المقالات
منوعات
أقاحي الروض / أبو داؤود سلطنة الطرب
أقاحي الروض / أبو داؤود سلطنة الطرب
10-06-2016 03:04 AM


أبو داؤود ( سلطنة الطرب)
الأقحوانة الحادية عشر من روض أبي داؤود
للمهنة تأثيرات تتجلى وترسم ملامحها علي صدر غمامات الإبداع، بل وتنسج من خيوط التخليق عوالم تتري بالجمال وتمت للمهنة بمشارب وأواصر تفضي للثمالة في إتقان الانتماء، عوالم تتكدس بالعجاب. .

تبدت المهن في كثير من الأغاني السودانية البكر، و لكن هو باب إن طرقناه تركنا طريق الثمالة لدرب الدروب فالنبقي مع سر الأسرار و الذي اعتمد عليه أبو داؤود في اختيار عناصر كيمياءه ألا وهو التسفار وأغاني السفر تخصص أبو داؤود في هذا الباب بل فتحه علي مصراعيه و جعل المسافرون يدلفون منه لمحطاتهم عبر قطاراته و باصاته وحتي الدواب في بدائية التنقل، جعل من السفر حالة هيامية تفوح منها رائحة الوداع بطعم الدموع وحرقة الجوف وإدماء المقل.

كان يمتلك عناصر التمثيل والتصوير وأخذك عبر صوته الذي يحوله لكاميرا يخرج ضوئها من ذاكرتك المحتشدة بالتأمل ثم يتطوف بك عبر مسام التذوق المختلفة فللتسفار أطعمة وروائح وللمحطات خصوصية أطعامية تميزها عن غيرها من المحطات فمثلا محطة شندي فوح طعامها يختلف عن محطة الأبيض هكذا كان هو يغني وفق ذائقتك المختزنة فقط ينثر عليها بعض الندي لتعبق.

عشق التسفار فعشقه مهد له عسير دربه و رافقه مستسلما
تعرف يا حبيب و الله أنا من الله خلقني بحب السفر و ما بدور أقعد في محل واحد فترة طويلة ، أنا ملول ، ياخي علي الأقل تغير شوية من الأشكال البتتصبح بيها و تتمسابا دي ، وللا آية مش كدا بالله
ضحك حبيب قائلا:
والله يا عبد العزيز إنت زول غريب البزهجك شنو .
كيف البزهجني شنو ما بشر أنا،
تعرف من يومين شغال في الورشة قفلت معاي من الصباح ركبت عجلتي ومشيت لي رقاشة لقيتها برااها والجو جميل في حبة شكشاكة كدا عجيبة قعدنا في البرنده و هي قامت بالواجب

عرفتك زهجان

تتصور عرفتني
دي ما الشعور كله

يبدو أبو داؤود جالسا علي مقعد خشبي ضخم تظن أنه صنع له خصيصا و بجوار رقاشة بملابس البيت

عزيز قول يا لطيف

يا لطيف

مالك انعل إبليس

إبليس مسكين الدخلو شنو خليهو في حاله كفاهو الفيهو
كدي جيبيلك شيء
اللحم دا خمسة كيلو بكفينا

ضحت رقاشة قائلة عزيز دي خمسة كيلو و أنا وإنت برانا

برانا الله يأذى الأذانا

ثم ضحك برانا وين يا رقشو هسي الشلة تجي ، أقولك أنا الليلة البسوي اللحم ، إنتي جيهي النار
وبدأ يغني

اللحم الدعول
مني ليه حول
الحول يعقب الحول
و أنا بطني بتنادي للمقرشة

ضحكا سويا

طرق الباب

رد أبو داؤود
حباب الجانا زاير
مدخور الجزاير
أتفضل

دخل حسن و بصوت عظيم حيا أبو داؤود
ترك أبو داؤود مقعده و قام لملاقاته، تصافحا ثم أجلسه ونادي

رقشو عندك ضيوف

فرد حسن ضيوف شنو انت الضيف انا سيد بيت

رد رقاشة وهي قادمة عليهم حباب أبو علي صباحك أخدر يابا صافحها ثم مد لها كيس ورق كبير

أبو علي ما في داعي ياخي

رقاشة دي حبة كبدة و م فتفت و كوارع الليلة الغداء والعشاء عندك

ترك ابو داؤود اللحمة ووضع عليها السكين وقال والله إنت زول فاهم كبدة وأم فتفت وكوارع
رقشو اللحم دا اديهو الكلاب دا الاكل

وبدأ يغني

الكبدة بالقرنيت
اشوها كبوا الزيت
ام فتفت اوعا تبيت
الشطة اوزني الخيت

ضحكت حسن حتي سالت عيناه
الله يقطع مصارينك يا المصيبة الداهي دا شنو يا رقاشة

الداهي من بربر
في اتبرا اتحكر
لو كنت تتذكر
ما كان سألت

حسن : لا لا لا يا رقاشة

والضحك يستعمر ملامح وجهه والسيطرة مقودها بيد أبي داؤود ، ومازال أبو داؤود ينثر لطافته علي مجلسه بخفة ظله ولطافة نكته حتي توسل إليه حسن وتدخلت رقاشة لتهدئة الموقف صمت أبو داؤود وهو يهمهم بصوت خفيض وحسن يلملم وجهه من بقايا الضحك
حسن والضحك لا يزال عطره علي وجهه
إنت بتقول في شنو

رفع أبو داؤود صوته مغنيا

كيف يا روحي تقسي تفوت
تسافر تسيبني كيف للموت

صعب بالحيل فراقك مر
و اصعب منه لما أذكر
مشيت خليتني لو تذكر
و دموعي نازلة تشر

ما قت لي راجع إمتى
خليت عقلي جن وشتى
دي الروح بالعشق منبته
وجسمي ما هامدة فيه حته

حينها احتل الإعجاب كل نوافد حسن المفضية للإحساس بالجمال وظلت عيناه عالقتا بأبي داؤود حتي أستلف الخيال بصيص تركيزه وذهب به إلي عوالم أكثر جمالا


أبو داؤود ( سلطنة الطرب)

الأقحوانة الثانية عشر من روض أبي داؤود

صباحها كما عهدته في ميقاته وذات الأصوات ونفس الأوجه، بينما النيل غير البارحة، مشرئب فتي جاد السير بعنفوان قبالتها، وبدت تتسرب ليمناها زرافات من الحليب النيلي الأسمر لينجبا نهر أتبرا، هنا للأرض رائحة الذرة، هنا للأرض عطر الفاتنات، هنا للقمح احتفالات وموسيقى ودن، هنا يجتمع النيل بالأرض حلالا لتحيا اتبرا، هنا يستعصي علي العاقل أن يتدبر

تمد ساعدها لترتشف زبدة الصباح وترتوي لتعيد نشاطها والذي بدوره يعيد نشاط عمالها

الورش بتمامها ما غاب عنها بدر أو تخلف من الحلقة ترس كل يفضي لبعضه، و الضجيج هو سيد الموقف، واللون القاتم في الألوان هو فرشتها التي ترسم بها علي جداريتها نحن هنا ولا أحد يري سوي الحديد

يبدو أبو داؤود يحمل في يده قطعة من الحديد الصلب، وقف يتحدث مع أحد البرادين بالورشة ثم انصرف صوب آخر .

عثمان عليك الله ما تنعم لي السنة دي

إنت حيتا وين

الحي الله حياها فضل المولي، نعما لي و أجرك علي الله

أخذ عثمان قطعة الحديد ووضعها علي الماكينة، بدأ أبو داؤود ينقرش علي تربيزة المخرطة، فأوقف عثمان الماكينة ليري ما صنعه بقطعة الحديد فأرتفع صوت أبو داؤود بالغناء

عبد العزيز من الأول عليك الله

شنو هو المن الأول

الأغنية الغنيتها هسي

ضحكت أبو داؤود قائلا
الواحد لو غنا في الجوطة لي روحة دايرين تسمعوا معاهو، طيب وبدأ يغني

من الصباح ورشة
مسمار معاو خرشة
طنطن بعد هرشة
سوالو برمة و راس

خدمة شقا ورزقا قوي
صبرنا يا الحنان قوي
رزق العيال ما يكون قوي
و العزم يبقالنا الاساس

ضحكت عثمان ملأ روحه حتي بدأ اللون الأخضر يتسرب من الجانب العلوي من الجدارية

أخذ أبو داؤود قطعته وخرج

يقف أبو داؤود جوار شخص يرتدي نظارة ويلحم بعض القطع الحديدية التي وضعت علي التربيزة ولا تزال تلك القطعة بيده فنظر إليه مليا ثم قال:
يابا قدامك دا كلو؟

أيوه مالك عاوز حاجة؟

لا يابا كنت داير أساعدك.
بطريقة (بها شيء من الكوميديا)

تشكر (محاولاً كتم ابتسامته)

يسكن زمنا ثم يقول له:

أها, فضلّـك كتير

بصوت عالي ومغتضب
يا عبد العزيز إنت عاوز شنو؟

عاوز الشقا وعدم اللقا

ضحك الحداد بعد أن أزال رد أبو داؤود غضبه.

إنت عندك شنو فارش ليمون؟
ما داير ألحم دي ألحقا المهندس
قول يا الله

ثم غني

يا الله الحمالة عليك
و يا الله مني وليك
يا الله أمشي و أجيك
يا الله زيل غلبي

يا الله حالنا سرور
يا الله ديمة حبور
يا الله بي البابور
فد مرة أشوفو مرور

الله الله الله
استغفر الله العظيم
خليها علي الله
الله حنين علي المسكين

ألحم لحمك قطر

يأخذ منه قطعته ويبدأ في لحامها ولون شرار اللحام ينثر علي الجدارية القاتمة بعض الألوان الشابة الجموحة التي تحاول إعادة الحياة القزحية للمكان وتسري رائحة اللحام عبر الجدارية لتكسيها صلابة.


ا

اقاحي الروض

أبو داؤود ( سلطنة الطرب)

الأقحوانة الثالثة عشر من روض أبي داؤود

للأمكنة سحر يأخذك و لها سر بينكما لا يعلمه إلاكما ، و للروح راحة و فسيحة وريفة أينما تحب لذا دوما عبقريات الأمكنة تكمن في العلاقة الغير معلومة للغير ، و عبق الأمكنة يتعتّق بأهلها و ما أدراك ما الأهل.

اليوم الخميس الأول من الشهر أشرقت شمسه إشراقاً لم تعهده الشمس نفسها في عيني أبو داؤود. كان لأشعتها الساطعة علي هامته سطوة كما الروح عند النوبيين وجلال كجلال الجمال علي الروح نثرت علي إهابه الآدمي دهانها فنتح علي جبينه ندي الجذور فأرتمي بحضن الشارع و تمشي بكل جبرة وامتثال حتي بلغ مبتغاه

دلف للورشة وحياهم

صباحكم مافي زيو صباح
صباح مشمول رضا و مرتاح
صباح هاني جملو الفتاح
صباحكم للقلوب شراح

و ضحكت كعادته ببساطة و يقين و باشر عمله

لم تمضي ساعات حتي خرج وهو يرتدي جلابيته الدمورية (جناح أم جكو) وينتعل شبشبه (الكبك) متوجها صوب السوق وسار بمحازاة قضيب السكة حديد حتي بلغ السوق فأنفتحت كيميائه بعناصرها التي تحوي كل جميل وتهضم كل قادم نثر علي أنفسهم الطرفة وأزاح عن كاهلهم العنت ووعثاء الحياة وكدها المحرق ووزع عليهم سيل من النكات ومطر من المواقف والردود الحصيفة حاضرة النكتة، حتي استقر به الحال بموقف مواصلات بربر

مر أحدهم وهو يمتطي دراجته الهوائية قائلا:
أبو داؤود ماشي بربر؟

فرد
لا ماشي موسكو

فضحك كل من كان بالموقف وسقط الرجل من علي دراجته وأحتل السرور مداخل الأرواح وأبتسم المكان.

يا جماعة العربية الطالعة ياتا؟

رد الكمساري ديك الماشة

دي مالا عيانة واللا حابسة

عادت موجة من الضحك الهستيري تستعمر الموقف وألتف الناس حوله حتي تدخل البوليس ظانا أن هنالك مشكلة ولكن عندما تجلى له الموقف خرج من بينهم سفيرا للابتسامة

جاءت امرأة كبيرة في السن تسأل عن العربة التي علي الدور، هم عليها أبو داؤود و أخذها حتي أجلسها

ما عرفتك يا وليدي

كيفن يا خالتي آمنة

بري يا حشاي

أنا عبد العزيز ود داؤود

هي عبيدو ما شاء الله كبرت يابا ربي يحفظك

تسلمي يمه مالك في أتبرا

جيت لي بت طويل الساق دي تعبت شوية في الوضوع و الحمد لله ربنا نتعا بي عمليه

بركة سلامتها

جلس أبو داؤود جوار حاجة آمنة حتي اكتمل النصاب و بدأت العربة في السير قبالة بربر

جلس صبي في أوائل العقد الثاني من العمر آخر العربة، كان الصمت هو الوحيد الذي متاح له أن يبوح بما داخله حتي خرج صوت تنبيه من بين أصابع الكمساري مشيرا إليهم بأن يجمعوا الأجرة؛ صمت آخر, و لكن هذه المرة كان صوت الأيدي داخل الجيوب كموسيقى تتحدث عن العطاء ومسيرة الإنسان من الأزلية إلي الأبدية حتي ارتفع صوت أبو داؤود

لا والله يا خالة
أنا حلفت
أهدي يمه
خلاص

ربنا يفتح عليك يابا

تسلمي
مد أبو داؤود الأجرة مع البقية ثم عاد لخالته

خالتي آمنة إنتي من وين أصلا

أنا من بربر

لا أصلا أهلك جايين من وين

ما بخبرو يا دا

أبواتنا أبوات أبواتنا مولودين في بربر

طيب أنا عرفت إنك كنتي بتسيمري زمان

حليلو هو زمنا ولى يا عبد الله

كدي ما تسويلي شيء في العربية هسي

كيفن في العربية نان وسط الرجال عاد يا وليدي

يمه كلنا ولادك وكلنا خالتنا

فتدخل بعض الركاب

قولي يا خالتي آمنة
كدي برينا لي شئ يمه

اشتد عليها الخناق بالطلب فانثنت


عليك يا الله احوالنا قسو
ولادنا عاقو وللمحنة نسو

نوح من حالو زمنا شين
وشوش الناس بقت وشين
يصاحبك مع بعض ماشين
وعينو من اب خرم وقرشين

زمانا الليلة يمة كدر
و زمنكم يمة خير وخدر
صديقك ان درتو يتكدر
و جارك في الفارغة يتسدر

يا سلام عليك يا خالتي آمنة النفوس مرضت الدنيا أخدت الناس ، أمي قالت لي إنت ما كان في زمنك اتنين في بربر الرجال بجوك من السافلية والصعيد شان يسمعوا سيمارك

ضحكت و السرور يعرش علي عينيها اللتان أنهكما التأمل وجار عليهم العمر بسفر الطويل ، فمسحت وجهها بطرف ثوبها ثم لملمت ابتسامتها و قال

استغفر الله
يا الله توب علي

بتوب عليك يمة إنتي شن سويتي

صوت محرك العربة يعلو و ينخفض مع صوت الرياح و بعض الأتربة اختارت أن ترتمي علي ملابسهم قاصدة بربر دون أن تدفع أجرة المشوار، والشمس تسحب حرارتها لتوهجها والعصافير تتهيأ للعودة والضوء يخبر الليل بأنه أنهك وأعين علقت علي الطريق وبدت رائحة المدينة الكنز

الشاذلي الفنوب / القاهرة
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1333

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1529456 [ود ابو زهانة]
0.00/5 (0 صوت)

10-07-2016 06:37 PM
والله يا الفنوب انت كاتب فنان لك أسلوب السهل الممتنع ... تابعت كتابتك بكل حواسى وكل فقرة تنقلنى للاخرى لا شعوريا لسلاسة ما أقرأ .. لله درك يارجل

[ود ابو زهانة]

الشاذلي الفنوب
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة