المقالات
السياسة
الكذب بلا ارجل
الكذب بلا ارجل
09-26-2016 11:14 PM


بعد حادثة مستشفى امدرمان ،التى ليست هى الاولى ، ولن تكون الاخيرة اذا استمر الحال الصحى فى تدهوره ، خرج علينا السيد معتمد امدرمان بخطبة عصماء بان الامور عادت الى مجاريها الجيدة التى كانت عليها ، وان جميع الاقسام عادت تعمل بنفس الكفاءة القديمة . ثم عرضت علينا اخبار قناة الخرطوم جزءً من المؤتمر الصحفى لوزير الصحة الولائى ، وهو يؤكد ماذهب اليه السيد المعتمد ، بل وزاد على ان من حاول انقاذ الرجل الذى سبب المشكلة، كان طبيبا متخصصا من ضمن التخصصات المختلفة التى يعج بها المستشفى ..الخ.
بعد هذه المشاهدات و المسامع ، أرسل لى أحد الاصدقاء مقال كتبه الاستاذ اسماعيل آدم ،قال:
( ولدى قصة جديرة بان تضيف " لشعر " هذه المأساة بيتاً ..أحضرنا مصطفى ، ابن شقيقى، فى حالة حرجة لحوادث أمدرمان الساعة الرابعة والنصف صباح عيد الفطر ، وحين أدخلناه غرفة الطوارئ وجدناها تعج بالحالات الحرجة ، حسبتها 60 حالة حرجة ونيف ، والعداد يرمى ، وكان يتعين على طبيبة وطبيب وممرضين موجودين فى الغرفة الكبيرة المليئة بصراخ المرضى وانينهم ، ان يسعفواهذا الكم ، وبالمكان فقط انبوب اوكسجين . من حظ مصطفى ان الانبوب قد خلى من انف مريض لبرهة ، فوضعوه له، وكان مصطفى فى الرمق الاخير . وكان بالمكان سماعة واحدة مهلهلة معطوبة ، بدت فى الرمق الاخير هى الاخرى ، وعلى الطبيبين توزيع مافيها من انفاس لقياس نبض مرضى الصالة ، بكمهم الرهيب ذاك . وكان كل هم لدينا فى وجه تلك الطبيبة حديثة العمر والتجربة بالطبع . ولاح لى الفرق بين حال المرضى وحال الطبيبين والممرضين . كأنهم كلهم يصرخون ويئنون من وطأة الفوضى فى المكان ، ومن حمى تراجيديا يقدمون هم ومرضاهم ومرافقو المرضى أدوارها . كل أسباب الموت تتضافر فى المكان . رائحة الموت تفوح بقوة ، محاولات الانقاذ تبوء بالفشل ، وتتصاعد المأساة حين يأتى مريض جديد حاله أسوأ من حال مصطفى ، يحتاج الى اوكسجين بشكل عاجل ، وكان الانبوب الوحيد يشهد آخر انفاس مصطفى. قالت الطبيبة لمرافقى الحالة حديثة الوصول ، انه يحتاج الى اوكسجين ولكن الانبوب الوحيد مع ذلك المريض واشارت الى مصطفى ، وليس اخلاقيا نزعه منه ووضعه على تلك الحالة ، فوجم المكان ، تداخل الهم بالخوف ببؤس منقطع النظير. الحالة الجديدة تئن وتصرخ ، وكذلك مصطفى ، وجحافل المرضى ، ورائحة الموت تملأ المكان من الارجاء الى الارجاء ، وعلى السقف مراوح لاتعمل ، وعلى الارض مياه نتنة ، يدفعها كيف مااتفق عمال بائسون بين ارجل من هم فى المكان حتى تغرق ارجلهم فى المياه النتنة : كرنفال من البؤس والفوضى .. غاب عن المكان المؤلف والمخرج .. انه يوم العرض فقط .
بقدرة قادر استوعب جسد مصطفى انبوب درب . كنا نحن من نراقب الدرب ، ونحن من أوقفناه عندما أوشك ان ينتهى ، لان بؤسنا من الاطباء والممرضين مغلوبى الحال كانوا يحاولون ايقاف الصراخ فى الجانب الآخر من صالة الموت . أتونا بعد كم من الزمن ، نزعوا الانبوب ووضعوا آخر ، ولكن انفاس مصطفى التى بدأت تتباعد.. تتضاءل .. رفض الانبوب الجديد . كنت فى تلك اللحظة بقرب مصطفى أعد انفاسه الاخيرة بصبر وتسليم بالحال وتركت من معى ، وهما شقيقى الصغير وابن شقيقتى يحاولان ، يجريان فى المياه النتنة بين معمل خلى من الموظفين ، وبين دواء غير متوفر لا هنا فى صيدلية المستشفى ولا هناك خارج المستشفى . المسعفون المنهكون البائسون هناك يحاولون فى الطرف الآخر من غرفة الموت .. وانفاس مصطفى تتباعد وانينه العالى يخفت رويدا رويدا ، ومن حولى عشرات المصطفى تتباعد انفاسهم . غرفة الموت برائحة الموت . الطبيبة المنهكة ضاعت فى زحمة الاحداث المتصاعدة من حولها . لاشك انها فقدت القدرة على التفكير ، وفلتت منها خيوط اللعبة . العرق الذى كان يملأ وجه مصطفى قد جف ، وانينه بات فى خفوت أكثر، وأرجله فقدت حرارتها . يخفت جسد مصطفى حين بدت تكبيرات صلاة العيد تعلو. تجسد موت مصطفى امامى يمشى بارجل والف ساق ، فقلت له بصوت عال : مصطفى ، أشهد ان لا اله الا الله ، نطق مصطفى معى الشهادة ، كررت له الشهادة ، ولكنها جاءت بعد خروج النفس الاخير .قلت للطبيبة المنهكة ، الموجودة فى تلك اللحظة فى الطرف الآخر من غرفة الموت : لقد فارق الحياة . تركت مابيدها من حالة حرجة تتعالى صراخها وأتت وهبشت نبض مصطفى ونظرت الى .. ثم الى الممرضين وقالت : زى الباس . وكلمة باس تعنى انه قد مات .
فى هذه اللحظة فقط ، استدعت الطبيبة المنهكة لحد البؤس ، شخص حضر ليشهد موت مصطفى ، فى ترافق مع محاولات من الطبيبة والممرضين بدت لى شكلية لتاكد من الموت لاأكثر . قالوا لنا فيما بعد انه طبيب نائب اخصائى . المنهكون أتوا به ليشهد موت مصطفى. بعد ان أكمل مهمته هذه ، التى بدت لى سهلة للغاية ، رفع الفاتحة وامر باكمال اجراءات الموت والخروج من غرفة الموت ، وغادر المكان فى لحظة انشغالنا بتغطية وستر جسد مصطفى .
الغرفة مضت فى فوضاها ، وخارج الغرفة يختلط الحابل بالنابل ، بالمياه النتنة ببؤس الناس بخوفهم ، بصدماتهم ، بعقول لاتصدق ماترى وتعيش لحظة بلحظة ماترى ، وخارج المستشفى جوال الاسعاف مغلق ، ولا توجد ولوعربة كارو ، ولا حتى ركشة امام المستشفى. حملنا جثمان مصطفى بسيارتى ، بعض الجثمان بالداخل وبعضه بالخارج ومضينا لستره . وتركنا الفوضى تفور وتمور داخل مستشفى جردوها من ابسط الامكانيات . مستشفى تركوا فيها بؤس بعرش صولجان ... ومرضى وأطباء ومرافقين ، تراهم ضحايا منهكون بائسون ، أكثر مما ينجحون فيه رفع الفاتحة على موتاهم .
والدعاء على من كان السبب )
هل هذا قد حدث فى السودان ، أم فى بريطانيا شارلس ديكنز وفرنسا بؤساء فيكتور هوجو ! أم فى جهنم القيامة ؟! هذه الروايات المتعاكسة وكأنها تتحدث عن مكانين مختلفين . ربما يتحدث السيد الوزير عن أحد مستشفياته الفارهة ، وربما يتحدث السيد المعتمد عن مستشفى امدرمان فى سنة 2500 ان شاء الله . الاستاذ الصحفى الذى يحكى ، يحكى هذه الرواية التى كان أحد ابطالها ، بمناسبة ماحدث فى مستشفى امدرمان فى نفس الفترة التى حدثت فيها الاحداث ، ومن غير الممكن ان يكون تغييرا فى حال المستشفى قد تم بين هذا وذاك . العجيب فى القصة ان كل المسئولين يبدأون حديثهم ب " حقيقةًً " !!


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1150

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1524347 [ABDULRAHMAN]
0.00/5 (0 صوت)

09-27-2016 11:03 AM
لاحول ولاقوة الا بالله

[ABDULRAHMAN]

عبدالمنعم عثمان
 عبدالمنعم عثمان

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة