المقالات
السياسة
حتى أم درمان تغيرت!
حتى أم درمان تغيرت!
09-27-2016 04:14 AM


قبل البدء:
توضيح لابد منه فى المقال السابق لم اشد بالدكتور الإسلاموى الذى راجع نفسه "المحبوب عبد السلام" كما أدعى أحد الذين يقرأون "بظنونهم" لا بما هو مكتوب على السطور أو خلفها، والمحبوب عبد السلام يعرف نفسه أكثر من غيره وبأنه كان فى مقدمة المفكرين لهذه "الجماعة" التى سمت نفسها "بالحركة الإسلامية" تقليدا لمؤسس "الجماعة" الإسلامية "أبو الأعلى المودودى" فى الباكستان والتى انقلبت على الديمقراطية فى السودان بليل وأعادته لأكثر من 1000 عام للوراء .. و"المحبوب" هو أحد المشاركين فى هذا النظام فى بدايته والى جانبه عدد من الذين أختلفوا مع النظام أو خرجوا عليه، لكنهم لم يعلنوا ذلك ذلك صراحة كما فعل "الحبوب" ولقد قرأت ذات مرة أنه قال "الشيوعيين والجمهوريين" أقرب اليه من "الإسلاميين"!
الشاهد فى الأمر لو قرأ صاحبنا عنوان المقال بصدق لكفاه، حيث طالبت "المحبوب عبد السلام" بكشف المزيد عما يعرفه عن تلك "الجماعة" التى تعتمد على "السرية" والتى لا يعرف عنها الكثير الا من إنتمى لها ذات يوم أو من عمل فى أجهزة الأمن وتم غرسه داخل تلك الجماعة وكان بارعا فى عمله للدرجة التى جعلتها تثق فيه، وهى لا تثق بسهولة حتى فيمن جندوا منذ صغرهم.
كلما فى الأمر أنى عزيت تحول "المحبوب عبد السلام" وإعترافه بكل وضوح "بإنتهاء" العمر الإفتراضى لما يسمى "بالإسلام السياسى" وكما ذكرت بالحرف – ربما – لأم درمانيته ودللت على ذلك بإعتراف سابق لشخصية قيادية وأم درمانية أقدم وأكبر منه فى تنظيم "الإخوان المسلمين" وهو المرحوم "يس عمر الإمام" الذى قال ذات يوم من داخل البرلمان وفى ظل نظام ديمقراطى بعد إنتفاضة أبريل 1985 "إذا تعارضت الديمقراطية مع الشريعة، فنحن مع الشريعة لا الديمقراطية"، فإذا به قبيل وفاته يقول "بأنه اصبح يشعر بالحياء لدعوة أحد أحفاده للإنضمام للحركة الإسلامية".
والتحول والمراجعات ليست مستغربة فى النفس البشرية، "فشيخ" متطرف أكثر من المحبوب ويس عمر الإمام، أتابع مراجعاته وإعترافاته وهو مصرى الجنسية إسمه "نبيل نعيم" وتسجيلاته موجودة على "اليوتيوب" وهو مؤسس "الجماعة الجهادية" فى مصر والذى اعترف بالتخطيط لإغتيال الرئيس المصرى "أنور السادات" وبسبب ذلك قبع فى السجن لمدة 18 سنة ورأى ما رأى من أهوال وتعذيب فى السجن، بعد كل ذلك راجع نفسه وأعترف بالخطأ فى فكره بل وصل شاؤا لم يسبقه عليه أحد حيث قال فى إحدى اللقاءات "إذا تعارض النص – يعنى النص القرآنى أو الحديث – مع مصلحة الأمة فيجب أن يعطل حكم ذلك النص من أجل المصلحة العامة".
ولعمرى فهذا رأى مستنير ومتقدم للغاية، ولم يتبق على "الجهادى" السابق "نبيل نعيم" غير أن يزيل "لحيته" أو يخففها طالما اصبحت اللحية ترتبط فى عصرنا هذا "بالإرهاب" وبإمكانية تحول الشخص الى إرهابى فى أى لحظة.
بالعودة لما قاله الشيخ "نبيل نعيم" عن "تعطيل" حكم ورد فيه "نص" من أجل المصلحة العامة، نجد فى تاريخ الإسلام كله تقريبا لم يفعل أو يقل بذلك المعنى شخص لا "يوحى" اليه ثم يقبل منه، سوى الخليفة الثانى عمر بن الخطاب، حينما عطل حد السرقة فى عام الرمادة وحينما اوقف نصيب المؤلفة قلوبهم المذكور فى آية قرآنية صريحة، حيث إنتقل الرسول "صلى الله عليه وسلم" للرفيق الأعلى ومن بعده خليفته "ابو بكر الصديق"، وأؤلئك "المؤلفة" قلوبهم يحصلون على نصيبهم من مال الزكاة، الى أن جاء "عمر" فمنعهم ذلك الحق.
وهذه مشكلة المسلمين "اليوم" والسبب فى إظهار دينهم "بالتطرف" أنهم لا يقبلون تعطيل "الأحكام" الواردة فى النصوص والتى تتعارض مع مصلحة الكون كله ومع ثقافة العصر وجنوح الناس كآفة – الا قليل - نحو السلام وشبه إتفاق وإجماع على طرح الأفكار والرد عليها بالتى هى أحسن حتى لو كانت ممعنة فى الكفر والإلحاد.
فذلك هو مراد الله فى أصول قرأنه: "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر".

_________
ومن ثم اقول .. لم يمض يومان على ذلك الحديث الذى ذكرته فى حق "أم درمان"، فإذا بحادثة مأسوية مؤسفة تقع فى تلك المدينة بعد وفاة شاب طعن خلال مشاجرة وحمل للمستشفى وتوفى هناك.
بغض النظر عن إهمال أو تقصير من جانب الأطباء والكوادر الطبية المساعدة وهنا لا أدعى أن الأطباء جميعهم ملائكة أو أن تقصيرا لا يمكن أن يحدث من البعض.
لكن الذى حدث وتناقلته الأسافير، بعيد جدا عن ثقافة أم درمان التى أعرفها وجعلتنى أعتز وأفتخر بالإنتماء اليها، حينما كنا صغارا سمعنا من "الحبوبات" على خلاف باقى المهن – "الدكاترة ولادة الهناء"، ربما لأنهم يهبون الحياة .. أو هن يظنون ذلك، وكان الطبيب يطلق عليه فى إسم "الحكيم".
ويكفى أطباء مستشفى أم درمان وغيرهم من أطباء فى المستشفيات الأخرى على إمتداد أرض "الوطن" أنهم لا زالوا يعيشون داخل ذلك الوطن "الجريح" ولم يغادروه الى الخارج فى ظروف طاردة من جميع الجوانب وفى ظل نظام لا يحترم حقوق الإنسان وأدنى أحتياجاته ، بل يهتم "بالمليشيات" التى تقتل الناس ويغدق عليها الأموال أكثر من إهتمامه بالأطباء وبالكوادر المساعدة التى تهب الحياة، بعد الله توليدا ورعاية صحية ومعالجة قدر "المستطاع".
أكثر من ذلك فإن المستشفى فى أم درمان - أتمنى الا يكون قد بيع - كما سمعت من قبل والمتوفى الى رحمة مولاه وأهله من أم درمان بل من أعرق أهل أم درمان حيث تعود جذورهم الى منطقة كررى.
فى السابق فى أم درمان حينما يتوفى شخص حتى لو عن طريق إهمال أو نتيجة ضربه بآلة حادة أو عصا، اول شئ يقوله أهل القتيل "أن يومه قد تم ولولا ذلك لما قتله ذلك الشخص".
والأمر لا يتعدى أكثر من اللجوء "للقانون"، هذا إذا لم يسارع الأخيار فى التوسط للعفو والتسامح.
نحن فى أم درمان وربما فى جهات كثيرة أخرى فى "السودان" ما كنا نعرف "الثأر" كبلد مجاور مثل "مصر" مثلا التى يتفاخر أهلها بأنها "أم الدنيا" و"الأم" يفترض أن تكون أحن مخلوقات الله.
لكن دعنا نستعرض هذا المثال لحادثة أعرف تفاصيلها جيدا تتمثل فى صبيين فى حوالى الخامس عشرة من عمريهما، كانا يلعبان بالحجارة فيرمى كلا منهما الآخر بحجر، تسبب ذلك اللعب فى ضرب أحدهما للأخر على رأسه مما سبب له نزيف وتوفاه الله.
مثل تلك الحادثة لو وقعت فى " أم الدنيا" لقتل بعدها بالسلاح النارى أو غيره، عدد من أسر الطرفين ولأستمرت قضية "الثأر" لعدد من السنوات، أما فى السودان وتحديدا فى أم درمان، لم يحدث غير أن سلم أهل الصبى القتيل لأمر الله ودفنوا إبنهم وقالوا هذا قدر الله وقضاءه وشاركهم فى العزاء لمدة ثلاثة ايام أهل القاتل.
وهذه الأسرة الأخيرة وبدون أن يجبرهم أحد لكن إحساسا منهم بمشاعر وحزن والدى الصبى المتوفى وإخوانه أتخذوا قررا ببيع منزلهم وإنتقلوا الى منطقة أخرى.
ذلك هو السودان وتلك هى أم درمان - التى تغيرت - وكثيرة مثل تلك الحوادث خاصة إذا كان الموت بسبب حادث حركة مهما بلغت فيها درجة الأهمال، وهل يختلف إهمال سائق سيارة عن إهمال طبيب، إذا كان الطبيب السودانى فعلا قد يهمل أو لا يهتم بمريضه؟
للأسف فعلا تغيرت أم درمان بسبب تغير الظروف الإقتصادية والمعاناة التى يعيشها كآفة أهل السودان ومعهم بالطبع ومن قبل ذلك بسبب ثقافة الكراهية والغل والأنانية والقتل المجانى التى جاء بها هذا النظام، والذى جعل الكثيرون يقولون "نفسى .. نفسى" وكأ،ه أتى للناس بيوم القيامة قبل أن وقته.
أرسلت العنوان أعلاه لصديق " حتى أم درمان تغيرت" ولم أكمل من يعزينى فيها ومن يعيدها الى.
فرد على بذكريات عشناها وعاشها الجيل الذى سبقنا منها الجاد ومنها الطريف.
قال لى أن مشوار "التكس" من المحطة الوسطى أم درمان للمهدية كان عشرة قروش وكانت الطرحة ب قرشين ونصف.
قال أم درمان فيها الهلال والمريخ والموردة .. وفيها الأدباء والشعراء والفنانين وأفضل لاعبى كرة القدم.
لا احب أن اذكر السياسيين حتى لا أخلط الصالح بالطالح فى هذا المقام وحتى لا أنافق أحدا لا يستحق الذكر.
يكفى أم درمان كانت فيها نساء بملايين الرجال يكفى أن اذكر من بينهن أول طبيبة سودانية "خالدة زاهر" .. ومن بينهن "فاطمة أحمد إبراهيم".
وفيها من الأستذة "كرف" و"شداد" و"الهادى أحمد محمد صالح" و"الغول" وكثيرون علموا الجيل الذى سبقنا وأخرون درسوا لمن هم بعدنا.
وفيها من الشعراء الفحول أبو صلاح وعتيق وسيد عبد العزيز وعبيد عبد الرحمن وسيف الدسوقى ومحجوب شريف وغيرهم .. وفيها من الفنانين الكاشف وإبراهيم عوض وميرغنى المامون وأحمد حسن جمعه وزيدان أبراهيم والجابرى وخليل إسماعين وشرحبيل أحمد وآخرين غيرهم ... وحتى العميد "أحمد المصطفى" وهو ليس من أم درمان، لكنه غنى إحدى أروع أغانيه لأم درمان.
وفيها من اللاعبين صديق منزول وجكسا وبرعى وكمال عبد الوهاب والدحيش وبشرى وهبه وعلى قاقارين وبشارة ومصطفى النقر، وترنه والمحينة وعمر عثمان وغيرهم .. وعدد لا يستهان به فى كآفة المجالات لا يمكن إحصاءهم فى مقال واحد.
ثم ختم الصديق العزيز رسالته بطرفة قال فيها "فى أم درمان كان جوز الحمام 3 فرد"!
الآن نحن فى زمن "الزلعة" بعد أن قضى على سوق "الملجه" وسوق اللحم المجاور له، حيث كانت الطماطم والعديد من أنواع الخضروات تباع "شبه مجانى" وكيلو اللحم ب 7 قروش!
لقد غير ملامح أم درمان "الفقر" والضغط الإقتصادى وقلة الرحمة وتراجع التكافل بين الناس وزاد "الطين بلة" هذا "الفكر" الدخيل وهذا النظام القبيح ورموزه "لعنهم الله" ومن عجب لا زال البعض متمسك بالنظام وبرئيسه وبرموزه .. ولا زال ينافقهم!
تاج السر حسين – [email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1762

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




تاج السر حسين
تاج السر حسين

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة