المقالات
السياسة
بداية ونهاية عصر الحركة الاسلامية بين قرارات حركة النهضة وأحاديث المحبوب عبد السلام
بداية ونهاية عصر الحركة الاسلامية بين قرارات حركة النهضة وأحاديث المحبوب عبد السلام
09-30-2016 05:35 PM


(1) جدلية النهايات دوماً ترسم طريق البدايات هكذا سنة الحياة في تاريخ الافكار والجماعات ، والبدايات دائماً ما تأتي بعد مخاض النهايات ، لذلك سيان عندي كلمة البداية او النهاية علي وصف ما يحدث لتيار الاسلام الحركي ، فكلاهما يمثلان عنواناً واحداً تختلف فيه الكلمات والمصطلحات وتتفق فيه المعاني ، ولا يتوقف ذلك علي تصورات الناس بل يمتد ذلك حتي الي رسالات السماء فحين تتحول الي محض شعائر وأشكال بلا روح تنتهي وتموت ، لذلك يبعث الله الرسل ليجددوا صلتها بالله ويردوها الي اصول الدين و بدايات الهداية .

(2) يقيناً ان الافكار والتصورات حتي وان كانت متصلة برسالة الاسلام اذا لم تُراعي بالتطوير والمراجعات يصيبها ما يصيب الاشياء كلها ، تشيخ وتهرم وتندثر وتتخلف عن المواكبة لأنها تعجز عن تلبية حاجات الناس المعرفية والفلسفية ، ولا تستطيع ان تقدم اجابات علي اسئلة الحياة الملحة في مساراتها المعقدة ، والناظر الي تاريخ الافكار والجماعات يري كيف انتهت افكاراً ورؤى كانت تمثل في عصرها قمة النضج والوعي والحضارة ، تخلفت لان استجابتها انعدمت لتطورات الحياة وقراءة الواقع ، ولذلك تبقي المراجعات التي ينادي بها البعض من داخل تيارات الاسلام الحركي فضيلة وفريضة يجب ان تستمر ، لكن للحقيقة هذه المراجعات والتطوير لم تكن غائبة عن الحركة الاسلامية في السودان فقد ابتدر زعيمها الشيخ الترابي عليه الرحمة هذه المراجعات حين كتب عبرة المسير عن تجربة حركته في السلطة ، وظل في كل حواراته يكيل النقد للحركة الاسلامية حتي تظن ان ليس لها فضيلة تستحق عنده المديح .

(3) ظلت الايام الماضيات حبلي بجدل وحوار عميق عن القرارات التي اقرتها حركة النهضة التونسية في مؤتمرها العاشر ، وقد اثارت هذه القرارات اخيراً الجدل بشدة بعد تصريحات نسبت للأستاذ المحبوب عبد السلام ربطت بينها وبين انتهاء دور الاسلام السياسي كما ورد عنه نصاً ، وللحقيقة بحثت عن هذه القرارات في مواقع حركة النهضة التونسية و تصريحات رئيسها الشيخ راشد الغنوشي ، ولعل افضل تسمية يمكن ان تتسمي بها هذه القرارات انها قرارات ، البعض وضعها في اطار المراجعات تعسفاً وأنها جاءت في سياق مراجعات عميقة اعادت النظر في علاقة الحركة بمرجعيتها وفكرتها الجوهرية ولكن الحقيقة غير ذلك ، اذا تمعنت النظر فيها جيداً بحياد متسامح كما يقول البير كامو فستجد انها جاءت في اطار ضرورة سياسية املتها وقائع الظرف التاريخي الذي تمر به حركة النهضة ، وفي هذا السياق يمكن النظر اليها من خلال الجغرافيا التي تنتسب اليها حركة النهضة والتحدي السياسي الذي فرض عليها ، والظروف الاقليمية والدولية المعقدة ، وقطعاً لا يمكن تعميم هذه القرارات علي كل التيار الحركي الاسلامي ببساطة لان الجغرافيا عند الاخرين مختلفة والسياقات الاجتماعية والسياسية والفكرية مختلفة والتحدي مختلف تماماً ، وإذا نظرت في تعريف حركة النهضة المنصوص عليه في نظامها الاساسي الذي تم تنقيحه في مؤتمرها العاشر تجده ينص علي انها حزب سياسي وطني ذو مرجعية اسلامية ولعل هذا التعريف لا يحتاج الي بسط الشرح المفصل عن ان حركة النهضة لم تتخلي عن مرجعيتها الاسلامية وشمولية فكرتها ، وإذا تأملت تصريحات الشيخ راشد الغنوشي بعد مؤتمر حركته العاشر حين يقول فلسفياً ليس هناك فصل بين الدين والدنيا ولكن كون الإسلام رسالة شاملة لا يعني أن الأدوات التي تخدمه ينبغي أن تكون أيضا شاملة ، فشمولية الفكرة لا تعني شمولية التنظيم ، حديث الغنوشي هذا لا يمكن ان تضعها إلا في قالب ان الحركة اتخذت قراراً تنظيمياً يمس ترتيبها الاداري والتنظيمي ولا يتجاوز الي فكرتها الاساسية ، لذلك اعتقد ان المبالغة في الاحتفاء بان حركة النهضة تخلت عن مرجعيتها الاسلامية والدعوة الي تعميم هذه التجربة علي حركات الاسلام الحركي حديث لا يعدو ان يكون محض اشواق ضالة تريد ان تنال كيداً من الاسلام الحركي ، وهذه الدعوات يكذبها نظام حركة النهضة الاساسي وتكذبها الرؤية الفكرية والمنهج الاصولي الذي اجازته الحركة في مؤتمرها العاشر .

(4) هناك نقطة جوهرية لعلها تغيب عن البعض وهي ما هو مفهوم الدعوي عند تيار الاسلام الحركي ، قطعاً ان خطاب الوعظ والإرشاد في المساجد لا يعدو كونه جزئية صغيرة جداً في طرح مفهوم ومرجعية الاسلام ، مفهوم الدعوة بمعناه الواسع يشمل الاقتصاد الذي يقوم علي محاربة الربا ويقوم علي مفهوم التكافل والعدالة الاجتماعية ، مفهوم الدعوة يقوم علي سياسة خارجية تنصر المستضعفين وتدعو الي العدالة ، ومفهوم الدعوة يقوم الشوري ، مفهوم الدعوة يقوم علي محاربة الرذيلة والفساد ، هذه القيم وهذه الشمولية اذا غابت عن أي حركة او تيار يدعي مرجعية الاسلام يصعب تصنيفه ضمن تيار الاسلام الحركي ، كذا الحال للمشاريع الاخري لا يمكن ان يقول الحزب الشيوعي انه حزب سياسي محض وانه تخلي عن مفهوم الاشتراكية وانه لن يدعو الي المجتمع الاشتراكي حينها لا يمكن ان تنسبه الي تيارات الاشتراكية .

(5) بعيداً عن قرارات حركة النهضة التونسية اذا اقتربنا من تجربة الحركة الاسلامية في السودان والتي اعتقد ان الاستاذ المحبوب كان يصوب النظر اليها وهو يتصفح قرارات حركة النهضة ولعل تأثيرها عليه كان بالغاً حين تحدث عن انتهاء عصر الحركات الاسلامية ، فإذا كان المحبوب يقصد ان الاشكال التنظيمية والخطاب الفكري والسياسي لتيارات الاسلام الحركي عاجز تماماً عن تقديم اجابات معرفية وفلسفية بعد فشل تجربتها السياسية في السودان ومصر ، وأنها اذا ارادت شهادة ميلاد جديدة فعليها بان تعيد صياغة خطابها الفكري والسياسي وان تعيد تشكيل منظوماتها اتعاظاً من تجربتها في السلطة فهذه دعوة تصب في اطار المراجعات العميقة التي يجب ان تنتظم تيار الاسلام الحركي ، لكن اذا كان يقصد اصل الفكرة الاسلامية وشموليتها والأصول الفكرية التي قام عليها تيار الاسلام الحركي فلا يمكن بأي حال ان تكون هذه مراجعات عميقة وعندها يجب البحث عن مصطلح اخر لتوصيفها وتعريفها ، وقطعاً ان ما اتيح للحركة الاسلامية السودانية من امكانيات وموارد مادية وبشرية لم يتاح لاي كيان سياسي او فكري في تاريخ السودان الحديث ، حركة جمعت افضل مثقفي السودان بلا منازع وجمعت نخبة الجامعات السودانية وصفوتها من المتعلمين والمهنيين ، وقيض الله لها قيادة تاريخية تميزت بالصبر والحكمة والحنكة والدهاء ، وقيض لها شباب قدم تضحيات كبيرة في سبيل مشروعها التوحيدي ، ورغم ذلك لم يبلغ مشروعها تمامه ، ازاء هذا الوضع لا يمكن لعاقل إلا ان يبحث عن الخلل بمراجعات عميقة ولكن حدود العقل تتوقف عند الاليات والمنظومات والخطاب ولا تمس الاصول والتاسيسيات ، البير كامو في الموت السعيد يقول ان الزواج يقتل الحب هذه المقولة ليست كافية لان يترك الناس الزواج لكنها دعوة لمراجعة اسباب الزواج الفاشل .


[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2139

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




علي عثمان علي سليمان
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة