المقالات
السياسة
العمل الخيري .. المفتري عليه .. في زمن الانقاذ .. ؟؟‎
العمل الخيري .. المفتري عليه .. في زمن الانقاذ .. ؟؟‎
09-29-2016 09:04 PM

الذى استفزني لكتابة هذا المقال هو ما بثته فضائية الخرطوم ثانى ايام عيد الاضحى المبارك الماضى 11 ذى الحجة 1437 فى نشرتها الاخبارية لاحدى المسؤلات ( المسعولات ) و هى تقوم بتوزيع لحوم الاضحية للمحتاجين بينما تقوم الكاميرا بتصوير تلك المسؤلة ( و المسعولة بحق ) و ابتسامتها تلاحق الكاميرا و هى ممسكة بكيس شفاف و هى تقوم برفعه قبل اعطائه للذى يقف امامها ( و ذلك حتى يرى الشعب السودانى و المشاهدين انها لحمة بحق و حقيقة ) .. ؟؟ و اعتقد من شكله و طريقة حملها له ان به نصف كيلو لحمة او اقل و هى تقوم بتقديمه لاحد المواطنين الذين رمتهم سياسات الانقاذ ( التفقيرية ) لهكذا ظروف و هكذا موقف مؤلم .. ؟؟ و لغاية الان افكر لماذا و مم كانت تبتسم ( و نعوذ بالله من المن و الاذى ) قد يكون مما يحتويه الكيس .. ؟؟ و من خلفها تقف سيارة شاحنة مبردة بها اللحوم و يتكرر ذلك المنظر مع مواطنين اخرين ينتظرون دورهم فى الظفر بكيلو لحمة بالاضافة الى صورة تلفزيونية مع حضرة الوزيرة .. ؟؟
مستوى تحمل المسؤلية سجل غيابا تاما خلال سنين الانقاذ العجاف .. و هذا يقودنا للعودة بالذاكرة الى زمان ما قبل الانقاذ حيث كان هذا القطاع يمثل صورة مشرقة من صور تحمل المسؤلية نحو المجتمع السودانى .. و اعنى بذلك العمل الاجتماعى الذى كان يسمى حينها بالعمل الخيرى تجسيدا لحالة التدين الفطرى الحقيقى التى كان يعيشها هذا الشعب فى هذا البلد وكانت تتسم بها شخصيتنا الوطنية ايضا .. ففى ديننا الحنيف يقول المولى عز و جل شانه : ( و لتكن منكم امة يدعون الى الخير ) و قول الحبيب ( ص ) : ( الدال على الخير كفاعله ) و التى كان يسير الناس على هداهما .. و ذلك قبل ان يدخل علينا فى عهد الانقاذ مصطلح العمل الاجتماعى و يحل محل العمل الخيرى .. ؟؟ و ما رافق ذلك من تغيير فى ساوكيات و اخلاقيات العمل فى هذا المجال من حيث المظهر و المن و الاذى .. و على سبيل المثال ان رواد العمل الخيرى فى السابق فى سوداننا كانوا يتصفون بالتجرد و انكار الذات و الابتعاد عن الاضواء و العمل بصمت و من وراء الكواليس .. ؟؟ فى حين نجد اليوم ان جل العاملين فى العمل الاجتماعى يسعون الى الاضواء و الشهرة ترافقهم فضائيات و كاميرات براقة تركز على ابتسامة صفراء باهته من جانب هذا المسؤل المكنتز لحما و شحما و فى جانب اخر تبث نظرات الانكسار و الاذلال من عيون اولئك المواطنين السودانيين الذين اجبرتهم سياسات الانقاذ الاقتصادية و الظروف المعيشية الصعبة للوقوف فى هكذا موقف .. فهم اولا و اخيرا ضحايا السياسيين و مدعى التدين .. بل و صار هذا العمل طريقا للفوز بمقعد فى البرلمان او الى عضوية مجلس ولائى و ذلك عبر المتاجرة بالام الفقراء و باوجاع المساكين و انات الارامل .. و فى اقل الاحوال ضررا صار العمل الاجتماعى او التطوعى ( فليسمونه ما يشاءؤن ) طريقا للوصول الى الفنادق الفخمة التى تقام فيها الحفلات لجمع المساعدات للفقراء و المساكين فصار معظم ما يجمع يذهب ثمنا للموائد و للقنوات الفضائية التى تجلب لتصوير هذا الكرم الحاتمى .. و لا يبقى للفقراء و المساكين بعدها الا النزر اليسير .. و هنا يبرز لنا عنصر الرياء و النفاق الاجتماعى .. ؟؟ سيدات و جمعيات يقمن بعمل ما يسمونه بالخيرى و هن بكامل المكياج مضافا اليه كميات هائلة من ( الحومرة ) .. و بالضرورة و حتى يكون العمل نبيلا ان تظهر صورهن مع الفقراء و اليتامى و هن يقدمن كيسا به لحم اضحية .. او بطانيات لا تقى بردا .. او ناموسيات لا تحمى باعوضا .. او وجبات و قد بردت بفعل الزمن و طول مسافة الطريق .. او ملابس .. او معينات عمل مثل الدرداقات و الطواحين و ماكينات الخياطة .. الخ ؟؟ و بالمقابل و فى الجانب الاخر يدرك اولئك المواطنين و الاطفال منهم بالذات الذين تم احضارهم للوليمة ان الصور هى الغاية من كل ما يحدث و بعضهم تنشق عطرا فرنسيا لاول مرة فى تاريخ حياته و بعضهم طواه الخجل و لم يعرف ماذا يفعل فترك ما يقدم له و بقى صامتا و منكسرا و متاملا ما يحدث امامه و باسمه .. ؟؟ و ثمة ابتسامات فى الصور .. و احداهن تصر على ان تظهر صورتها فى موقع الكترونى و هى تمنح طفلا من اليتامى هدية رمزية و عندما تتمعن فى اسنانها تكتشف ان الاسنان قد طلتها قبل التصوير بمبيض فصارت اشبه ما يكون بالسيراميك بل و كانها التقطت الصورة حتى تعرف شكل اسنانها الجديد .. ؟؟ و حين تتامل فى الصور جيدا تكتشف ان هذه المسؤلة حظيت بالنصيب الاكبر و ان حضرتها كانت مشرفة على توزيع الهبات و ان فقر هؤلاء الاطفال قد عصر قلبها لكن الغريب انها تتعمد ان ترفع يدها بين الفينة و الاخرى مكبرة : الله اكبر و لترينا نقشات الحناء على يديها لتكتشف ان حضرتها ترتدى طنا من الذهب و ساعة الماس و هذه من ضرورات الصورة حتى يتبين للشعب السودانى من جهة حجم الدلال الذى يفوح من وراء المنصب الحكومى فى زمن حكومات الانقاذ .. ؟؟ و بالنسبة لاولئك الاطفال يبدو انهم احضروا للمكان بدون رغبة .. و يبدو ان العمل الخيرى اصبج موسما للاستعراض يتم احضارهم لولائم لا يعرفون لماذا اندلعت و يتم تصويرهم بشتى انواع الكاميرات وهم صامتون لا يملكون قدرة على الرفض او حتى الكلام .. نعم العمل الخيرى فى بلادنا و فى زمن الانقاذ اصبح جزءا من العرض الاجتماعى .. ؟؟
سابقا و غير التجرد و انكار الذات و العمل بصمت فقد كان العمل الخيرى فى السودان يتسم بروح الجماعة لان النية كانت خالصة لله تعالى .. فقد كان الرواد الاوائل للعمل الخيرى كانوا يشعرون بمسؤلياتهم نحو مجتمعاتهم .. فكانوا يسعون الى بناء وطن لاقالة عثرات ابنائه .. لذلك لم نكن نسمع بطرود الخير او زوادة الخير و كفى الله المؤمنين شر النفاق .. لكنها كانت اعلى من ذلك بكثير .. لذلك كان انجازهم اعظم و اكثر خلودا .. خاصة ذلك الجزء الذى كان يتعلق بالانسان و بناء الانسان و بناء وعيه حيث انصرفت همة اولئك الرجال الى بناء المدارس للتعليم وهى مدارس ربت اجيالا يشار بدورها فى بناء الوطن بالبنان و ما زالت ( و اذكر هنا مدرسة منيب عبده ربه الثانوية بكوستى ) .. و ذلك قبل ان يتحول التعليم و المدارس الى استثمار تجارى بحت للسف و البلع .. ؟؟ ايضا عمل اولئك الاخيار منا على تشييد المستشفيات و المراكز الصحية و امدادها بالمتلزمات حتى المواد الغذائية للمرضى كانت تاى مجانا منهم ( اذكر هنا مركز الاحمدين الصحى بكوستى ) و ذلك قبل ان تتحول المستشفيات هى الاخرى الى الاستثمار و للاسف استثمار فى صحة الانسان السودانى .. ؟؟ لا ننسى الجمعيات الثقافية التى اقامها رواد العمل الخيرى و ذلك كله من اجل بناء الوعى عند الانسان السودانى و ذلك قبل ان يتحول العمل الاجتماعى من منطقة الوعى الى منطقة المعدة كما حدث فى ايامنا هذه .. و هو خلل خطير و هو عملية مبرمجمة و مقصود منه ترسيخ قيم الجهل و ثقافة التافه من الامور و يعمل على تنمية التواكل و البطالة و مفهوم اليد السفلى .. ؟؟
كثيرة هى المجالات التى انسحب منها العمل الخيرى فى السودان او حافظ على وجود رمزى فيها .. ؟؟ اليوم لم نعد نجد من يقوم بتشييد مدرسة تربوية لها رسالة حضارية لوجه الله تعالى و اهدائها للحكومة .. ؟؟ لم نسمع بمن يقوم ببناء مركز لغسيل الكلى و التبرع به لمستشفى ما .. ؟؟ اليوم لم نسمع بمن يتبرع بانشاء مركز للبحوث العلمية فى احدى الجامعات على نفقته الخاصة .. ؟؟ اليوم لم نعد نسمع بمن يقوم بانشاء مركز ثقافى مميز يقوم ببناء الوعى للطلاب و اعلاء القيم الوطنية و المثل الاخلاقية . . ؟؟ من .. و من .. فمجالات العمل الانسانى كثيرة و متعددة .. ؟؟ اليوم تحول الذى كان مجانا الى مدفوعا حيث تمت خصخصة كل شئ .. ؟؟
رحم الله تلك الايام الخوالى يوم كان العمل الخيرى عبادة لله لا وسيلة للظهور فى فضائيات الانقاذ .. تلك الفضائيات التى لا تعرف لها لون او تتذوق لها طعم او تشم لها رائحة .. تلك الفضائيات التى اصبحت تقدم شيئا اشبه ما يكون بالمزاد المفتوح للمتاجرة يالام الناس و معاناة الشعب السودانى المتعددة .. اولئك الذين ظنوا ان من حقهم العيش فى وطنهم بعزة و فى مجتمعهم بكرامة لكن تلك الفضائيات ايقظتهم من من احلامهم الوردية بل و صفعتهم فى وجوههم بالحقيقة المؤلمة و المريرة بانه لا يوجد شئ مجانا يعطى فى زمن الانقاذ الاغبر .. زمن الانكسار .. زمن المذلة .. زمن اعدام الكرامة فى الانسان السودانى .. و هذا خلل كبير اثر كثيرا على بناء شخصيتنا الوطنية السودانية و التى كان ديدنها التجرد و انكار الذات و العمل الجماعى والخير من ابرز صفاته .. والسعى لبناء الوطن الكبير ( لا فرض توجهات الحزب الصغير كما قام هذا الفرع من جماعة الاخوان المسلمين ) .. ذلك الوطن الجميل و الكبير الذى يسع الجميع لو تصافت النفوس .. ؟؟
هل يعود ذلك الزمن الجميل لهذا الوطن الكبير لندرك ما تبقى من العمل الاجتماعى فنعيده الى ذلك الخيرى الذى كان .. ؟؟

حمد مدنى
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1339

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




حمد مدني
حمد مدني

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة