضافا اليها بعدا جديدا اخر وهو دخول العنصر الدارفورى و بوقوة، وذلك لتأثيره القوى والواضح فى الثورة المهدية وانتصاراتها. حيث كانت دارفور لم تكن ضمن مكونات الدولة التركية المصرية، بل ومن الناحية القانونبة تعتبر دولة اجنبية، حتى تاريخ ضمها قسرا الى السودان الحديث فى عام 1916م. ويمكننا ان نجمع القول بأن العنصر الدارفوري، ومع حلفائه من المكون الغربي كان لهم الدورالاكبر والحاسم في أنتصار الثورة المهدية وقيام دولة الخليفة عبد اللة التعايشى.



أن حضور العنصر الدارفوري ذو الاارث الواضح في خبرة الحكم و الاادارة والتنظيم، وايضا المخزون الواسع من علوم الدين الااسلامي التى اصتحبتها معه من موطنة فى سلطنة دارفور، اثرت وبشكل واضح فى بناء الدولة السودانية. حيث لم يكتفى العنصر الدارفورى بارثة التاريخى فقط، بل اصطحب معه بعض مكونات السودان الاخرى (كردفان، الشرق، وبعض الشيئ من الجنوب، او ما يعرف بدولة جنوب السودان الحالية)، والتى اسميها هنا اصطلاحا مكونات المكون الغربى. ان مكونات المكون الغربى هذا أضاف بعدا اخرا واكثر تعقيدا للصراع فى السودان (التركى-المصرى). ولذلك كان عنوان الصراع في تلك الفترة عرف تحت مسمي (أبنا البحر وأبنا الغرب)، وهذا المسمى أولد صيغة جديدة للصراع تحوى فى داخلها عوامل اخرى كثيرة ومتشعبة، وفى الحقيقة هى لب اصل الصراع فى السودان، ولكن تم تناسيها ودفنها موقتا. ونقول هذا يقينا، لان داخل كل مكون من موكونات الصراع، هنالك صراعات آخري طمست لظروف موضوعية او بالاحري تم تجميدها الي حين . وبمعنى اخر، حيث لم يكن المكون النيلي (أبناء البحر) هى ذات نفسها خالي من الصراعات في داخلها، وكذلك المكون الغربي (أبناء الغرب) اييضا لم يخلو هو الاخر من الصراعات الداخلية. ومن هنا، يمكن ان نقول ان هذة الفتزة هي فتزة بداية نشوء وتكوين ملامح الشخصية السودانية العمومية. وبالمعني السا يكولجى، يمكن ان نقول انها بداية تكوين ونشوء الشخصية للشعوب السودانية في العهد الحديث. ولكن لم يستند هذا المكون السودانى الحديث علي اى مكون حقيقي وموضوعي فى تكوين الدولة القومية الحديثة، كما حدثت و تحدث في الظروف العادية للدول والشعوب الاخرى. فى تقديرى، انها كانت بداية مبتورة ومهزوزة، ولاتستند علي مكون ملموس، بل هي اكثر ما تكون بداية تكوين وهمى دون ثوابت جوهرية تجمع هذه الشعوب المتفرقة.

ولكثافة الاحداث المتواترة وفي حيز زمني ضيق، لم تجد هذة الشعوب مساحة من الزمن الكافي لكى تتعرف عن قرب على بعضها البعض، ولا حتى ان تعرف كنهة نفسها الذاتية. وبذالك كان وعيها الذاتى والموضوعى مبتوران، ويستندان على مكونات غير حقيقية. وكذلك تنطلق للاحداث من منظار خاص ومختلف، وايضا لا علاقة لها بالواقع الموضوعى المحيط بها. ولكن هذا المنظور الخاص الذى ينظر من خلاله هذة الشعوب، يعتبر عامل طبيعى صاحب ظروف تكوين هذه الشخصية. وايضا عزز هذا المنظور قلة المساحة الزمنية للتواصل والتعارف بين هذه المكونات البشرية، وكما زاد فى التحول المستمر للصراع بينها وبمعدلات مختلفة. وبعبارة أخرى، لقد تشكل الدولة السودانية الحديثة، وباشكال والوان طيف تبدو لناظرها متناقمة، ولاكنها فى الحقيقة هى عبارة عن وعي زائف يدغدغ المشاعر ويوهم بالتأصل والرسوخ والنضوج والتفوق، ولكن فى الوقع الحقيقى ما هى الا وهما زائفا وانعكاسا لنتائج الحقيقة الواقعية فى تلك الظروف التى كانت تحيط بتلك الشعوب، واجبرتها فى التعامل معها و بأى شكل من الاشكال. وعلى الرغم من اصالة هذه الشعوب وتاريخيها الناصع في غابر الازمان، الا انها قد أصيبت بداء غباشة الوعى، وأهتزاز الرؤية الثاقبة لواقعها ومكونها الحقيقي. لذا نجد أن شخصية الشعوب السودانية نمت نمؤا غير صحى، ومشوهة تشويها كاملا. لقد فشلت أن تتحصن بماضيها النائرضد العلل والازمات. لذا نجدها ما عادت أن تدرك من هى والى اين تسير. وهذا التكوين الجنينى المعلول لشخصية الشعوب السودانية قاد الى اجهاض الثورة المهدية 1881-1885، و وأيضا بذرت بذور الفتنة والشقاق، وتقويض دولة الخليفة عبدالله التعايشى 1885-1898 حديثة التكوين. ففي فترة الثورة المهدية ودولة الخليفة عبد اللة التعايشى، خلقت ماسى وجراحات غائرة لا تزال اثارها باقية الى يومنا هذا. وهذه الماسى والجراحات اضاف عللا وعبئا زائدا لتشوه وعلل شحصية الشعوب السودانية، وايضا زادت من ضبابية وعتمة الرؤى ووالوعى لهذه الشخصية السودانية. فاصبحت هذه الشخصية لا ترى واقعا حقيقيا ولا تسمع الا صدى الواهم العاكس لرؤية هذه الشخصية المعللولة.

لقد قلنا، ان هنالك مكونين رئسين للصراع فى فترة الثورة المهدية ودولة الخليفة عبد الله التعايشي، فعندما تصادم هذين الطرفين فى البدء، انتصر المكون الغربى فى بدايات مراحل الصراع ولكن الى حين. وبعد ذالك أنتصر المكون النيلى، وذلك بعد أن تقوى بقوى المستعمر الأجنبى المتمثل فى دولة الحكم الثنائي 1898-1956. حيث ثأر المكون النيلى ضد غريمه من المكون الغربى، واسقط دولة الخليفة عبدالله التعايشى، وبذلك قد تكسرت كل النصال السودانىة. و فى الحقيقة، لم يكن هناك منتصر الا الغازى الاجنبى، بينما ازدادت استفحلت الشقة والخلافات بين شعوب السودان المختلفة، ولاسيما بين القطبين النيلى والغربى. وايضا اتسع البون النفسى، وازداد الغبن والضغينة، والى ابعاد سحيقة فى نفسية هذه الشعوب. وحيث عمل المستعمر وبكل خبث على تعميق هذه الخلافات، بل وانكأ جراحات هذه الخلافات وبكل قسوة وجلافة. وقد أضاف اليها المستعمر ابعادا أخرى وبأساليب جديدة مثل الترغيب والترهيب، وخلق اجسام ومكونات مزيفة توالية وتستعين به فى صراعها ضد غريمتها من المكون الغربى. حيث أدعت المكونات النيلىة الجديدة ما لا تملك، ومارست التضليل والتطبيل، وتوهم شعوبها أنها هى الحقيقة والواقع. والاكثر من ذلك، كافأ المستعمر المكونات النيلىة على خدماتها وفتحت لها كنوز ارض السودان، و بقدر ولائها للمستعمر. الإ ان تصرف المكون النيلى هذا أنشأء محنة جديدة ضاعفت من مسخ الوعى والرؤية لشخصية الشعوب السودانية. وفى خضم هذه المعمعة ظهرت بوادر وخطوات كان لها دور كبير فى تعقيد الوضع فى المستقبل. اذا تم عزل واستثناء بعض الشعوب السودانية من ان تنعم بخيرات بلادها، ودفع بها جانبا، وتم التنكيل بها ما ديا وجسديا وبل حتى معنويا. وفى حذه الأثناء ظهر الطابع العنصرى فى الممارسات والتعامل مع هذه الشعوب، واصبح يتم تذكيرها دأئما بأنها ليست من اصل المكون الحقيقى لهذا البلد،وهذا فى حد ذاته تزيفا للواقع وتجافيا للحقيقة. ولقد لبست المجموعة النيلية حليفة المستعمرعباءة المستعمر نفس، وادعت لنفسها مكونا جديدا (العروبة) وسعت الى تمكين نفسها بمساعدة المستعمر، وتبنت ثفافتة وعاداتة و تقاليدة، وتوسعت على حساب الشعوب الاخرى. وبمعاونة المستعمر بداءت تفرض ثفافتها الجديدة المستوردة على بقية الشعوب السودانية الاخرى. والامر من ذلك، انها سعت الى تعريب واسلمة مكونات الشعوب الاخرى، وبتر واجتزاز ثقافاتها و هوياتها، وعاداتها وتقاليدها، بل وجميع ارثها التاريخى والانسانى من خارطة البلاد الثقافية، والاجتماعية، والاقتصادية والسياسية. وتمادت فى التوسع فى اضطهادها و تركيعها مستعينة بقوة دولة المستعمر الاجنبي،(الحكم الثنائي). وفى هذه الاثناء، تم ضم دارفور الى دولة السودان قسرا فى عام 1916م، وهذا ما زادالصراع القائم ضراوة وحدة.

وبسقوط دولة الخليفة عبدالله التعايشى (1885-1898)، فى معركتها الاخيرة فى أم دبيكرات، كانت مفصلا حقيقيا وتاريخيا لشخصية الشعوب السودانية. حيث من تلك اللحظة، حصلت تطورات دراماتيكية خطيرة لشخصية هذه الشعوب. حيث تم انقسامها الى شخصيتين متناقضتين ومتنافرتين، وفى نفس الوقت تحمل كل منهما عوامل التشوه والضبابية الفكرية والتى صاحبتها منذ مراحل تكوينها البدائى الاول. ولقد عرف البعض هذا الانشطار لاحقا فى قالب ثقافى فكرى،عرف ب(مدرسة الغابة والصحراء). وبغض النظرعن مدي صحة هذا المسمى أو التعريف اوخطله، فانه يشير الى الانقسام الحقيقى فى تركيبة الشخصية السودانية. حيث اصبح هنالك تناقضا واضحا بين هاتين الشخصيتين. وبغض النظرعن ما تحملة كل منهما من التشوهات التى صاحبتها منذ بداية مراحل تكوينها، أو نظرة كل منهما للاخر، أو ماهية ذاتها المتداخلة والمتشابكة مع الاخر، أوالفروقات والتجانسات المتمظهرة فى كل منهما، نلحظ ان هناك وضع مختل بين مكونات الشعوب السودانية. حيث اننا نلاحظ أن ظروف المكون النيلى بدأت تتطور وتتحسن على حساب الشعوب السودانية الأخرى. وهذا التحسين المختل، فى حد ذاته يعتبر تحسن سلبى وزاد من تأزم الأزمة. ويمكن القول أن هذا التطور المخل ما هى الا ثمن الخدمات التى قدمتها المكون النيلى الى المستعمر الاجنبى فى القضاء على دولة الخليفة التعايشى، واجهاض أهداف الثورة المهدية. وأيضا استمر المكون النيلى فى تقديم خدماته للمستعمر، وبالمقابل فتحت له افاق جديدة اخرى لينهل منها. حيث نجد ذلك فى تعاونه مع احدى طرفى المستعمر، وهى الدولة المصرية، والتى كانت لها اطماع وطموحات واهداف واضحة وضوح الشمس تجاه السودان. حيث انها كانت الدولة المصرية تسعى لأتخاذ مركز الريادة والسيادة فى سماء العالم الاسلامى والعربى. وبحكم التطور الملموس للدولة المصرية انذاك، وفضلا عن انها كانت الطرف الاعلي فى معادلة ما سمى بالعالم العربى، وخصوصا من حيث التعداد السكانى، والتطور العلمى، والزراعى، والثقافى والصناعى، وأيضا وجود مركز الاشعاع الدينى (الازهر الشريف)، والكنيسة القبطية الشرقية. كل هذا سهل لمصر ان تلعب دورا مهما فى المنطقة الاسلامية العرابية.

ومن هذا المنطلق، كان تقارب الشخصية النيلية مع القادم المستعمر وحليفته انجلترا، ومن خلفها تاريخها وارتبتاطها بمستعمراتها، والتي وصفت في يوم من الايام بالامبراطورية التي لاتغيب عنها الشمس. وكان ارتباط الشخصية النيلية بهذين المستعمرين (المصرى والانجليزى) ارتباطا طفيليا، حيث كان الشخصية النيلية تابعا و مستقبللا لكل افرازات السيد السالبة والسيئة. وزد على ذلك، ان الشخصية النيلية غير قادر على التفاعل الحقيقى، أو العطاء، بل الخنوع للمستعمر واستقبال افرازاته وبدون مضض أو تحسس الى ماهية المعطي له. وبمرورالوقت اصبح الارتباط والتواصل اقوى وأوسع مع هذا الحليف الجديد (المستعمر) المتفوق والقادر على العطاء فى كل مناحى الحياة. وثم بدأت تظهر نتائج هذا الارتباط وبوضوح على مكون الشخصية النيلية. حيث بدأت هذه الشخصية النيلية تبتعد أكثر فأكثر عن مكونها التارخى، والثقافى والاجتماعى الحقيقى. بل اصبحت تنحوا هذه الشخصية فى توجهاتها، وطمحاتها المتسقبلية وايضا وجدانيا شمالا، وانتابتها شعور زائف، وخداع ذاتى بانها مختلفة ومميزة عن شقيقتها (المكون الغربى). و من هنا اتسعت الهوة وكبرت الفوارق الثقافية، والاجتماعية، والاقتصادية وحتي النفسية والوجدانية بين هاتين الشخصيتين (المكون الغربى، والمكون النيلى). حيث اصبحت تزداد هذه الفوارق يوما بعد يوم الى ان اصبح التعامل فيما بينهما شبه معضلة. وحتى نسبة التعامل الضئيل الموجود بينهما قد شابها صغية التعالى العرقي والثقافي، وهذا يوضح مدى التشويش والتشوه، والضبابية، وأنفصام الشخصية التي وصلت اليها الشخصية النيلية. حيث توهمت خاطئة هذه الشخصية بانها اصبحت جزاء لا يتجزاء من المستعمر. ومن هنا اصبحت تسلك سلوك المستعمر، وتقلد افعاله وتوجهاته متناسية غفوة أو عمدا أصلها، وتاريخها، وانتحلت لنفسها شخصية وهمية، تدعي النقاء الثقافى والعرقي (العربى)، وتبراءت من اصلها الحقيقي والتاريخى، وامعنت وأوغلت في التهتر، والاضطهد المضنى تجاه نظيرتها الاخرى (الغربية). بل سعت، وبكل ما أوتيح لها من قدرات وامكانيات ان تجرد الشخصية غريمتها الغربية من كل ما تملك من تاريخ، وثقافات، ولغات، وعادات وتقاليد. حيث وصل بها الامر الي تجريدها من اراضيها وممتلكاتها وارثها الحضارى، والثقافى، والنفسى، والاجتماعى والتى وصلت مرحلة الاسترقاق والابادة الجماعية. وايضا فرضت عليها لغتها، وثقافتها وعاداتها، مستعينة بسلطة دولة المستعمر، والذى ناغم هذا الفعل البشع تطلعاتة واحلامة المستقبلية والتوسعية، طمعا فى الارض والماء، وهذا من جانب الطرف المصري الذي لم يمل او يكل لحظة فى تحقيق هذا المسعى. أما الطرف الأقوى (الأنجليزى)، فقد كان يغض الطرف عن كل هذه المماراسات والافعال السيئة، بل شجعتها وبصورة أو أخرى، وذلك لتسهيل أحكام قبضتها علي البلاد، وتوسيع وتكثيف نهبها لخيرات البلاد مع ضمان رضاء حليفها المصرى.

كل هذة الاحداث كان لها واقعها المؤثرعلي الشخصية النيلية ومن ثم الشخصية الغربية. وفيما يخص النيلي واعتداده وعتزازه بمكونه الجديد، وحليفه الغيرندى(المستعمر)، بداء في تمكين ذاته، وترسيخ نفوذه بمساعدة المستعمر، حتي بداء له بأنه هو الكل في الكل، وتماهى في داخله ماهو الوطني، وما هو الأجنبى. .فقد فتحت له مصر مدارسها، وجامعاتها، ومعاهدها فأزداد معرفة، وتعلقا وتغمصا بملاذه الجديد، وتم تحويره تحويرا كاملا، بل وفصله وعزله عزلا تاما عن محيطه المحلى، وتم أعادة تهيأته الى دوره القادم لخدمة ومصلحة الوافد (العرقى والثقافى الجديد) بحيث تكون هى رأس الرمح في نشر ثقافته، ولغته، وتقاليده، والتي ادعت هي (الكتلة النيلية)، زورا وبهتانا بأنها هي ذات نفسها ذالك الوافد وبكل تصنيفاته. ومن هنا بدأت رحلة الاحلال القسري للثقافة واللغة العربية والدين الاسلامي، وبشتي الطرق الممكنة، والغيرممكنة. هذا ما زاد المكون النيلى غرية وأغترابا، وباعد الشقة بينه وبين المكون الغربي. ومع العلم ان الشخصية الغربية و النيلية تنتميان معا الي دولة واحدة، و أيضا مكونهما التاريخي الأصلى كان واحدا، ولكن ظروف وعوامل الصراع انتجت منهما شقيقين غيرمتشابهين لا في الشكل ولا حتى فى المحتوى.

أما الشخصية الغربية، وبعد هزيمتها النكراء، أي بعد هزيمة دولة الخليفة عبدالله التعايشي، واجهاض مشروع الثورة المهدية، فقد اصبحت تترنح تحت الضرابات المتتالية ومن كل الاتجاهات حتي فقدت توازنها. أضف الي ذالك أن تشوهات المخاض السابقة افقدتها البوصلة، فقد اهتزت هذة الشخصية وفقدت الثقة فى نفسها وذاتها، واستسلمت (موقتا) لما أصابها من اقرب الاقربين لها(المكون النيلى)، وازدادت تشوها أثناء مرحلة الأستسلام هذه. ومن اسوء هذه التشوهات هى فقدان الثقة فى ذاتها، والاحساس بالدونية تجاه الطرف الاخر(المكون النيلى)، فضلا عن الخوف الذى تجذر فى دواخلها تجاه هذا الاخر. كما تضاعفت عليها قدر كبير من الفاقة، والتى ساهمت فى تضخم والضبابية فى التفكير مما جعلها أكثر تناقضا. فحاولت بعض مكونات هذه الفئة الغربية الالتحاق والارتباط بغريمتها النيلية، ومشاركتها في دورها الجديد والذي بدأت فى تنفيذه بأيعاز من المستعمر. ولكن، وعلى الرغم من تبنى كل منطلقات المكون النيلى، الا أنها(الفئة الغربية) لم يتم استقبالها بالترحاب الذي كانت تتوقعه، بل أمعن المكون النيلى فى أذلالها وتم أجبارها لتقديم تنازولات أكبر مما تتحمل. وحيث أصبحت الفئة الغربية كما المستضعف الجائع يتبع صاحبه حيث ما أتجه أو أقام عشما فى فتات لقمة منه أوالرضى عنه.

أما الغالبية العظمي من الشخصية الغربية والتي رفضت تبنى هوية المكون النيلى الجديد، فقد رضخت للاستسلأم والانزواء بعيدا، وكما أنها ظلت عاجزة حتي فى البحث عن البديل أو حليف لها ليعنها في مصابها ويشد من ازرها. وقد ساهم أنزوائها وغباشة رؤيتها في عزلها عن محيطها الذي كان بلأمكان ان يسندها ويمدها بمصادر للقوة والتى ربما تساعدها فى النهوض بحالها من جديد، ومن ثم مواصلة صراعها وبصورة اقوى وأمتن. وللأسف ظلت علي حالها هكذا الى ان بدأت مرحلة جديدة أخرى من مراحل الصراع فى السودان، وهى مازالت تنكأ جراحها وتلعقها وتندب حظها العاسر. ولكن فى الحقيقة، وعلى الرغم من كثافة وتعاظم المظالم والضغوط عليها، كان هنالك حراك فى داخلها مخفى عن الانظار ينمو ببطي شديد، وذلك من أجل أستعادة قواها من جديد واصلاح، أو على الأقل السعى فى أصلاح ما يمكن أصلاحه، وترميم ما لحق بها من ضرر وتشوهات وأنكسار. وفي خضم هذا الحراك البطئ، سعي المستعمر، وبشقيه لتخفيف أعباء ادارة مستعمرته، فسعى فى تكوين أجسام لتساعده فى أدارة شؤونه، فعمل على تكوين ادارات اهلية (قبلية) في كافة انحاء البلاد، والتى بموجبها قسم البلاد الى أداريات منفصلة ليمنع أى تواصل حقيقى بينها، بل تم عزلها عن بعضها البعض عزلا تاما ومحكما، ولا يسمح لها بالتواصل الا بقدر ما تقتضيه الضرورة الملحة والتى هى قطعا تخدم فقط أجندة المستعمر لا غير. وفي هذه المرة زاد المستعمرمن تشوية الشخصية الغربية، فقسم المكون الغربي الي ثلاث مجموعات، راى في احداهما ان تكون متشابة للنيلية في الفهم والتوجهات,(كردوفان) وقسم المكونين الاخرين الي قسمين احداهما اطلق علية المكون الجنوبي(دولة جنوب السودان الحالية، و جنوب كردفان، والنيل الأزرق)، والاخر ابقاه علي مسماه الغربي (دارفور). وعلى وجه عام، ومع استثناء جنوب السودان، فان المكون الغربى تجمع بينها كثير من وحدة الثافة والدين، مع وجود اختلافات بسيطة هناوهناك. وأخيرا ألحق المكون الشرقي (شرق السودان) الى المكون الغربى العريض من حيث العزلة والاغتراب. حيث لا ينسى لشرق السودان دوره الفعال فى مناصرتها للمكون الغربى أبان الثورة المهدية، ودولة الخليفة عبدالله التعايشى. والجدير بالذكر، أن كردفان كانت تاريخيا وما زالت ذات أرتباط وصلة وثيقة بدارفور، وجنوب السودان، بل حكمت ولفترات طويلة سوا أكانت مباشرة أو غير مباشرة من قبل سلطنة دارفور. لذا نجد دائما كردفان فى تقارب، أو قل تمازج ثقافى، بل ونفسى ووجدانى مع دارفور وجنوب السودان كما الترابط الجغرافى. عليه، فلا استغراب اذا الحقت بدارفور ومن ورائها جنوب السودان. أما ألحاق شرق السودان بالمكون الغربي يعزى تشابه ظروفه بكل من دارفور وكردفان وجنوب السودان، بحيث يتناقض اثنيا ولغويا بل ثقافيا مع المكون النيلي، زائدا تقوية اوصر العلاقة مع المكون الغربى اثناء فترة الثورة المهدية و دولة الخليفة عبداللة التعايشي.

أن المكون الشرقى يضيف للواقع تعقيدا اخروذلك أذا صنف من ضمن المكون الغربى رغم خصوصيته وارتباطه الوثيق مع أمبراطورية الحبشة، خصوصا فى العرق والثقافة واللغة. كما ان لها بعض الأرتباطات الوثيقة بالمكون النيلى والغربى معا، وهذا ما جعلها تبدو محايدة نوعا ما، ولكن فى واقع الامر ليس لهذه الدرجة، فهو على أرتباط عميق مع شعوب السودان الاخرى، وحتى ان له جذور أصيلة فى دارفور منذو قديم الزمان. لذا اننا نجد أن تركيبة شرق السودان لا تختلف كثيرا عن التكوين الكائن للمكون النيلى والغربى. وعندما بدأ المستعمر فى تكوين الهيئات الأدارية لمساعدته فى أدارة مستعمراته لم يستثنى المكون الشرقى، بل عومل معاملة المكون الغربى المنتزع منه مكون الجنوب المسيحى. ومن هنا، نشأت فى مناق الشرق أدارات أهلية خاضعة للمستعمر، تتأمر بأوامره و تنفذ خططه و رؤاه. ولكن الحال لم يدوم طويلا على هذا المنوال، اذ أن أفرازات الثورة المهدية، وسقوط دولة الخليفة التعايشى، ودخول المستعمر طالبا للثأر ومعاونا للعنصر النيلى، أنبت ألى الواقع طائفتين دينتين، احداهما اتت مع المستعمر الأنجليزى (الختمية)، والأخرى تتمثل فى اثار الثورة المهدية، وليس اثار دولة الخليفة عبدالله التعايشى. وهذا البعد ايضا أضاف مزيد من التعقيد للصراع السياسى فى دولة السودان. ومن صلب هاتين الطائفتين خلق حزبان طائفتان، احداهما يمثل المستعمرالانجليزى، والاخر يمثل المستعمر المصرى. فالحزب الختمى تقريبا كل عناصره من الوسط النيلى، كما قيادته الدينية والطائفية. وأما حزب طائفة الأنصار فقاعدته من المكون الغربى المهزوم، أما قيادته الطائفية والدينبة فمن المكون النيلى الذى أرتد عن قيم وفلسفة الثورة المهدية قبل سقوط الخرطوم وقيام دولة الخليفة عبد اللة التعايشى. وهذا ما زاد تشويش وتغبيش وعى الشخصة الغربية المهزومة والمنكسرة مرتين، المرة الأولى عند سقوط دولة الخليفة عبدالله التعايشى، والثانية عند خضوعها لقيادة المكون النيلى، متمثلة فى عشيرة الاامام المهدى، والتى عملت على ابعاد العنصرالغربى من قيادة حزب الانصار، حتى أبناء الخليفة عبد الله التعايشى مؤسس أول دولة حديثة فى الرقعة الجغرافية التى سمى بالسودان. حيث اصبح المكون الغربى، وأسرة الخليفة عبدالله التعايشى لم يكن لهم اى دور يذكر فى قيادة حزب الأنصار، وهذا ما ضاعف من أنكسار وتقهقر الشخصية الغربية.

لكن لم يكن كل المكون الغربى بهذا الأنكسار والتبعية. وكما ذكرنا سابقا، كان هناك تحراكا داخيا، وحراكا كثيفة غير واضح المعالم داخل بعض مكون الشخصية الغربية بدأ يتفاعل وبهدوء للنهوض بهذا الوسط من جديد. ولم يمضي زمنا طويلا حتي ظهرت معالمة الي السطح فى شكل انتفاضة عسكرية ضد المستعمر (الحكم الثنائي)؛ وكانت هذه الاانتفاضة بقيادة ضابطين صغيرين ينتميان الى المكون الغربى العريض، و هما (على عبداللطيف وعبدالفضيل الماظ)، وكان ذلك فى سنة 1924م. وبقيام هذه الأنتفاضة تجسدت الخلافات والفوارق بين المكونين السودانيين (الغربى والنيلى)، الذان أنقسما الى كيانين ولكل منهما شخصية شبه مستقلة، وتعبر عن ذاته وطموحاته. وقد استنكر الكيان النيلي الوسطى ما قام به هؤلا الشباب الابطال وبأسم السودان أجمع، بل استهجن ان يكون خلاصهم من المستعمرعلي ايدي هولاء الرعاع والوضعيين عديمي الااصل والحسب والنسب، والذان لا يمثلا حتى انفسهما. حيث تم نعتهم ووصفهم من قبل المكون النيلى بأبشع ما يكون، وحتى عجز المستعمر الباطش أن يطلقها عليهم. وهذا يؤاكد البوون الشاسع الذى وصلت اليه شقة الخلاف بين المكون النيلى والغربى الكبير عند بداية تكوين السودان الحديث. حيث اصبح الفرز والفرق بين هذين المكونيين (الغربى والنيلى) واضحا وضوح الشمس فى رابعة النهار. وكان رد الفعل لهذا التعامل زاد عمق جراح المكون الغربي، وفى الوقت ذاته أكد هذا الحدث أن أستسلام المكون الغربي للمكون النيلى لن يكون الا موقتا. حيث أان هنالك تراكمات تتفاعل داخليا تنبئ عن أن هناك أنفجارأ واقع فى الأيام القادمة.

أن المكون الغربى بدأ يتعافى تدريجيا من هزائمه وأنكساراته، وبدأ يعيد الثقة فى نفسه تدريجيا، كما أعطى هذا الحدث (على عبداللطيف وعبدالفضيل الماظ فى عام 1924م)، أشارات بأن الصراع بين المكونين النيلى والغربى العريض لم يبدأ بعد، وربما تكون هناك صولات وجولات قادمات فى مقبل الأيام. وهذا جعل المكون النيلى يستعجل فى أكمال برنامجه، وقطع الطريق على المكون الغربى من النهوض فى المستقبل. وضاعف المكون النيلى من جهوده فى استأصال كل ما يمت للمكون الغربى بصلة على أرض الدولة السودانية الحديثة، وكما ذكرنا انفا، انها كانت بمباركة وموفقة ورضاء المستعمر الاجنبي. حيث قام المكون النيلى بمعاونة المستعمر فى أستمالة الأدارات الأهلية فى مناطق المكون الغربى (فى الغرب، والجنوب، والشرق)، وأسترضائها بشتى السبل وذلك لكسبها الى جانبها، وللقضاء على المكون الغربى وبالكامل، وبذالك قد يكون مهد الطريق الي مشروع دولتة (العربية الاسلامية ).

و في خضم هذه التفاعلات والظروف المحيطة بها، بدأت تتكون بعض التشكيلات السياسية، ولكن كانت مختصرة فى الوسط النيلى فقط. حيث برزت بعض الأحزاب الأيديولوجلة، وبدأت هياكلها وأطرها تتشكل، حيث كانت ظاهريا تلف برنامجها بشيئ من العقلانية، ولكن يبدو فى جوهرها التأثيرات والأنعكاسات التى أعترت شخصية الشعوب السودانية فى مراحل تكوينها الأولى، وخاصة النيلية منها. ومهما حاولت هذه الأحزاب الجديدة الأبتعاد عن موروثها القديم، والمتمثلة فى بداية تكوين الشخصية النيلية، والتى لها فلسفتها ومدلولاتها وأهدافها الخاصة، فلم تستطع لذلك سبيلا. بل يبدو عليها وبكل وضوح أزدواج الشخصية، فبرنامجها المكتوبة شئ وأفعالها وممارساتها الواقعية شئ أخر مختلف تماما. ومن الملاحظ خلال هذه المرحلة من مراحل الصراع تحولت الشخصية المكونة للشعوب السودانية الى شبه متكاملة فى توجهاتها، وعلى كافة الأصعدة، وبنفس مخزونها السابق من التشوهات، وضبابية الرؤية، وعدم النضوج الفكرى، والتردد فى مواجهة الواقع الحقيقى، بل تقوقعت أكثر حول مكونها الأول. أن طرح هذه الآحزاب وبكل تنوعها يجمعها شئ جوهرئ واحد وهو حملها للرواسب المكونة لشخصية الشعوب السودانية، التى ولدت مازومة، ضعيفة، منهكة، ومشوشة. فكل أطروحاتها والتى سمتها وطنية، ما هى الأ أنعكاس لواقعها الميؤوس منه. فالحقيقة أن العقلية التي تكونت في هذه التطورات والصراعات، فضلا عن بداية تكوين ارثها المأزوم أصلا، كانت هى أيضا منشطرة الى عقليتين، أحداهما تمثل الطرف الغربى وملحقاتها، والاخر تمثل الطرف النيلى. وفى دواخل كلتا العقليتين نفس المخزون القديم من التأزم، وكل التشوهات التى تتبع لهاتين العقليتين. فالعقلية النيلية، التى أستفادت كثيرا من تحالفاتها مع المستعمر فى الأستئثار بكل خيرات البلاد، واصبحت صاحبة القدح المعلى فى أدارة شؤون البلاد، وتمكنت من فرض ما تدعيه زورا وهى لغتها (العربية)، وثقافتها، وعاداتها وتقاليدها، وشرعنتها على أساس أنها المكون الأساسى بل والأوحد للبلاد، مع التواصل فى أجتثات الثقافا، واللغات، والعادات، والتقاليد، والاديان الأخرى. وتمت كل هذه الأفعال بالأستخدام البشع وأستغلال المجحف لأداة الدولة التى بنتها بعمالتها مع المستعمر، بل فى الحيقية التى ورثتها من المستعمر فى 1956.

معظم، أن لم يكن كل عناوين وبرنامج الاحزاب النيلية السياسية تدعى بأنها قومية، ولكل مكونات الشعوب السودانية. و فى الواقع الحقيقى ما هى الا أغلفة ومنشات زائفة رنانة ليس لديها أى سند حقيقى على أرض الواقع، وهذا هو ديدن العقلية النيلية. فممارسات هذه العقلية و الأحزابها تفضح هذا الزعم بلا لبس. ولكننا نلاحظ فى بعض برنامج الاحزاب العقائدية توجد دعوة عامة لللانضمام أليها، و أيضا نري في بعض فقرات برنامجها بعض الأشارات الى شرائح أجتماعية معينة (العمال، المزارعين، الرعاة، وعامة الكادحين)، والمناداة بحقوقهم. ولكنها فى الحقيقة لم تشير من قريب أو بعيد الى المعضلة الحقيقية التي تقف حجرعثرة في سبيل أقامة منظومة سياسية يمكن ان يطلق عليها صفة الوطنية، والتى تمثل أمانى وطموحات وتطلعات كل الشعوب السودانية. كما غضت هذه الأحزاب الطرف عن واقع أنقسام شعوب السودان الي عقليتين متناقرتين، متوازيتين ومتناقضتين. وايضا غضت الطرف عن العوامل التى ساهمت فى وجود هذين العقليتين، والظروف التى كانت محيطة بهما. حيث كان خطاب هذه الاحزاب عموميا ويفتقر الى التحليل المتأنئ، الدقيق والعلمي، والذي كان من الممكن ان يعينها في خلق وضع برامج تبذر اللبنة الأولى للأصلاح ورتق النسيج الأجتماعى للشعوب السودانية، ومحاولة أعادة الثقة بين هاتين العقليتان اللتان أصبحتا تعبران عن الواقع السياسي، والآأجتماعي، والثقافي في أرص السودان الحديث، أى سودان ما بعد الاأستعمار الانجليزي المصرى.

ولكن عندما ننظر الي الآمر بجلاء، نري ان العقلية المهيمنة علي الدولة و الأحزاب المنبثقة منها، نجدها ما زالت تحمل تشوهاتها، وترهلها، وأزماتها، وضبابية روؤاها والذى جعلها فى وضع لا يسمح لها رؤية الواقع بعين فاحصة ثاقبة، نقدية، ومحايدة تمكنها من رؤية واقعها بمصداقية وواقعية تدفعها وتقنعها بموضوعية التغيير الجذري الذي سيعيد الآمور الى وضعها الطبيعى بين شعوب السودان. ولكن أزمتها، و تشوهها، وضبابيتها، جعلتها تلعب علي حبلين، وهما الحفاظ علي مكتسباتها السياسية والمادية، والأجتماعية التى أكتسبتها من المستعمر خلال صراعها مع غريمتها الغربية. و فى نفس الوقت تعمل على أستغلال وأحتواء شريحة من العقلية الغربية وبصورة اكثر سلاسة وبهدوء، وذلك لتقوية نفسها بهواؤلاء النفر فى صراعها مع بنى جلدتها من أجل السطة والثروة، وليس للتغيير الجذرى الجاد، أو لخلق وطن معافي يسع الجميع، فهى ترى فى ذلك مضيعة لحقوقها المكتسبة تاريخيا، ولا يذكر هذا الأمر الا همسا. ومع العلم با ان الشريحة الاخري من العقليه النيلية التى تحورت حول الطائفية، كانت تمارس نفس التدليس والمغازلة مع العقلية الغربية. وهذا مما يقودنا الي أنطباعا لا يجافى الواقع الحقيقى، بأن طرفى العقلية النيلية لم يتغييرا اصلا، ولم يغادرا محطتهما الأولى. بل أصبحت العقلية النيلية بشقيها تأسس لمقولة عجز العقلية الغربة، وذلك حتى لا تستطيع ان تفكر فى نفسها ومعاناتها، أو فى أدارة شؤونها الخاصة. وعندها توصف بأنها غير مؤهلة للمساهمة أو لعب دورقيادى لا فى السياسة أو العمل الأدارى ولا حتى الأجتماعى، لأنها وفى الأساس انه مكون عاجز بطبعه، بل يحتاج الى الرعاية والتوجيه، وأن يقاد ولا يقود، وسيظل خلف الكواليس والى الأبد، وكما يجب ان يستخدم فى الأعمال الشاقة والوضيعة التى لا تناسب سمو ومكانت أبناء العقلية النيلية. ومن الموسف حقا ان بعض من أبناء العقلية الغربية اذعن لهذه الخدعة، سواء كان بوعى أو غير وعى، أو تحت ضغط الظروف وضروريات الحياة اليومية. ولقد أصبح البعض منهم يركض خلف سيده ويتحدث لغته، ويعتنق أفكاره وتطلعاته، و يردد أقواله ببغبغاوية حتى يماثل سيده تماما. وفى الواقع، هذا المدجن المستقطب من أفراد العقلية الغربية، مهما أجتهد وأجهد نفسه، و بكل طاقته وضاعف جهده لأرضاء سيده، فلن يحمد له ذلك، بل سيظل هو هو فى عقلية سيده النيلى. وفي خضم هذا الصراع، كانت هنالك فلتات مشرفة من قبل الطرفين (العقليتين-الغربى والنيلى). حيث برزت بعض الشخصيات ترى فى الذى جرى غير مقبول، بل يجب الوقوف عنده وأصلاحه. ولكن دائما كانت العقلية النيلية تخرس هذه الأصوات، وبشتى السبل. مثلا، أذا كان هذا الفرد من أبناء العقلية النيلية فيعد نشاذا فيردع و يقوم و بكل السبل. أما أذا كان من الطرفالاخر (الغربى)، فتنصب له الفخاخ حتي يوقع فيها متلبسا فيبتر بترا تاما من أرض الواقع، وغير ماسوفا عليه، و ليصبح عبرة لمن أعتبر. وهذا ان دل أنمايدل على ان الحراك الأجتماعى متواصل وبكل الأتجاهات، تارة يصعد الى الأمام و تارة اخرى الى الخلف.

أما فيما يخص العقلية الاخري , التي أطلقنا عليها (الغربية )، شملناها فى كل من (شرق السودان، كردفان، جنوب النيل الأزرق، ودارفو، وجنوب السودان/دولة جنوب السودان الحالية)، وذلك لأن هذه المجموعات تمتلك عوامل تقارب، وأقرب عوامل تقاربها(بأستثناء طفيف لجنوب السودان)، هى الثورة المهدية، ودولة الخليفة عبدالله التعايشى. وأيضا تربطها عوامل أخرى مجتمعة، بأنها لا تدعى العروبة (مع العلم ان هناك بعض من القبائل العربية داخل تركيبة المكون الغربى)، وحتى العروبة التى تنتمى اليها تختلف تماما عن مفهوم العروبة النيلية، فضلا ان الوسط النيلى يشكك كثيرا فى عروبة هذه الشرحة الغربية، ولا تعترف بها الا فى حالات نادرة وعندما تخدم مصالحها الذاتية. أن المكون الغربى، وعلى الرغم من تعدد لغاته، ودياناته، وبعض عادته، الا أنها اي مكوناتة لا تتهيب فى الأختلاط فيما بينها. حيث نجد ان لديها تاريخ مشترك مما جعلهم أقرب الى بعضهم البعض، ومترابط وجدانبا، وأكثر أرطباتا بالأرض. حيث كانت لهذه المكونات ممالك وسلطنات ممتدة عبر الأزمان، وحتى التاريخ القريب. ومعظم مكونات المكون الغربى تعتنق الأسلام المتسامح والمتشبع باثقافاتها المحلية ولا سيما الافريقية منها. و هذا الطابع من الاسلام يختلف قليلا عن اسلام الوسط النيلى وخصوصا فى بعض محتويات طقوسها الحياتية.

ومع العلم ان الوسط النيلي تفوق علي رصيفه الغربي فيما يخص الاستحواذ علي أجهزة الدولة، وتسخير مقدراتها الكاملة وتوظيفها فى خدمة مصالحه. ولكنه، ومع ذلك كان موسوما بالضعف، والخوار، وضبابية الرؤية. وحتي في حالة التمكين هذه، أنه ظل في حالة تشتت وأنقسام، وصراع فيما بينه من أجل السلطة والثروة. ويظهر هذا الخلاف جليا بين الاحزاب الطائفية المتمثلة فى (الختمية والأنصار)، والتى جعلت الدولة فى حالة عدم أستقرار دائم. وفى هذا الخضم، بدأت بوادر نهوض الوسط الغربى، وأنشأت بعض التجمعات والمنظمات السياسية فى أربعينات وخميسينات القرن العشرين، مثل (اللهيب الأحمر وحركة سونى فى دارفور، ومؤتمر البجا فى شرق السودان، وحزب سانو فى جنوب السودان، والحزب القومى السودانى فى كردفان)، وبجانب عدم الثقة فى الذات، كان طرحها هى أيضا معلولا ومصابا بنفس الداء الذى اصاب غريمتها فى الوسط النيلى. وكما أنصب جل طرح هذه ا لتجمعات والمنظمات حول مطالب محلية لا ترتقي الي طرح الأسئلة الأستراتيجية التى تخص البلاد برمتها. ومع ضعفها هذا، فقد رفضت من قبل الوسط النيلى، بل استنكرت ووصفت بالعنصرية، والجهوية، والأنفصالية.

وبحلول ساعة رحيل المستعمر، كانت الثقة معدومة تماما بين هاتين العقليتين وهذين الوسطين (الغربى والنيلى). وقد كان ذلك جليا فى برنامج ما سمي بالسودنة. فكانت الغلبة للوسط النيلي وقواه الطائفية في أدأرة البلاد. ولكنها هى الاخرى(الوسط النيلى)، لم تكن علي وفاق تام,، فنها كانت متنازعة الامر حول شعارين، احداهما تنادى بوحدة وادي النيل مع مصر، والاخر رافعة شعار السودان للسودانيين. وهذا يؤكد الأنقسام التاريخى بينهما منذ يوم صناعتهما من قبل المستعمر. ومن هنا نستطيع أن نقول، أن أزمة العقلية السودانية عامة، خلقت واقعا سياسيا لايطاق. وساهم هذا الواقع مساهمة كبرى فى تشرذم البلاد كله. حيث ظهرت بوادر التذمر والتململ الجماهيرى، وكانت أبرزها أشتعال التمرد المسلح فى جنوب السودان فى عام 1952، وكانت تنادى بالعدالة والمساواة فى الحقوق والواجبات، وفى شؤون أدارة الدولة ومواردها. ولكن قد تعاملت معها العقلية النيلية صاحبة الشأن، مع هذا التمرد بالأنفة والتعالي والأزدراء، وسعت الي حسمه بالقوة والعنف. وسلوكيات هذه العقلية النيلية وتعاملها مع تمرد الجنوب زاد الطين بلة، وعقدت الاوضاع التى هى كانت اصلا مأزومة وملتهبة بين العقلية النيلية والعقلية الغربية. حقا، لقد عجزت العقلية النيلية عن أنتاج فعل أيجابى تساعد وتساهم فى أطفاء بوادر الحريق وتجنيب البلاد تعقيدا جديدا يضاف الى ماوصلت أليه من تردى. وهذا يعتبر وأنغلاق الأفق دون بصيص اى أمل فى لملمة الأطراف وأيقاف أنحدار الدولة نحو الهاوية. ولكن من اين لهم ذالك، وهى العقلية التى خلقت مشوهة عاجزة عن التفكير السليم فى بناء دولة المواطنة التى تسع كل الشعوب السودانية.

حيث تسارعت الأزمات تتراكم واحدة تلو الأخرى، وكل أزمة تتوج بأزمة أعقد منها. فكان العجز وتوهان العقلية السودانية يوحى بأنها غير مدركة لماهية ذاتها، وفى أى وضع هى، فضلا عن انها غير قادرة على التمعن فى ذاتها وتجاربها، بل فاقدة القدرة على التعلم من تجربتها التاريخية، ومحيطها، وواقعها. حيث أمعنت هذه العقلية في الغلو والتنكر الي واقعها وقننت كل أجهزة الدولة بثقافتها، ولغاتها، ودينها، وقيمها ومثلها، ولم تراعى فى ذلك الاخر المختلف المتعدد. وتفاقمت الأوضاع فى جنوب البلاد بسسب المعالجات الخاطئة المنطلقة من رؤى مضللة ومأزومة التى تسببت فى تدهور الأوضاع. ,ايضا هذه العقلية تسببت فى الأنقلابات العسكرية المتتالية. وحتى هذه الأنقلابات العسكرية التى أدعت هى الأخرى الاصلاح، لم تأتى بحلول تذكر، بل هى أيضا كانت تعبر فى جوهرها وممارستها عن عجز العلقية السودانية التى فشلت فى مراجعة نفسها، وطرحها من برنامج لمعالجة أوضاع البلاد المأزمومة. وفى هذه الأثناء ظهرت تكوينات لنخب أجتماعية سياسية، ومنتديات ثقافية كانت تحاول أجاد حلول ومخرج من هذه الاأزمات، ولكن نجد أن هذه النخب أيضا مكبلة بموروثها العاجز عن أيجاد مخرج من هذا المأزق. بل كررت هذه النخب نفس التجارب وبصورة أقبح من سابقاتها.

وعلى الرغم من كل هذا، لم يتوقف الحراك الأجتماعى السياسى فى السودان، ولكنه يدور حول حلقات مفرغة. وما تكاد أن تكتمل دورات هذه الحلقات حتي تجد العقلية السودانية نفسها في المربع الآول من جديد. فلا يوجد منقذ لها من أزماتها، وكذلك أزمات البلاد، رغم تخرج العديد من أبنائها من المدارس الثانوية، والمعاهد العليا، والجامعات المحلية والعالمية. وكاد وصف حال التعليم والوعى فى السودان أن ينفى مقولة الدايلكتيك فى التحول (تحول التراكم الكمى ألى فعل نوعى). وعلى رغم المحاولات العديدة الفاشلة من بعض النخب لتجاوز هذه الأزمات، ولكن كما أسلفنا، كانت دائما ما تثمر جهودها فشلا ذريعا، وكانت فى غالب الأحيان تأتى بعكس ما كان متوقعا منها. وما يحضر في الذاكرة لهذا النخب ما قامت به من محاولات ما سميت بالمدارس الأم درمانية. فقد فوضت هذه النخب نفسها على أنها الوعاء الجامع لكل أهل السودان وربوعه. بل توجت فعلها وأدعائها هذا فى أعلانها بأنها هى المركز الذى يشع ويبشر بالثقافة ذات البعد الأستراتيجى، والذى سوف يصبح القاسم الوطنى المشترك لكل شعوب السودان فى المستقبل القريب. ولكن كانت الحقيقة تقول غير ذلك، بل عكسه تماما. فما فعلتها هذه النخب الأم درمانية، أذا كانت تدرى أم لا تدرى، انها أنحازت الى احد أطراف الصراع دون الاخر ومكنته وثبتت أدعائته وحلمه. فى الواقع، أن الذهنية أو ثقافة النخب الأمدرمانية هذه لم تكن سواى الثقافة النيلية بعينها، ولكن بلسان المهزومين، والمستقطبون من الذين أطلقنا عليهم بعض مكونات مجموعة المكون الغربى. لذلك لم يغادر طرحهم الطرح النيلى المأزوم أصلا والفاقد لمقدرة الفعل الذكى لأيجاد مخرجا حقيقى يخرج البلاد من الفوضى والتدهور. وبمعنى اخر، أن المحور الأمدرمانى نشأ وترعرع فى كنف الوسط النيلى، وحاول تكريس الهزيمة وتمريرها على غالبية الشعوب السودانية، لذلك كان كل أنتاجه باطل وبلا منازع.

فكل ما أنتج من فكر وثقافة لا يمثل غا لبية الشعوب السودانية، بل يمثل جوهر أزمة السودان وشعوبه ونخبه السياسية. ولقد عجزت العقلية السودانية ونخبها في أدارة الصراع وسط هذا الكم من التنوع الغزير، والغنى بكل ما تتمناه النفس البشرية. وقاد هذا العجزالى تدهور هذه الشعوب وجعلها فى مؤخرة سلم التقدم والتطور بين شعوب العالم الأخرى. وعلى الرغم من هذا العجز، ألا أننا نجد كذلك هذا النخب (الأمدرمانية/النيلية)، تتباهى با نها قادت شعوبها الي مقدمة الشعوب المحيطة بها. حيث أنها تدعى بأنها فجرت في التاريخ الحديث، ثورة شعبية، وأنتفاضة جماهرية قوضت بها حكومتين دكتاتوريتين، ولكن الواقع والحقيقة تقولان غير ذلك، بل العكس تماما. فالحقيقة، أن طلاب جامعة الخرطوم، ونتيجة لعجز القوى والنخب السياسية ومفكريها، وأنكفائها وعدم قدرتها، علي اداء ودورها المناط بها أفتراضا، فتحركت طليعة من الطلاب، وازرتهم وساندتهم النقابات العمالية والمهنية وتم اسقاط نظام الدكتاتور أبراهيم عبود (1958-1964). ولكن لم يدم أنجاز طلاب جامعة الخرطوم طويلا، فسطت هذه النخب والقوى السياسية على هذه الأنجاز وأجهضته فى زمن وجيز بخلافاتها، وطموحاتها المريضة، والغير موضوعية واللا واقعية. وهذا يرجع الى أزمات هذه النحب المعروفة، وخوائهم من أى عامل منهجى يقود الى نجاح مشرف. نعم، ربما قد تكون هناك استثناءت للحزب الشويعى. حيث كان للحزب الشويعى نفوذا واسعا وسط العمال والمزارعين، ولكنه لم يستمر هذا النفوذ وبصورة فعالة تمكنه من أنجاز أى عمل ملموس، وأيجابى بقدر تحدى أزمات البلاد، والذى حاله يغنى عن سؤاله. وما أنتفاضة طلائع طلاب جامعة أم درمان ألاسلامية فى مارس-أبريل 1986 الا تأكيدا اخر على الأزمة والفشل البنيوى للعقلية السودانية ونخبها السياسية. حيث أمتد هذا الفشل والعجز البنيوى حتى على نطاق القوى التى كانت ومن المفترض أن تحاول أن تستفيد من هذه ألانتفاضة (1986)، وتتخلص من أرثها المخزى، والمثبط للهمم. هذا الأرث الذى اقعد العقلية السودانية من النهوض والتغيير وخلاص الشعوب السودانية من ورتطها وأزماتها التى اقعدها طويلا عن الأستقرار، والتقدم والازدهار.

أن الحراك الأجتماعى والسياسى للشعوب لا يسير على رغبات مجموعة محددة دون الأخرى. بل، يكون بصورة ظرفية وموضوعية تشمل الواقع والواقع المحيط ، ومكوناته. لذا، فكان لابد لهذا الحراك والصراع أن ينتج بعض الظواهر الأيجابية من طرفى العقلية السودانية (العقلية الغربية والنيلية). وما ظاهرة الحراكات السياسية من بعض شرائح الشعوب السودانية المستنيرة، وحتى الأنقلابات العسكرية، ما هى الأ تعبيرا حيا عن الحراك الأجتماعى والسياسى التى تشير على ان هناك بعض التغييرات الماثلة فى طريقة تفكير وسلوك بعض الشعوب السودانية. وأيضا توحى بأنها تجاوزت وتخطت نخبها السياسية والفكرية. ولكن ولمرات عدة، سرعان ما تذبل وتهبط هذه التحركات، وتعود الأمور الى سالف وضعها القديم. عليه، أن الضرورة الموضوعية تقول لابد من كسر هذا الطوق الذى لفته العقلية السودانية حول رقبتها، وأيضا لابد من التحرر منه. ولكن لم يكن هذا الأنفكاك والتحرردون ثمن، وربما يكون ثمنه غالى ومضنى. ولكن لابد من دفع هذا الثمن وذلك من أجل أن تتخلص العقلية السودانية من أزمتها، وتخبطها، وفشلها المتواصل.

لقد سردنا بعض المشكلة السودانية، وأرجعنا بعض هذه ألاأسباب الى العقلية السودانية، وعدم قدرتها على القيام بدورها الريادى في الفترات السابقة. وهذه هو جوهر أزمات السودان. وبمعنى اخر، أن معظم اسباب الأزمة السودانية، تكمن فى ضبابية المواقف التى صاحبت تكوين ونمو العقلية السودانية. وأنعكس ذلك فى تكوين النخب السياسية، وأحزابها، ومنظماتها التى تسمى (وطنية). حيث أنها ظهرت الى الوجود وهى تعانى من خلل بنيوى فى تكوينها ونشأتها. وقادها هذا الخلل ودفعها نحو عدم وأيجاد الرؤية الثاقبة، وغياب النظرة النظرة الواقعية للشعوب السودانية. وينعكس هذا التقصير، وبصورة عامة، علي كل القوى السياسية، والمنظمات المدنية، ولكن تزداد وتنخفض وتيرة هذا الخلل من تنظيم لاخر. حيث نرى هذا التباين أكثر وضوحا فى برنامج هذه التنظيمات. ولكن نجد جميع هذه التنظيمات تشترك فى عدم القدرة على استشفاف الواقع السياسى والأجتماعى للشعوب السودانية. وخير شاهد على قولنا هذا، هو الواقع المعاش اليوم من فشل وتخبط الاحزاب والتنظيمات السياسية السودانية في قرأءة الواقع الاأجتماعي، والسياسى، وايضا عجزها فى أقناع المواطن السودانى بجدية نضالها وصلاحية برنامجها فى التغيير الجذى الذى يتوق له غالبية مكونات الشعوب السودانية المختلفة. وهذا الفشل جعل الساحة السياسية ممهدة للقوى العروبية-الأسلامية، وأيضا السلفية السياسية لتسيطر على الوضع فى البلاد. وقد أصبح الوطن والمواطن حقل تجارب لتروهاتها، وأوهامها الوردية التى دفعت ومازالت تدفع ثمنها الشعوب السودانية حروبا، وفقرا، وجوعا، وتخلفا، وجهلا، وتشريدا، حتى وصل الحال الى تقطيع أوصال الوطن، ولا زال التردى والأنحطات والأنهيارات مستمرة، وتتوالى على الوطن.

علينا أن نقر صدقا، أن هناك محاولات جادة ومن قبل بعض المهتمين بالشأن السودايى. حيث أنهم حريصون على أيجاد الحلول المناسبة لأزمة الشعوب السودانية. وأناأكتب الان، وهناك اخبار طاغية على الاعلام السودانى، وهو ظهور أجسام وتنظيمات عدة تبحث عن الحلول. وخير مثال على ذلك الجسم الذى أطلق عليه (نداء السودان)، وأيضا سبقتها أجسام أخرى مثل (الفجر الجديد)، وقبلها (الجبهة الثورية، وتحالف كاودا، قوى الأجماع الوطنى، الحركة الشعبية قطاع الشمال، فصائل دارفور، الخ). فكل هذه الأجسام والتنظيمات لا تختلف عن سابقاتها من حيث المحتوى وطريقة التفكير. وبعبارة أخرى، انها تجريب المجرب. وفى تقديرنها أنها فقط تغيير الشعار ولكن لم يتغيير المحتوى أو الجوهر، فكل شيء ثابت كما هو (حزب الأمة، الأتحادى، الحزب الشويعى، الحركة الشعبية، حركات وفصائل دارفور المسلحة). وتعتبر معظم هذه التنظيمات مضيعة للوقت، وتثبط للهمم، لانها ما هى الأ امتدادا طبيعيا لحقيقة وطبيعة العقلية السودانية، ومثقفيها، واحزابها وقواها السياسية التى أوصلت البلاد الى هذا الدرك الاسفل من المأساه. وبمعنى، تدار هذه التنظيمات بنفس العقلية التى تسببت فى الأزمة (العقلية النيلية، والعقلية الغربية)، والأكثر من ذلك، انها تدور حول نفسها لتقنعها قسرا لأنها تفعل فى شىء أيجابى، وفى الحقيقة انها تفعل فى أشياء بلا رائحة، ولا طعم، أو محتوى يذكر. لذا، سوف سيذوب نداء السودان كما ذابت من قبلها الفجر الجديد وسابقاتها من شعارات رنانه، وأسماء براقة دون احداث اى تقدم أو تغيير. ويرجع ذلك لأن الداء مازال كامنا، ولم يشخص بعد حتى يتم علاجه. فموهوم من ظن أن بهلوانات سياسية فارغة قادرة على أنجاز تغيير. وعلى الرغم من أن النظام الحالى (حكومة المؤتمر الوطنى) ساقط ومتساقط من تلقاء نفسه، وأيضا بمساعدة منسوبيها، ولكن أيضا عقلية وسلوكيات التنظيمات التى تسمى نفسها بالمعارضة ساعدت اكثر فى بقاء الموتمر الوطنى طويلا ولهذه الفترة. وحتى لو قدر لهذه التنظيمات المعارضة أن تحل محل النظام الحالى (المؤتمر الوطنى)، فأنها لا تستطيع أن تقدم اى عمل أيجابى لشعوب السودان. بل، وربما تكون هذه التنظيمات المعارضه ذات نفسا هى الوجهه الاخر للعملة (المؤتمر الوطنى، وحلفائه من الأسلاميين والسلفيين) سلوكا وفعلا. فأذا قدر لهذه التنظيمات ان تصل الى السلطة، سوف لا تستطيع أن تقدم أكثر من مأوى وبعض الوظائف الى بعض منتسبيها والى حين. ولكن بالقطع لا تستطيع هذه التنظيمات أن تقدم شئيا يذكر للشعوب السودانية، لان ما بنى على أساس خطأ لن يكون صحيحا فى يوم من الأيام. فلنكن صاديقين مع أنفسنا وأمام شعوبنا، هل ينجح أى تحالف بين حزب الامة القومي مع الاتحادي الديمقراطي، أوالمؤتمر الشعبى، الحزب الشويعى، الحركة الشعبية قطاع الشمال، حركات وفصائل دارفور المسلحة،....الخ؟ لا أعتقد ذلك. لأنه لا يوجد اى تجانس أو تقارب، أو برنامج يجمع بين هذه التنظيمات المتناقضة. لذا، يعتبرالركون الى هذه التنظيمات مضيعة للوقت، وهدر للطاقات، والفرص الأيجابية فى حق الشعوب السودانية ان تعيش فى سلام وتتطلع الى الأفضل.

أن الشعوب السودانية تريد تغييرا جذريا يعيد ترتيب أوضاع البلاد وبصورة ترضى طمحاتها وتطلعاتها. ولا يتم هذا التغيير الا بخطوات وأثقات تحدد فى البدء مصلحة هذه الشعوب، ومن ثم وضع ألية دينميكية موضوعية لنسف ما علق سلبا على عقلية الشخصة السودانية من أشكالات مأزومة. ولا يكون ذلك الأ بالنقد الموضوعى والبناء، والصريح، وبشفافية تامة لكل ما دار ويدور منذ أن وضعت الحدود الجغرافية للسودان الحديث، والى يومنا هذا. هنالك أمل مشرق تجاه تلبية طموحات وتطلعات شعوب السودان، وذلك أبتداء باصلاح أخطاء الماضى والحاضر بعملية جراحية دقيقة. وتحتاج هذه العملية الى فريق عمل مختص، وماهر كامل الأعداد العلمى والجاهزية لأجراء هذه العملية، ويضمد جرحها. وبهذا الأنجاز، سوف يتعافى المريض(الأزمة/العقلية السودانية). وبعد فترة النقاهة وترويض جثمانى كافى، سوف يتعافى بتمام كاملا ، ويصبح فى مقدوره القيام بدوره المنوط به فى لملمة جراح الوطن ورتق نسيجه الاجتماعى وتقريب الشقة بين أطرافه. ومن ثم وضع الطرق والسبل التى تؤدى الى ما ترنو اليه شعوب السودان من أمن وأستقرار ونماء. وهذا هو التغيير الجذرى والبينيوى الذى نقصدة. ويجب ان يعم هذا التغيير كل الشعوب السودانية، دون التحيز الى النخب ووجهائها ومثقفيها، الذين هم اساسا أس البلاء الذى حل بالبلاد. ولوضع برنامج شامل تلتف حوله كل الشعوب السودانية، لا بد من مراعاة الثوابت والحقوق الطبيعية، وليست تلك التى فرضت على هذه الشعوب فرضا وشرعنت من قبل طرف واحد، وهو حتى لا يمثل ربع تعداد هذه الشعوب. وأيضا يجب أن تكون هذه الحقوق مبنية على ثوابت وحقوق أنسانية لاتفرق بين البشر في حقوقهم الاجتماعية، والسياسية، والأقتصادية، والثقافية، والدينية،... الخ.

أن حقوق الأنسان مفهوم شامل وكامل، وغير قابل للتجزئة. فأن الفرد كما المجموعة، هو الأصل فى معادلة حقوق الأنسان. ومن العبث أن نقول بأن حقوق الفرد لايرتقى لمساواة حقوق المجموعة، أو المجموعات السودانية الأخرى. فحرية الفرد لاتنقص مثقال ذرة عن حرية الجماعة، فالكل لهم الحق والشرعية الكاملة والغير منقوصة. وبصريح العبارة، أن حقوق الأنسان لاتعرف هذه أقلية، أو تلك أغلبية فى الممارسة والتنفيذ، ودون ذلك سوف نعود الى المربع الأول، وهو التخبط، والتوهان، وضياع البوصلة. وهذا هو مربط الفرس لأى برنامج تغيير يلبى مصالح وطموحات الشعوب السودانية. لذا، لا يوجد خيار دون التغيير، والتى فى مقدمتها التغيير الجذرى للعقلية (العقلية النيلية والغربية) البائدة. هذا التغيير المنشود هو المعبر الأمثل نحو الأمن والأستقرار، والرفاهية، والأزدهار، والتقدم فى شتى مجالات الحياة. بل أنه صمام الأمان، والعامل الجذاب لتماسك شعوب السودان مع بعضها البعض، وأيضا لتماسك البلاد ووحدتها، وتقدمها ورخائها. ولا يمكن أن نصل الى هذا المرتجى ألا بأيقاف الأنهيار أولا وقبل كل شيء. ولا يتم ذلك ألا بتشخيص داء البلاد وبصورة علمية وموضوعية تمكننا من تحسس مواطن بنية الخلل عند الشخصية السودانية، ومن ثم أعادة بناء هذه الشخصية و تكوينها وبالشكل الذى يتماشى مع الطموح الأكبر لشعوب السودان المختلفة. وبذلك قد نكون خطونا الخطوة الاولى فى الأتجاه الصحيح، والذى بأمكانه أعادة بناء الوطن، وبالصورة التى تلبى طموحات شعوبه. لذا، لازاما علينا أن ننظر الى محور القضية وسؤالها الأساسى، على وهى ما هى أسباب أزمات الشعوب السودانية؟ وماذا تريد هذه الشعوب؟ وما هو المخرج الأمثل الذى يلبى طموحاته؟ هذه الأسئلة تحتاج الى مزيد من البحث والتقصى. عليه، سوف نواصل فى المزيد من البحث والتنقيب عن الأجوبة لهذه الأسئلة. وأيضا سوف نواصل طرح المزيد من الأسئلة، رؤيتنا عن كيفية الحلول، وذلك مساهمة منا فى أيجاد البوصلة التى تساعد فى أخراج السودان من مستنقعه الاسن الى بر الأمان، الى دولة تسود فيها قيم العدل وحقوق الأنسان، والوحدة والتقدم والرفاهية.

محمد صالح رزق الله
سبتمبر 2016
لندن، بريطانيا/المملكة المتحدة
تلفون :0447424313250
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1061

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمد صالح رزق الله
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة