المقالات
السياسة
سودان دا مالو؟
سودان دا مالو؟
12-20-2015 04:12 PM


سودان دا مالو؟
"في مسألة نظافة العاصمة"
يحيى حسين قدال

سودان دا مالو ؟ صيحة قوية وغاضبة ظل يرددها مواطن سوداني جنوبي حينما نقل إلى قسم الطوارئ بمستشفي الخرطوم ذات مساء في أواخر سبعينيات القرن الماضي و هو يعاني من رضوض شديدة نتيجة تعثره بإحدى فتحات المجاري وهو يسرع الخطا نحو موقف المواصلات العامة. كانت المسألة بالنسبة لنا ونحن وقتها طلابا جامعيين لا تخلو من طرافة ووجه الطرافة هو أنني تعودت أن امزح مع زملائي بالعربية التي يتكلم بها الجنوبيون فوجدها الزملاء فرصة وطلبوا مني معرفة ما يريده "قريبي" هذا عسى أن نقدم له ما نستطيع من مساعدة فقصدناه واستفسرنا عما يعانيه فأجابنا بعربية ركيكة فهمنا منها انه ظل على حاله تلك قرابة الساعة دون أن يبدي أيا من موظفي المستشفي اهتماما به ، و لقد كان محقا في ما قاله غير أن الحقيقة الأكثر وضوحا هي انه لم يكن الوحيد الذي لم يُعر اهتماما حيث كان هناك الكثيرون ممن يعانون معاناته أو أكثر و لكن نتيجة لإدراكهم ما يدور في ذلك المستشفي العتيق ظلوا يتمسكون بحبال الصبر ريثما يتفضل عليهم احد الأطباء أو الممرضين بالتفاتة .سؤال كبير ذلك الذي طرحه هذا المواطن الجنوبي الذي جاء من ركن قصي من السودان و كان في خاطره انه بوصوله للعاصمة تكون اغلب مشاكله قد حلت فهو أولا سيجد مصدر رزق يدر عليه دخلا يسد حاجته و حاجة أسرته كما انه بمجيئه إلى العاصمة يكون قد ورد مورد الخدمات الممتازة و التسهيلات التي لا تحدها حدود و لكن كم كانت صدمته كبيرة حينما تعرض لأول موقف اضطره إلى الذهاب للمستشفي ؟ فما لهذا السودان و هذه مستشفيات عاصمته لا تتوفر بها ابسط مقومات العناية بالإنسان ؟ ما لهذه العاصمة التي لا تشبه عواصم الدنيا ؟ و ما لهذه العاصمة التي تغرق في شبر ماء بمجرد أن تتجاوز قراءة الأمطار فيها حدود الأمطار الخفيفة فتكشر شوارع الإسفلت فيها عن أنيابها و تبدي ما أخفته أيادي الفساد ؟ أي عاصمة تلك التي يصفها احد الزوار بأنها واحدة من أوسخ إن لم تكن أوسخ عاصمة رآها في حياته ، انه الدكتور/ عبد اللطيف خماخم عميد كلية الاقتصاد والتصرف (تعني الإدارة عند التوانسة) بجامعة تونس و الذي جمعتني به الظروف مصادفة بمطار جدة عام 1987م حينما وصلنا على طائرة واحدة من الخرطوم وأنا في طريقي إلى نيروبي بينما كان الدكتور/ خماخم و معه مجموعة طيبة من علماء الإدارة الأجلاء في طريقهم إلى الرباط في مهمة بعثتهم إليها الأمم المتحدة فنقلتهم هذه المهمة من الأردن إلى اليمن ثم السودان لحضور مؤتمر العلوم الإدارية الذي نظمته جامعة الخرطوم وقتذاك. سألني الدكتور/ خماخم ونحن في صالة الترانزيت إن كنت سودانيا فلما رددت عليه بالإيجاب استأذنني في أن يبدي لي ملاحظة عن الخرطوم و هو يردد الكثير من عبارات الثناء على السودانيين الذين تعرف إليهم أثناء عمله في الأمم المتحدة مشيرا إلى أن مجموعة منهم يقومون بمهام مماثلة لمهمتهم ولكن في جهات أخرى من العالم و أبدى استغرابه الشديد من حال العاصمة السودانية ووسخها بينما يزخر السودان بعلماء وإداريين أكفاء يعملون في أرقى المنظمات الإقليمية و الدولية ويمكنهم أن يغيروا وجه الحياة في السودان إذا ما أتيحت لهم الفرصة ثم أنهى كلامه مبديا الكثير من الأسف على ما سببته لي هذه الملاحظة من مضايقة و افترقنا على عجل بعد أن نودي على طائرتنا ولكنني لم انسى أن اطلب منه كرت العمل الخاص به حتى أوثق لأي تعليق أو مقال اكتبه بشأن ملاحظته تلك و هأنذا افعل بعد كل هذه السنين و التي للأسف لم يتغير فيها حال عاصمتنا طوالها إلى الأحسن أبداً. ولا يفوتني أن أشير إلى أنني أعجبت كثيرا بكلمة "التصرف" التي جاءت مقابلا لكلمة management الانجليزية في كرت عمل الدكتور خماخم حالها في ذلك حال كلمة الوزير الأول التي تستخدم في المغرب العربي بديلا لكلمة رئيس الوزراء .أعود فأقول أن المسألة ليست في الملاحظة التي أبداها هذا الدكتور الكريم فحسب بل السؤال هو هل تخطي هذا الدكتور أثناء وجوده بالخرطوم لأيام معدودة جدا المسافة بين جامعة الخرطوم و قاعة الصداقة حيث عقدت الجلسات أو المسافة إلى فندق "هيلتون" حيث كان يقيم وقتئذٍ؟ إذا كانت الإجابة بالنفي و هذه ملاحظته عن " نظافة " الخرطوم فما الذي كان يمكن أن يقوله هذا الدكتور أذا قدر له أن يزور احد أحياء الخرطوم الشعبية الطرفية ؟ ثم إذا كانت ملاحظته تلك عن شارع النيل و ما حوله و الذي ظللنا نتشدق بأنه أجمل شارع في الدنيا ونحن لم نضف له شجرة واحدة منذ أن ذهب الاستعمار فما الذي يمكن أن نطلق عليه شيئا جميلا في الخرطوم ؟ و قد يثار سؤال عن لماذا اخترت أن اكتب هذه المفكرة في هذا الوقت بالذات فأقول أنني ظللت اسمع و اقرأ كثيرا عن ثورة الشوارع التي انتظمت الخرطوم مؤخرا وما يمكن أن يحدثه ذلك من آثار ايجابية على مظهر العاصمة ونظافتها فأتيحت لي رؤية هذه الشوارع وقرأت عن رأي البروفسير عبد الرحمن العاقب في مواصفاتها قبل سنين ثم ما يوجه لها من نقد بالصحف عقب أمطار كل عام و تماشى كل ذلك مع الانطباع الذي خرجت به ، فشوارع العاصمة عندنا محلية المواصفات و لا تخرج عن كونها خلطة من حصى و تراب تدك و"تمندل " ثم يدلق شيء من الإسفلت في وسطها و انتهي البيان بدليل أنها تبدأ في التقشر و "الكرمشة" ولما يمضي على إنشائها عامين .إنها شوارع ضيقة لا تستوعب حركة المرور الكثيف في العاصمة المثلثة هذه الأيام خاصة تلك الممتدة إلى الأحياء ، شوارع إذا تعطلت فيها شاحنة واحدة عطلت فيها حركة المرور لساعات لان الشارع لا يستوعب إلا سيارتين جيئة و ذهابا، شوارع لا توجد بها "كتوف" مما يجعل حوافها عرضة للتكسر نتيجة طلوع و نزول الحافلات والسيارات الكبيرة منها خاصة في فصل الخريف بسبب تهتك هذه الحواف بفعل الأمطار ، شوارع تتحول أطرافها إلى برك تأوي البعوض و الذباب فيتبادلان سرقة النوم من عيون الصغار و الكبار في ورديتين منتظمتين ليل نهار، شوارع لا توجد بها أي لوحات إرشادية فأنت مثلا تنزل من كبرى ام درمان الجديد قاصدا جنوب الخرطوم فتجد نفسك في وسط العاصمة مسايرا لحركة المرور خاصة إذا لم تكن عاصميا لأنك لم تجد لوحة ترشدك إلى أن تسلك شارع الغابة الذي يختصر عليك المسافة والكثير من الوقت و إما إذا نزلت في الجانب الآخر من هذا الكبري فأنت تنزل في فضاء واسع ولا تدري إن كانت أفضلية المرور لك ام لغيرك فتضطر أن " تدافس" مع الآخرين حتى تجد لك مخرجا ، شوارع غير مضاءة و لا مشجرة و لا مزهرة و لا غير ذلك مما يجعل شوارع العواصم أماكن للنزهة أكثر من كونها طرقا تعبرها السيارات و المشاة .أما شوارع الأحياء فقد أصبحت مرتعا للتعديات وصار الكثيرون يضيفون لمنازلهم امتدادات جديدة لزوم مبيت الأولاد في "الطراوة " أو تخزين الفحم والحطب و السيارات أو حفظ الماشية والدواجن أو زراعة الزهور ولم يقف الأمر على الأحياء الشعبية بل امتد إلى الأحياء الراقية "مجازا" في شرق الخرطوم والتي يمكن قول الكثير عن شوارعها و نظافتها وتخطيطها وغيره.لقد كنا نتعلل في الماضي بأن ما يحول دوننا و تجويد أعمالنا هو ضيق الإمكانيات فما بالنا لم نجودها عندما من الله علينا بنعمة البترول و تحسنت ظروفنا الاقتصادية منذ سنوات خلت ؟ ، فمشروع واحد مكتمل المواصفات و التنفيذ خير من عشرات المشاريع الهلامية التي يراعى فيها الكم أكثر من الكيف.اخلص إلى أننا لا نزال بعيدين كل البعد عمن حولنا وإذا كان أقصى ما نطمح إليه هو مقارنة الخرطوم بعواصم مثل صنعاء و نواكشوط كما أراد احد ولاة الخرطوم أن يوحي لنا في مقابلة أجريت معه منذ بضع سنين بتلفزيون السودان فلا استبعد أن يطل علينا ضيف آخر و يشتمنا علنا هذه المرة.

يحيى حسين قدال
[email protected]





تعليقات 2 | إهداء 1 | زيارات 2161

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1388875 [سوداني]
0.00/5 (0 صوت)

12-22-2015 03:31 AM
【اخلص إلى أننا لا نزال بعيدين كل البعد عمن حولنا】

صدقت. الحقيقة المرة هي اننا شعب متخلف!

High time we came to terms with that

For it is a fact that won't change in this century

[سوداني]

#1388151 [alhadihamid]
0.00/5 (0 صوت)

12-20-2015 06:18 PM
كلامك صاح و حقيقة يا اخوى يحيى قدال لكن البسمعك منو ؟؟؟

[alhadihamid]

يحيى حسين قدال
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة