المقالات
السياسة
حياة فرج صادق المغامرة
حياة فرج صادق المغامرة
10-07-2016 06:59 PM

حياة فرج صادق المغامرة
The Adventurous life of Faraj Sadik
أ. سي. هووب A.C. Hope
ترجمة وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي

مقدمة: هذه ترجمة لمقال للبريطاني أ. سي. هووب قائد شرطة مديرية دارفور عن حياة أحد الجنود المغامرين السودانيين في دارفور، نشر في العدد الثاني والثلاثين من مجلة "السودان في رسائل ومدونات SNR" الصادرة في عام 1951م.
وورد ذكر لقصة ذلك الجندي المغامر في كتاب “Slave of Fortune” لمؤلفه رولاند لاموث، عن الجنود السودانيين الذين اشتركوا في حرب النهر (1896 – 1898م) في باب اسماه المؤلف "عماد الجيش المصري Backbone of the Egyptian Army". وقد سبق لنا ترجمة عرض لذلك الكتاب.
قد يلاحظ القارئ بعض التخليط والمفارقات والأخطاء في رواية الرجل لبعض الأحداث والتواريخ (أو ربما ما سجله البريطاني منها).
وأتقدم بالشكر لكل من ساهم من الأصدقاء في كشف بعض الأخطاء التاريخية في المقال الأصلي، أو في توضيح طريقة كتابة أسماء بعض المناطق.

المترجم

***** *********** ********* ********

سأقوم هنا بذكر عرض مختصر لتاريخ حياة فرج صادق، وهو واحد من أكثر الشخصيات السودانية التي عرفتها إثارة للاهتمام. فقد سبق للرجل أن عمل جنديا في الجيش المصري – التركي، ثم استسلم لجنود المهدي، وبيع رقيقا وظل عبدا مملوكا حتى "استعادة السودان". وعمل بعد ذلك طباخا، ثم صار"عامل صحة" في مجال مكافحة البعوض، ثم شرطيا. واختتم فرج حياته العملية خفيرا في إحدى الاستراحات في غرب دارفور.
وعندما التقيت به وجدته ما يزال رجلا صحيح الروح والبدن، ولا ينقصه شيء سوى فقدانه لسن أو سنين. وكان مستعدا دوما لرواية تاريخ حياته، يرددها بشغف وحبور، ويدخل في وسط كلامه بعض كلمات التعجب الإيطالية. وكانت زوجه الحالية (فلا بد أنه كان قد تزوج قبلها عشرات النساء) تقوم على رعاية مزرعة صغيرة بها عدد من الدجاج، ملحقة بالاستراحة التي كان يتولى حراستها. وكان "تيتو" كما كان فرج يعرف في الإرسالية الإيطالية يصب عليها سيلا من اللعنات بلغة إيطالية طليقة عندما يصدر منها ما يغضبه. ويبدو أنها كانت تفهم كل ما يصفها به بتلك اللغة، رغم أني ما سمعت منها قط كلاما بالإيطالية عدا كلمتي "Bouna Sera" (أي مساء الخير).
ولا بد لي الآن من أن أفسح المجال لـ "تيتو" ليروي قصة حياته بنفسه:
**** **** ****
"أنا فرج صادق، من الشطيّة (فرع من الرزيقات)، وأمي وأبي من ذلك الفرع أيضا. ولدت في شاكا ببحر العرب في جنوب دارفور في 1280هـ (1863م) في أيام حكم التركية، حين كان إسماعيل باشا أيوب يحكم السودان من مكتبه في القاهرة، وممثله (في المنطقة) هو حسن باشا دوسة (لم تضم دارفور إلى السودان التركي المصري الا بعد هزيمة السلطان ابراهيم قرض على يد الزبير باشا في معركة منواشي التي دارت في عام 1874م. المترجم)
وعندما كنت في العاشرة قامت قبيلتنا القديمة بالإغارة على البديرية، وأتى حسن باشا ليهدئ الأوضاع ويعيد النظام. وبدأ بإرجاعنا إلى منطقتنا باعتبارنا من بدأ بالاعتداء، وقام بأخذ الصبية من قبيلتنا بالقوة وأدخلهم في جيشه. وكنت واحدا من أولئك الصبية، حيث ذهب بي إلى الأبيض وتعلمت في (موسيقى) الجيش هناك نفخ آلة البوق. وبقيت بالأبيض خمس سنوات، نقلت بعدها للخرطوم مع معلم فرقتنا الموسيقية المصري يوبا بيه. وبقيت بالخرطوم لنصف عام، نقلت بعده إلى كسلا مع السرية الرابعة لكتيبة مشاة كسلا. لم أبق هنالك غير أربعة أشهر، لأني نقلت بعدها لمصوع في أرتيريا، والتي كانت هي مركز قيادة فرقتنا الموسيقية. ولبثت في مصوع خمس سنوات. وكان مرتبي الشهري يومها خمسة عشر قرشا زائد التموين. وفي تلك الأيام سمعنا شائعات عن ظهور المهدي، فأمرنا بالعودة للخرطوم عن طريق البحر إلى ميناء السويس، ومنه للقاهرة ثم أسوان فحلفا، التي سافرنا منها للخرطوم بالبر في رحلة على ظهور الإبل استغرقت نحو أربعين يوما. وألحقت في الخرطوم بالألاي الثانية تحت قيادة آدم باشا بديري، وبقيت هنالك لعشر سنوات أعمل نافخا للبوق بمرتب شهري قدره خمسة عشر قرشا. وكنا كثيرا ما نشاهد الجنرال غردون وهو يتفقد جنوده تحت قيادة أبو السعود باشا.
وكان المهدي في تلك السنوات بالجزيرة أبا في مديرية النيل الأبيض. ورفض ود بدر شيخ أم ضبان دفع الضرائب للحكومة، لذا أمر غردون أبو السعود باشا ومعه مساعده رؤوف باشا بالذهاب إليه ومعهما 1600 من الجنود على ظهر باخرتين هما "البورديس Burdaice" و"كوا كوا ؟ Kawkaw"، وكنت معهم كنافخ للبوق. وعندما بلغنا العيلفون أرسل رؤوف باشا رسالة إلى الشيخ ود بدر يطلب منه دفع ما عليه من ضرائب. غير أن الشيخ ود بدر رفض الاستجابة ورد على الطلب بالقول: "أنا مستعد لكم، ولكني لن أدفع شيئا". وبقينا في الباخرتين لثلاثة أيام. ثم أنزل بعد ذلك قائدنا 160 من رجالنا للقيام بعمليات استطلاع في المنطقة، وتبين لهم وجود عدد كبير من "الدراويش" فيها. ثم أرسلت فرقة أخرى قام "الدراويش" بمهاجمتها مما أضطرهم للتقهقر والعودة للباخرتين. وفتح رماتنا نيران بنادقهم على "الدراويش" الذين كانوا يلاحقون جنودنا وهو يعدون فارين نحو باخرتيهم. ووقع على إثر ذلك هرج ومرج كانت نتيجته مقتل بعض جنودنا برصاص رماتنا. ولم ينجح إلا 35 من جنودنا في العودة بسلام للباخرتين. ولحسن حظي كنت في ذلك اليوم أعمل في الخدمة بالباخرة، ولكن قتل خمسة من زملائي من نافخي البوق. عقب تلك الحادثة عجلنا بالعودة للخرطوم.
ولما تبين لغردون باشا أن البلاد كافة قد أعلنت الثورة عليه تحت قيادة المهدي، أمر بإجلاء كل من يقدرعلى إجلاءه من الخرطوم عبر النيل شمالا. وفي تلك الأيام بدأ جيش قادم من مصر بقيادة هيكس باشا وعلي بيه أبو كوكا (في التحرك لإخماد ثورة المهدي). ولما بلغ هيكس وجيشه جنوب الخرطوم أقام معسكره في الديم. وفي 1883م أمر غردون باشا علي بيه بقيادة فرق من الجنود والتوجه بهم لبارا في كردفان، وأمر هيكس باشا بالتوجه بجيشه نحو الرهد. وتم تقسيم نافخي الأبواق لمجموعتين، ذهبت كل مجموعة مع علي بيه أو هيكش باشا. وكان نصيبي أن تم اختياري للذهاب مع جيش هيكس باشا. كان المهدي في قدير عندما بلغ جيشنا الرهد في نوفمبر، والتي توجهت منها لشيكان فرقة مقدمة من جيشنا أقامت لها فيها زريبة كبيرة من الشوك، بينما بقي معظم جيشنا في الرهد لفترة يسيرة قبل أن ينضم إلى بقية جيش هكس في تلك الزريبة، والتي حصنت بأسلاك شائكة حتى تمنع دخول المهاجمين السائرين على أقدامهم والذين يمتطون الجمال أيضا. وبدأ المهدي في التقدم من قدير حتى وصل قريبا من الرهد. ومن هناك أرسل لهيكس باشا خطابا يأمره فيه بالتحول إلى الإسلام وإقامة الصلاة واتباع رسالته. ورفض هيكس في رده على الرسالة دعوة المهدي، حتى وإن انطبقت السماء على الأرض، إذ أن له (أي لهيكس) ما يكفي من الحراب لمنع السماء من السقوط على الأرض، وله ما يكفي من الجنود ما يلزم لتثبيت الأرض من الفوران. وكنا في مسيرتنا في تلك المناطق نعاني من شح المياه، ولم نكن نعلم أين نجد الماء، ووضعنا ثقتنا في عدد من الأَدِلَّة لإرشادنا لأماكنها. وذات مرة أخذ بعض الأَدِلَّة الفلاتة مجموعة منا نحو مكان خطأ ولم نرهم بعد ذلك أبدا. وقام جيش المهدي بالهجوم علينا في حوالي السادسة صباحا، وكنا صيدا سهلا لهم في تلك الزريبة، وأفلحوا في قتل معظم رجالنا، وكان من بينهم هكس باشا نفسه، والذي لقي مصرعه تحت شجرة تبلدي ضخمة. وعند الساعة السابعة صباحا نجحت فرقتان من كتيبتنا (كنت واحدا منهم) في الانسحاب عبر الزريبة والفرار إلى كدارو أو كدر أوكرتالا (كتبها المؤلف Kadara. المترجم) عبر الطريق المؤدي للدلنج. وطاردتنا مجموعة من "الدراويش" لمسافة قصيرة، غير أنهم انشغلوا عنا بملاحقة وجمع الغنائم فنجونا منهم. وأخيرا بلغنا "بير الله"، وبقينا فيها لثمانية أيام مع النوبة، والذين أكرمونا بالطعام.
وعاد المهدي منتصرا إلى الأبيض بعد أن هزم جيش هكس. وكنا نتقدم نحو الأبيض، غير أن سماعنا لأصوات طلقات نارية آتيه منها جعلتنا نتحاشى الدخول إليها، وغيرنا اتجاهنا إلى مدينة بارا، والتي كنا نؤمل أن نجد فيها علي بيه أبو كوكا وجيشه. ولما بلغنا بارا وجدنا بها أربع فرق فقط من جيش علي أبو كوكا، وفرقتان كانتا في بارا أصلا، و600 من الجنود غير النظاميين (الباشبوزك) تحت قيادة النور عنقرة، و400 من الجنود تحت قيادة أحد الأتراك (واسمه داؤود)، و500 رجل تحت قيادة محمد أغا يعقوب.
وحاصرنا أنصار المهدي ببارا، وأقمنا على تلك الحالة لستة أشهر، كنا فيها نخرج في جماعة صغيرة لنصطاد لأنفسنا شيئا نأكله، ولنجلب العشب لبهائمنا. وبعد أن جمعنا كل ما يمكن جمعه من صيد في المناطق حول بارا اضطررنا لذبح بغالنا وخيولنا، وحتى أكل لحم الكلاب لنسد رمقنا. وفي تلك الأيام شن المهدي علينا هجوما قويا، غير أننا نجحنا في صد هجوم "الدراويش" وقتلنا منهم أميرين، شيخ المنا وشيخ رحمة (إذا كان المقصود هو الفكي المنّا إسماعيل، فلا بد أن الرجل قد أخطأ، فالمنا كان قد قتل في ظروف مختلفة تماما. أما شيخ رحمة شيخ الجوامعة فقد مات ميتة طبيعية في سن متقدم. المترجم).
وبعد شهرين من المخمصة تلقى النور عنقرة خطابا من المهدي يدعوه فيه للقدوم إليه والانضمام لقواته في الأبيض. فقام النور ذات ليلة بحفر حفرة في الزريبة وحاول النفاذ عن طريقها مع رجاله دون علم أصدقائي. غير أننا اكتشفنا ما كان يفعله وتبعناه في مسيرته إلى الأبيض، التي بلغناها يوم ثلاثاء. وصلينا جميعا خلف المهدي. وأقيم لنا معسكر خارج المدينة مع جماعة من الأتراك أقمنا فيه نحو شهر كامل دون أن يطلب منا عمل شيء.
وعرض علي أحد ضباطي (وهو رزق الله أفندي نور) أن نهرب من ذلك المعسكر. فقمت مع 18 من رفاقي بالهرب من المعسكر وشرعنا في العودة إلى بارا. ولسوء حظنا صادفتنا في الطريق مجموعة من الكبابيش المسلحين، قاموا بأسرنا وأخذونا إلى "كجمر"، حيث قضينا هنالك نحو أسبوعين. وأتى لدار كبابيش تاجر رقيق اسمه حسن أبو كورت، فقام آسرونا ببيعنا له بسعر 18 مجيدي لكل واحد منا. وأخذنا سيدنا (الجديد) سيرا على الأقدام أحيانا، وأحيانا على ظهور الدواب إلى دنقلا عبر "عامر صافي Amir Safi" ثم "أم بليتا Um Belita " و"أبو كسيAbu Kussi "، ومنها بالمراكب إلى العرضي في دنقلا، ومنها إلى جزيرة أرقو. وواصلنا المسيرة على الأقدام إلى حلفا على الساحل الشرقي للنيل. ولما لم نجد أي جنود في حلفا، قمنا بعبور النهر للضفة الغربية وسلكنا درب الأربعين بعيدا عن النهر حتى وصلنا إلى اشما بالقرب من أسوان. وفي مكان يسمى "كبانية العمدة" أوقفنا الخفراء ومنعونا من مواصلة السير. غير أن مالكنا حسن أدخل يده في جيبه وقام برشوتهم فسمحوا لنا بمواصلة السير حتى "بيمبان Bimban"، حيث كان حسن يقيم بالقرب من "كوم امبو"، ويقيم له معسكرا لعبيده في جزيرة تقع بين "بمبان" و"كوم امبو".
ظللنا في تلك الجزيرة لثلاثة أعوام نعمل في مزرعة مالكنا حسين، نسقي زرعه ونحصده. وفي إحدى الأمسيات كنت في المزرعة عندما سمعت صوتا يدعوني للانسحاب. غمرني شعور غامر بالاثارة فعدوت لقائدي رزق الله أفندي، وأخبرته بما سمعت، ولكنه لم يصدقني، وأمرني بأن أستكشف الوضع والمشي عبر كل أجزاء الجزيرة والعودة لأخبره بما هنالك. وفي الطريق صادفت المترجم محمد أفندي شعبان والذي أخبرني بأن هنالك أربع بواخر تحمل جنودا بريطانيين، وبأنه يشارك في تلك القوة. سألني كذلك عمن أكون، فأخبرته بقصتي. أفادني محمد أفندي شعبان بأن هنالك حملة بريطانية ستتجه نحو الخرطوم لإنقاذ الجنرال غردون. وأخذني معه لأحدى تلك البواخر حيث سألني قائد الحملة إن كنت مجيدا لنفخ البوق، فأجبت بالإيجاب، وعزفت له بعض النداءات/ الأنغام بالبوق (bugle calls) فقال لي: "اذهب واحضر رفاقك". فعدوت تحت جنح الظلام وأخبرت الرفاق بما رأيت وسمعت. وما هي إلا دقائق إلا وكنا على سطح الباخرة نقف أمام القائد البريطاني، والذي سألنا عن تاجر الرقيق حسن. وأخبرنا بأنه سيأخذنا إلى أسوان، حيث سيقوم هنالك بالاتفاق مع مفتش المديرية بالقبض على ذلك التاجر. وعند وصولنا لأسوان أمرت بالعودة مع المفتش لإعتقال الرجل. وبالفعل شاركت في الحملة التي سيرت لإعتقاله، ووجدنا أيضا 25 من المسترقين في الجزيرة، فقمنا بأطلاق سراحهم جميعا، وأحضرناهم معنا لأسوان. ثم بدأنا مسيرتنا نحو الخرطوم لإنقاذ الجنرال غردون. وبلغنا جزيرة توتي يوم الثلاثاء نحو الثالثة والنصف عصرا. غير أنه تبين لنا من بعيد أن المهدي كان قد سبقنا ودخل الخرطوم، وعلمنا لاحقا أنه كان قد دخلها في اليوم السابق. كان لا بد من العودة من حيث أتينا. وفي طريق العودة ووجهنا بنيران تطلق علينا من أمدرمان، ولكننا واصلنا مسيرة العودة حتى "أبو طليح" حيث دارت معركة أغرقت فيها باخرتنا. وفي ذلك الموقع قمنا ببناء قلعة لنا.
وبعد مرور أسبوعين في "أبو طليح" هاجمنا جيش المهدي بقيادة النورعنقرة وعبد الرحمن النجومي والنور الكنزي وعبد الحليم (ربما كان المقصود هو عبد الحليم مساعد الهاشمابي. المترجم) بجيش قوامه نحو ألف من الأنصار. وتواصل قتالنا معهم ليوم كامل، إلى أن حل المغيب حين فر جند "الدراويش". قضينا الليل كله في دفن القتلى ومداواة الجرحى. وعند الفجر بدأنا رحلة الانسحاب نحو كورتي، ونحن نتعرض لنيران رصاص الأنصار ونرد عليها بالمثل. ورسينا في كورتي وأقمنا بها لنحو نصف عام، ثم ذهبنا للعرضي، حيث جمعنا سكانها ونقلناهم لعكاشة، والتي بقينا فيها لنحو ست أشهر. وكنت في تلك الرحلة أقوم بدور المرشد، فقد سبق لي المرور بهذه المناطق عندما أتيت لها مسترقا لحسن أبو كورت. وفي تلك الأيام أكمل لورد كتشنر بناء خط السكة حديد الرابط بين حلفا وعكاشة، وعاد الجيش لحلفا. وعاد الجيش البريطاني لأسوان بينما بقيت أنا لثلاثة أشهر مع الجيش بحلفا مع الكتيبة/ الأورطة السودانية رقم 9، تحت قيادة البريطاني بورو بيه. وكان معنا أيضا في تلك الكتيبة اللواء هنتر باشا وعويس باشا. وتكونت في تلك الأيام بحلفا الكتائب السودانية رقم 10 و11 و13. وعينت نافخا للبوق في الكتيبة السودانية رقم 11، ومكثت بها لخمس سنوات متصلة. ثم ذهبت لأسوان، ونقلت بعد ذلك لأعمل مع أخي في الكتيبة السودانية رقم 12. ثم نقلت مع كتيبتي في عام 1895م إلى سواكن، التي بقيت بها لعامين، ثم قضيت عاما في طوكر، ومنها عدت لأسوان.
وبعد ذلك شاركت مع جيش السردار كتشنر في معاركه في " حفير فركا" و"دنقلا" و"أبو حمد" و"أتبرا" وأخيرا "كرري". ولم أمكث في أم درمان إلا أسبوعين فقط، إذ نقلت مع عدد من الجنود إلى القضارف بمديرية كسلا لقتال الأمير أحمد فضيل (أبو كوليقة)، والذي ألحقنا به الهزيمة. وقضينا في القضارف ستة أشهر قبل أن نعود لأم درمان، ونؤمر بالتوجه لكاكا على النيل الأبيض، ومنها لدنقلا، التي بقيت فيها عامين آخرين. وفي عام 1902م نقلت للأبيض، وظللت هنالك حتى تقاعدت عن العمل. ثم عدت للخرطوم لأعمل طباخا عند سلاطين باشا. ولما تركت خدمته عينتني البعثة التبشيرية الإيطالية طباخا فيها، وظللت بها حتى عام 1914م. وفي ذات العام تعينت عاملا للصحة (بقسم مكافحة البعوض) حتى عام 1918م. ذهبت بعد ذلك لدارفور للعمل شرطيا وبقيت في ذلك العمل حتى عام 1923م، حين تقاعدت عن العمل، فذهبت لكتم لأعمل بستانيا (جنايني) حتى عام 1932م، حيث عرض علي العمل خفيرا في استراحة كبكابية.
لم أخبرك بأني عندما ذهبت مع الجيش لأسوان تحولت للديانة المسيحية في الإرسالية الإيطالية. وفي الواقع كان من قام بتنصيري قسيس أمريكي. ومنذ ذلك الوقت ظللت أغشى أي كنيسة كاثوليكية أمر بالقرب منها لحضور القداس.
ولم أخبرك أيضا بأنني أخذت إجازة في عام 1901م وأنا بدنقلا (حين تحولت للمسيحية الكاثوليكية) للعمل مع طبيب مجري كان متخصصا في أمراض الأذن مع الجيش الإيطالي، والذي أخذني في رفقته لروما لرؤية البابا. وزرت مع سيدي عددا من المدن بعد ذلك منها تورين وميلان وبودابيست وفينا. ومررنا بتيرول وتيريستي، والتي استقلينا منها سفينة إلى فلسطين. ولم نتمكن في فلسطين من زيارة أي مدينة سوى القدس لقرب موعد انتهاء عطلتي. وعدت لدنقلا في موعدي تماما".

[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1924

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




ترجمة وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة