المقالات
السياسة
من يجرؤ على القول إن الحرب خطيئة ؟
من يجرؤ على القول إن الحرب خطيئة ؟
10-07-2016 02:04 PM


إذا أعلنت الحركات المسلحة إلقاء السلاح و تحولت إلى حزب سياسي , فسوف تسقط على الفور معاناة النزوح و اللجوء و الزعزعة , و تزول شكاوى قصف المدنيين و إحراق القرى . هذه مكاسب إيقاف الحرب بلا شرط ... فما هي مكاسب استمرار الحرب التي يحرص حاملو السلاح عليها و يطيلون من أجلها أمد الحرب ؟
مرت الحرب عند مشعليها بطور الخيار النظري , ثم أصبحت قراراً , باعتبارها الخيار الأوحد لمواجهة نظام فاشل فاسد لا تجدي معه الوسائل السياسية ؛ لكن الحرب و قد قطعت شوطاً بعيداً في مرحلة التجربة العملية , لا بد أن تخضع للتقييم و المراجعة . و ليس ثمة خلاف أن أوضح معادلات التقييم هي مضاهاة ما تحقق من أهداف مع الثمن المدفوع في مقابل ما تحقق .. و على هذا الأساس , لا تشير المعطيات الحالية إلى نجاحات محتملة للخيار العسكري , فالحرب لم تسقط النظام و لم تجبره على إنصاف مواطني المناطق الذين أشعلت الحرب باسمهم .. و دفعت أثمان باهظة من التقتيل و التشريد , فلم يغادر البؤس حياة المهمشين و غادرهم الأمن و الاستقرار . المعطيات الممهدة لنتيجة فشل الخيار العسكري تجعل قادة الحركات المسلحة يتهربون من مراجعة و تقييم قرار إشعال الحرب , فبذلوا جهداً كبيراً لصرف الانتباه عن ضرورة التقييم و المراجعة , حتى نجحوا في جعل تداعيات الحرب هي جوهر قضيتهم , و تراجعت الأهداف التي منوا بها أهلهم عند الإقدام على هذه المغامرة ؛ فأصبحت تنمية المناطق المهمشة نسياً منسياً لتحل محلها خروقات النظام لقواعد و أخلاقيات الحرب , و تحديد مسارات إيصال الإغاثة .. فما الذي أنجى قادة الحركات المسلحة من ضغوط يفترض أن تحاصرهم من عدة جهات , بعد أن تحولت الحرب إلى مأساة يعانيها مواطنون بسطاء ؟
يفترض أن تكون التنظيمات السياسية المدنية التي اختطت لنفسها العمل السياسي طريقاً لمقاومة النظام , هي القوى الضاغطة التي تنتقد بقوة تمادي المسلحين في خيار الحرب و تجاهلهم لآثارها الإنسانية الخطيرة ؛ إلا أن سلوك هذه التنظيمات التي لا ينخرط أي من عضويتها في الحرب , لا يشي بمبدئيتها في رفض الخيار العسكري , حيث تنصرف هي الأخرى إلى الحديث المكثف عن جرائم النظام في قصف المدنيين الأبرياء و استخدام الأسلحة المحرمة و إحراق القرى , بدون أن تشير إلى أن الحرب هو الجذر الذي تنتفي باقتلاعه تلقائياً هذه المآسي .. موقف يجر على هذه التنظيمات السياسية خسائر مركبة , حيث يظهرها بمظهر المتقاعسة عن دورها الرافض للحرب المتسق مع الطبيعة المدنية لهذه التنظيمات , كما أن التركيز على قصف المدنيين و إحراق القرى بأسلحة محرمة يوحي و كأن هؤلاء الرافضين للخيار العسكري ـ بزعمهم , لا يرفضون الحرب إذا التزم النظام بقواعد الحرب (النظيفة) . أما التداعي الأخطر لهذا الموقف المهتز فهو تقديمه لهذه التنظيمات في صورة الانتهازي القبيح , حيث تنأى عن نيران الحرب و لا تضغط لإيقافها أملاً في بعض ثمارها , فتسترق السمع لوقع حوافر خيول المقاتلين علها تقترب من الخرطوم و تسقطها , فيكافيء المقاتلون التنظيمات المتلجلجة بمواقع في السلطة الجديدة .
في ميدان الحرب و السلام في السودان تيار آخر قد تنتفي عنه الانتهازية , لكنه يفتقد القدرة على الفرز الدقيق للخيوط , و هو عجز خطير إذا اقترن بمن يطرح نفسه خياراً لإدارة شأن هذا الوطن المعقد . بهذا العجز , يتوهم ساسة التيار المعني عدم إمكانية الفصل بين رفض الحرب و موالاة النظام .. و ثمة تيار ثالث رافض للحرب و مدرك لإمكانية الجمع بين معارضة النظام و إدانة استمرارية الحرب , بل هو ضد الحرب من منذ بدئها ـ دعك عن الاستمرارية , لكنه مرعوب من صوت إعلامي عال تصدره منابر معارضة من أبواق هادرة . هذا الصوت الإعلامي القوي نجح في التشكيك في أية رؤية معارضة لا تتطابق تماماً مع رؤيته . و نجح في تنصيب نفسه وصياً يحدد للآخرين مواصفات و مقاييس المعارضة الحقيقية . و قد يكتفي بإثارة شبهات حول هذا الموقف أو ذاك , أو قد يجزم بخيانة معارضين خالفوا رؤيته . الخوف من وصمة الخيانة ـ و لو بالباطل , جعل المعارضين المرتجفين يجارون رؤية الأوصياء . و لا ينتظر منهم في أفضل الأحوال غير أن يرجو الثوار على استحياء أن يسلكوا طريقاً غير حمل السلاح , شريطة أن تسبق الرجاء تأكيدات مغلظة على عدالة قضية الثوار ـ بدون أن يحدد البيان ماهية هذه القضية .
مع اختلال المعايير , لم تعد ثنائية التنمية و الخدمات هي المسيطرة , و حلت محلها ثنائية الحرب النظيفة و الإغاثة , بدون أن يثير ذلك انتباهاً و لا استغراباً أو استنكاراً .. لم يعد المشروع الزراعي و مصنع الأعلاف المركزة و الصهريج و المدرسة و المركز الصحي هي الأهداف التي ينتظرها الأهالي البسطاء حسب وعد الثوار , و الحرب في طور الشرارة .. أصبحت غاية الآمال حرباً نظيفة و إغاثة تأتي عبر (أصوصا) بالتحديد .. أما أن تسقط دانة فتدمر مدرسة أو تنطلق قذيفة لتقتل امرأة تبيع الفول تحت شجرة , أو ينفجر لغم فيبتر ساق شاب و يقتل طفلين , أو يهرب أهل قرية كاملة تحت القصف إلى المجهول ؛ فهذا كله لا يهم بعد أن أصبحت الحرب غاية لذاتها .. فليمت كل الأطفال لتبقى شعلة الحرب المقدسة متقدة .
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1271

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عادل إبراهيم حمد
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة