المقالات
السياسة
الولايات المتّحدة والتحوّل من شعار "سلفا كير للتغيير" إلى شعار "تغيير سلفا كير"
الولايات المتّحدة والتحوّل من شعار "سلفا كير للتغيير" إلى شعار "تغيير سلفا كير"
10-08-2016 02:00 PM



كانت قيادة "تعبان دينق قاي" لوفد حكومة جمهورية جنوب السودان لاجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة الحادي والسبعين وتقديمه فيه لكلمة بلاده بمثابة نيله لاعتراف المجتمع الدولي به كنائب أول لرئيس بلاده، وأكسبه الشرعية الدولية التي يحتاجها، وأكّد ذلك في ذات الوقت الخروج النهائي لـ "مشار" عن دائرة السلطة أو الحكم، وكما تريد الولايات المتحدة الأمريكية، والتي يظل باقياً معرفة موقفها من مستقبل الرئيس "سلفا كير" ذات نفسه، وهل هي مع استمراره في الحكم أم أنها تعمل وتُرتب في اتجاه الضغط عليه ليتنحى عن السلطة ويخرج من عملية الحكم مع غريمه مشار؟


محمّد أحمد شقيلة


أكاديمي وباحث في العلوم السياسية


كان من الشعارات الانتخابية البارزة لحزب الحركة الشعبية لتحرير السودان الذي يتزعمه سلفا كير أبان فترة الانتخابات العامة في العام 2010 هو شعار "سلفا كير للتغيير"، وحقيقةً كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد اجتهدت كثير في دعم الحزب في الانتخابات في مُختلف المناحي وبقدر ما تستطيع، فهي كانت ترجو وتنتظر أن يثبت لها الحزب وزعيمه صحة نظريتها في أن جنوب السودان إن استقل وأصبح دولة، فإنها ستكون ناجحة وتسير للأمام، بل ويُمكنها أن تقدّمها كنموذج يُبرهن على صحة نظريتها التي تتبناها في أن الحل لتعثّر عملية بناء الدولة في البلدان النامية خاصة في إفريقيا يكمن في العمل على تجزئة الكثير منها لعدد من الكيانات السياسية الأصغر( أي تقسيم البلد الواحد لعدد من البلدان) حتى يتثنّى تحقُّق قدر مقبول من التجانس في تركيباتها الاجتماعية المتباينة بشكلٍ صارخ، وذلك خاصةً بعد فشل النخب الحاكمة في هذه البلدان بعد الاستقلال من إدارة هذا التنوع الذي يتخلل مجتمعاتها بصورة حسنة تفضى إلى سيرها للأمام ومستفيدة في ذلك من ثراء تنوعها البشري، وذلك بمثلما استفادت منه دولة الولايات المتحدة نفسها، وما تزال، في مسيرة تطورها في مجال البناء الوطني سيما بعد أن تبيّن أن النخب الحاكمة في هذه البلدان ظلت تعمل على الدوام، ومنذ الاستقلال، لاستغلال التناقضات التي تذخر بها تركيبتها الاجتماعية والعمل على تسخيرها في صالح تكريس بقائها واستمرارها في السلطة عبر عدّة وسائل وسياسات.


لكن ما أن نال جنوب السودان استقلاله في يوليو 2011 وأصبح دولة، فإن قيادة حزب الحركة الشعبية "حزب الاستقلال" لم تُقدّم للولايات المتحدة، منذ الاستقلال وحتى اليوم، سوى الخذلان. إذ سارت البلاد بخطوات حثيثة، وحذو الكعب بالكعب، في الطريق الذي كانت قد اتخذته البلدان الأفريقية بعد الاستقلال الذي نالته في معظمها خلال حقبة الستينيات من القرن العشرين، والذي أوصلها لأوضاعها المتردية حدّ "البؤس" الذي تعيش معظمها فيه الآن. إذ ما أن تحقق الاستقلال حتى أخذت الحركة الشعبية في العمل على تأسيس نظام الحزب الواحد المُسيطر كأحد أنواع أنظمة الحكم التسلُّطية أو الاستبدادية، والذي كانت قد اتبعته معظم أحزاب الاستقلال في أفريقيا، وهو النظام الذي يقف على طرفي نقيض مع نظام الحكم الديمقراطي الليبرالي الذي كانت الولايات المتحدة تنتظر من الحركة الشعبية كحزب استقلال أن تطبّقه. كما وبدلاً من أن تعمل قيادة الحركة الشعبية في اتجاه بناء دولة المواطنة والمؤسسات والقانون التي كانت تنشدها الولايات المتحدة، فقد عمدت لتأسيس دولة أفريقية "تقليدية" يغيب كل من المؤسسية وحكم القانون عن نظامها الدستوري، بل وتُفرط في صفتها كـ "دولة إثنية" تُسيطر على نادي نخبتها السياسية ومؤسساتها الدستورية ومفاصل الدولة وحتى حزبها الواحد في جميعها قبيلة واحدة هي "الدينكا" في بلدٍ يضم ما يفوق الستين قبيلة عددا، وتأخذ فيه الإثنية بُعداً ووضعاً حساساً، وشأنها في ذلك شأن غيرها من مُعظم البلدان الأفريقية القائمة حالياً. ورغم أنه من الصحيح أن قبيلة الدينكا في ذلك تُعتبر من أكبر القبائل في أفريقيا من ناحية عدد أفرادها، بل والذين يُشكّون في جنوب السودان حوالي نصف عدد مواطنيه، غير أن ذلك يقف، رغم عنه، عاجزاً عن تقديم التبرير أو أن يشفع لهيمنتهم على الدولة بأي حال.


حتى تلك اللحظة كانت الولايات المتحدة غير منزعجة كثيراً، وكانت ترى أن كل ذلك مقدورٌ على معالجته وإرجاعه ليأخذ المسار الصحيح طالما أن النظام السياسي جنوب السوداني يتمتع بدرجة كبيرة من الاستقرار. لكن فجأةً طفا إلى السطح ذلك الصراع "الكامن" بين الرئيس سلفا كير ونائبه مشار حول السلطة، والذي يُمكن القول إن الولايات المتحدة لم تعطيه حينها حقّ قدره وافتقدت للحساسية اللازمة في التعامل معه، لأنه الصراع الذي كان من المُتوقّع بروزه في أي وقت، حيث كان في حقيقته كامناً بملامحه الحالية منذ أيام عقد الحركة الشعبية لتحرير السودان لمؤتمرها العام أو القومي في مايو من العام 2008.


عموماً تطور الصراع بين الرجلين بصورة متسارعة، وانزلقت البلاد نتيجة له في "دوامة" من العنف المسلّح بين القوات التي تتبع لكلٍ منهما، والذي كان أكثر ما هو مؤسف فيه، في سياق تطوّره، ما أخذه من أبعاد قبلية في إطار حالة الاستقطاب التي دخل فيها الطرفين لكسب المناصرين والمؤيدين، وساءت أحوال البلاد وشعبها على النحو الذي تعيشه في الوقت الراهن، واللذين يغني حالهما عن سؤالهما. كما وتشرذمت الحركة الشعبية كحزب حاكم لعدّة مجموعات تعارض بعضها بعضاً تارةً، وتعارض جناحها الحاكم بقيادة سلفاكير مدنياً وعسكرياً تارةً أُخرى، وهو الوضع الذي استدعى سلفاكير، في إطار محاولته للمحافظة على سلطته، للاستناد إلى القبيلة على نحوٍ كبير سوى على مستوى الحكم أو ميادين القتال، إذ لم يكن أمامه مفرّ من ذلك، وباعتبار أن ذلك سلوك طبيعي يلجأ إليه أي حاكم "تقليدي" في أفريقيا عندما يجد نفسه في مثل هذه الوضعية، وإن كان هذا الذي وجد سلفا كير نفسه مضطراً للقيام به لم يفعل في مُحصلته شيء سوى المزيد من التعميق للأزمة في البلاد حدّ بلوغها حافة الانهيار، وهو ما لم تكن تتمنى الولايات المتحدة أن تراه يوماً، وأدخلها في المزيد من الحرج سيما مع المُعارضون لنظريتها في التجزئة بصفةٍ عامة، والفاعلين الدوليين الذي كانت أقنعتهم يوماً بدعم اتجاه انفصال جنوب السودان، وتطمينهم وتقديمها الضمانات لهم بأنه سيكون نموذج لدولة "ناجحة".


يُلاحظ أن طبيعة العلاقات بين سلفا كير والأمريكان غير جيدة ويشوبها التوتر منذ أمد، والذي تعكسه العديد من المواقف من شاكلة تقاربه مع الصين، بل وقيادته لوفد رفيع لزيارتها، والضغوط الهائلة التي أخذت تُمارسها عليه الإدارة الأمريكية بصورٍ مختلفة منذ فترة ليست بالقصيرة، والتي زادت منها عليه في الآونة الأخيرة سيما فيما يتعلّق بتوقيعه على اتفاق السلام الأخير بينه ونائبه الأول السابق مشار، ومن قبله اتفاق "أروشا"، وهي الضغوط التي أكثرت منها عليه بعد تعثّر تنفيذ اتفاقية السلام في أولى خطواته، حيث حملته فيه جزء من المسئولية، وذلك فيما يشبه "الحرب الباردة" بين الجانبين.


كل ذلك هو الذي قاد الولايات المتحدة لأن تقرّر ضرورة تنحي الرجل بمعيّة نائبه الأول السابق مشار، وباعتبار أن ذلك يُمثل الشرط الأول الذي أصبح لازماً لإعادة تصحيح الأوضاع في جنوب السودان، ومن بعد يُمكن الشروع من جديد في عمليتيّ "بناء الدولة" و"بناء الأمة"، وساعدها مشار بشكلٍ أكبر لمضيها للأمام في اتجاه أبعاده شخصياً من خلال بيانه الذي أصدره عقب اجتماع المكتب السياسي لفصيله المعارض بالخرطوم الذي دقّ فيه طبول الحرب، والذي به يكون قد أدخل الحبل في عنقه بيده لا أكثر، وإن كانت الفرصة لا تزال سانحة أمامه، وأمام عدد من مشايعيه في ذلك، للتراجع عن موقفهم هذا وإخراج أعناقهم مجدداً من حبل تُهم "جرائم الحرب" و"الجرائم ضد الإنسانية" والانتهاكات الصارخة لـ "حقوق الانسان" وتلك المتعلقة بعمليات "الفساد المالي" الكبيرة، والتي لا محالة سيواجهونها في منصات العدالة الدولية المختلفة إن قرروا المُضي للأمام فيما هم فيه، وهذا بكل بساطة.


كذلك وممّا يشجع الولايات المتحدة المُضي قُدما في اتجاه ضرورة تنحّي الرجُلَيْن عن السلطة هو بداية بروز وتبلور ذلك الرأي أواسط الشعب الجنوبي، والذي يدعو إلى ضرورة تنحّي الرَجُلّين عن السلطة باعتبارهما السبب في معاناته التي يعيشها حالياً، هو الرأي الذي رغم أنه ما يزال محدوداً في نطاقه، بَيْد أنه في تزايد مستمر، بل وأخذ عدد من أنصار الرجلين أنفسهم في الاقتناع به، وإن كانوا لا يُجاهرون بذلك، وهذا بجانب الإفصاح عنه علانية من قِبل بعض الساسة جنوب السودانيين من أولئك الذين لا ينتمون لأي من الطرفين.


إن الذي يؤكد أن الولايات المتحدة ماضية في اتجاه تشبثها بضرورة تنحّي سلفا كير عن السلطة هو استمرارها في حملتها السياسية ضده، ومعه مشار بالطبع، والتي لا تخلو من تلميحات له بكونه عُرضة لمواجهة اتهامات تتعلق بـ "جرائم الحرب" و"الجرائم ضد الإنسانية" و"التطهير العرقي" و"الإبادة الجماعية" و"الاتجار بالحرب" و"انتهاكات حقوق الانسان" و"عدم التعاون مع المجتمع الدولي وتنفيذ الإرادة الدولية" و"الفساد المالي القائم على النهب الواسع لموارد البلاد والإثراء على حسابها وحساب شعبها"، وكما أوردته في الأيام الماضيات صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية في معظمه، والذي حمّلت فيه سلفا كير ونائبه الأول السابق مشار ومؤيديهما مسئولية كل ذلك وأنه من صنعهم جميعاً. بل وذهبت الصحيفة لأبعد من هذا في هجومها الذي شنّته على سلفاكير بإشارتها إلى "رغم أن الولايات المتحدة لعبت دوراً حاسماً في استقلال جنوب السودان، ... لكن يبدو أن سلفا كير لم يعد يستمع لواشنطون". لكن أكثر ما يثير الانتباه هو أن "واشنطن بوست" كانت قد تجاوزت مسألة وجوب تنحي سلفا كير ومشار عن السلطة، وباعتباره أمر قد تم حسمه، أي قُضِي الأمر، وأخذت تتحدث عن الكيفية التي يمكن أن تتم بها محاسبتهما، من بعد، ودون أن يُشكّل ذلك مُعوّق لتدفق المعونات الإنسانية المطلوبة بإلحاح للمحتاجين، إذ قالت: "إن قادة جنوب السودان (سلفا كير ومشار ورهطهما) لا يريدون تحسين حياة مواطنيهم و (أن استمرارهم في السلطة من المؤكد أن يجعلها أكثر سوءاً)، وإن الأمر الشائك هو (كيف يمكن محاسبتهم) دون إعاقة تدفق المعونات الإنسانية المطلوبة بإلحاح للمحتاجين".


المهم في الأمر هنا هو أن واشنطون بوست ليست صحيفة عادية، فهي عريقة وهناك تلاصق بينها ومراكز اتخاذ القرار في الولايات المتحدة، وهو الأهم. لذا يكون من باب الحكمة التعامل بمحمل الجدّ مع ما تقوله واعتباره ذو صلة بالسياسات والمواقف الحقيقية والرسمية للحكومة الأمريكية.


أما فيما يلي استمرار تصريحات المسئولين الأمريكيين التي تصّب في خانة ضرورة تنحي سلفا كير ومشار وتجميع كروت الضغط عليهما حتى يستجيبا لذلك، فقد يكون من آخرها ما أعرب عنه أعضاء مجلس الشيوخ، خلال جلسة استماع خاصة حول أزمة جنوب السودان عقدتها لجنته للعلاقات الخارجية، من استيائهم بشأن (إفلات مرتكبيّ تلك الفظائع من المحاسبة)، واتهموا سلفا كير ومشار بـ (ارتكاب فظائع) والفشل في إحلال السلام لشعبيهما، بل وأن السيناتور بوب كوركر رئيس اللجنة قد قال في هذا الاتجاه: "أقترح ما إذا كان الرئيس سلفا كير يجب أن يُعلن كـ (مجرم حرب) بشأن تلك الفظاعات"، وذلك بينما ذهب السيناتور بن كاردن عضو اللجنة للقول: "أنه فقد الثقة في عملية السلام في جنوب السودان"، وأضاف: "لا أعتقد أن القيادات الحالية (سلفا كير ومشار) قادرة على جلب السلام للبلاد". وكان من أهم ما خرجت به الجلسة في خلاصتها هو التلميح باستدعاء سفيرة الولايات المتحدة في جنوب السودان احتجاجاً على الفظائع (الموثّقة) التي ارتكبتها (قيادة الدولة) تحت (بصرها) هناك.


ومن جانب آخر، فالواضح أن الولايات المتحدة قد نجحت في استقطاب الفاعلين الدوليين لتأييدها في قرارها بضرورة تنحي سلفا كير ومشار إن أرادوا رؤية الأمور تسير في جنوب السودان إلى الأمام، ويظهر ذلك جلياً فيما قاله بان كي مون الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة حول جنوب السودان في معرض كلمته أمام اجتماع الجمعية العامة الحادى والسبعون في غضون الأيام الفائتة، حيث قدّم (الاتهامات الصريحة لقيادات جنوب السودان بخيانة مواطنيهم والسير في طريق العنف للجلوس على كرسي السلطة). وإذا كان هذا هو رأي المنظمة الأممية نفسها وهي من أكبر الفاعلين الدوليين، فإنه يكون من المؤكد نجاح الولايات المتحدة في كسب تأييد ودعم المجتمع الدولي لموقفها من قيادات جنوب السودان وضرورة تنحيها عن السلطة هناك.


حاصل القول، وفي ضوء كل هذه المعطيات، فإنه ينبغي على الرئيس سلفا كير أن يكون مُدركاً وواعياً إلى رغبة الولايات المتحدة في تنحيه عن السلطة، وفي معيته مشار بالطبع، وهي الرغبة الواضح أنها غير مستعدة للتنازل أو التراجع عنها، وعليه أن يكون واضعاً هذا الأمر في اعتباره في كل تحركاته السياسية، وأن يُمثّل نقطة انطلاق لها. وعليه أن يكون على دراية كذلك أنه في حال تمنُّعه للاستجابة لهذه الرغبة، فإنها سوف تعمل على تحريك ورفع العديد من القضايا ضده في منصات العدالة الدولية، والتي سيجد نفسه، وآخرين ممّن معه، مطالبون بالمثول أمامها في دعاوى قضائية كثيرة تحوي اتهامات جدّ خطيرة من شاكلة "جرائم الحرب" و"الجرائم ضد الإنسانية" و"انتهاكات حقوق الانسان"، وربما يصل الأمر لبلوغ اتهامات تتعلّق بـ "التطهير العرقي" والإبادة الجماعية" خاصةً مع المعروف عن الأمريكان من أنهم إذا قرروا فتح باب الجحيم على أحد، فإنهم يفتحونه على مصرعيه سيما إذا كانوا قد استغنوا عن خدماته أو أن دوره بالنسبة لهم قد انتهي أو أصبح عندهم في غير موضع ترحيب، وهناك الكثير من الأمثلة في هذا.


بالمقابل، فإن قَبِل سلفا كير الاستجابة لرغبة الولايات المتحدة بالتنحي عن السلطة، فإنه لن يكون عُرضة لأيّ نوع من الملاحقات القانونية أو القضائية لا دولياً ولا حتى في بلده، فالولايات المتحدة ليس هذا ما تريده أو تبتغيه، إذ كل ما تريده أن يتنحى عن السلطة وليس مطاردته في سوح القضاء، وهي حتى اللحظة تعمل فقط في إطار جمع كروت الضغط عليه من تلك التي يُمكنها أن تجعله يُقدم على التنحّي طوعاً، ولكن في حال تمنُّعه فإنها ستستخدمها ضده في مبررات عملية اقصائه، وذلك إعمالاً منها لمبدأ "أن أي فعلٍ سياسي يحتاج لتبرير أخلاقي"، والمعروف في علم السياسة.


وللرئيس سلفا كير أن يقدّر أي السُبل سيختار في تعامله مع مآلات مستقبله السياسي، فهو أدرى من أيّ شخص آخر بذلك، ولكن عليه أن يعلم أن مسألة تنحيه عن السلطة، ومعه مشار، بالنسبة للولايات المتحدة هي مسألة وقت لا أكثر، وسواء بالتي هي أحسن أو غيره من ذاك الذي من المُؤكد لا يتمنى أحد حدوثه. إن الشاهد على ذلك هو أن الولايات المتحدة في الوقت الحالي أخذت تعمل في اتجاه الترتيب للشكل الذي ينبغي أن تأخذه الأوضاع السياسية في جنوب سودان ما بعد سلفا كير ومشار، الذي يُمكن معرفة الكثير عنه من ثنايا ذلك اللقاء الحواري الذي أجرته الصحفية النشطة والمتميزة في تغطية الشأن جنوب السوداني مها التلب مع السياسي المُخضرم "باقان أموم" لصالح صحيفة "الجريدة" السودانية في عددها الصادر بتاريخ 21 أغسطس الماضي، وهو بمكان إقامته في "الولايات المتحدة".


وبالسير في هذا الاتجاه، فإنه بدايةً لا يُجادل إلاّ مُكابر في أن باقان أموم يُعتبر من أميز القادة السياسيين الذين عرفهم جنوب السودان المُعاصر، بل وربما يكون أميزهم على الإطلاق بعد الراحل "جون قرنق"، فهو يتمتع بقدرات سياسية وتنظيمية هائلة، والأهم من ذلك هو كونه "مفكر سياسي" ذو فكر ثاقب ممّا يعطيه ميزة يفتقدها معظم أقرانه من سياسييّ القارة الأفريقية بأكملها، وهو الذي في مجمله ما جعل منه رجل الولايات المتحدة "الموثوق به" في جنوب السودان.


عموماً، وبهذه الخلفية عن باقان، فإن المطالع للحوار الذي أُجري معه يُلاحظ أن الرجل شنّ هجوماً عنيفاً على الرئيس سلفا كير، وبلغةٍ تشبه إلى حدّ كبير تلك اللغة التي تحدّث بها المسئولين الأمريكيين سالفي الذكر. كذلك يُلاحظ أنه تحدّث عن سلفا كير بلغة تنمُّ عن "قفل الباب" في وجهه علاقته معه، وليس تركه "موارباً" كديدن السياسيين في صراعاتهم بعضهم البعض، حيث يعلمون تماماً "أن ليس هناك عدو دائم في عالم السياسة"، و"أن الثابت الوحيد في السياسة هو المُتغير"، وأن السياسي الذي يُصد الباب نهائياً في وجه غريمه، كما فعل باقان مع سلفا كير، فهو إما سياسي قليل خبرة (وهذا لا ينطبق على باقان المُتمرّس) أو أنه يعلم أن غريمه هذا قد أصبح خارج اللعبة السياسية، وأن دوره فيها قد انتهى، وهو الراجح في أنه الذي كان قد دعا باقان للقيام بذلك من ألاّ مجال للعودة أو التلاقي السياسي مع سلفا كير مُجدداً، فهذا أمر لا يُمكن أن يقوم به سياسي من الوزن الثقيل مثل باقان ما لم يكن مُتأكّداً من أن مسألة مغادرة سلفا كير للسلطة وخروجه من اللعبة السياسية في الفترة القادمة ما هي إلا مسألة وقتٍ ليس إلاّ.


كان أن قام باقان في الحوار بوصف سلفا كير بـ "الدكتاتور"، وحمّله مسئولية "فشل الدولة الوليدة"، وأنه طوّر من النزعات "القبلية" بداخله وأن "حكومته أصبحت قبلية وجيشها قبلي" وهو المسئول عن الانقلاب على الحركة الشعبية لتحرير السودان و"اختطافها" و"تدميرها" كتنظيم سياسي. كما وحمّله المسئولية الكاملة عن الوضع الحالي الذي تعيشه البلاد من أزمة شاملة وضعتها على حافة الانهيار الكامل، وذلك بجانب تحميله مسئولية العنف القبلي الذي شهدته البلاد و"تابعه العالم"، بل ونعت سلفا كير بأنه "غير مستعد لتصحيح الأخطاء الكبيرة التي ارتكبها هو، وقادنا إلى ارتكابها"، وأن سلفا كير كذلك "غير مستعد لتحقيق السلام والوصول لاتفاق سلام، وغير مستعد لتحقيق المصالحة الوطنية ورتق النسيج الاجتماعي وإعادة وحدة شعب جنوب السودان"، وأنه من "دمّر كل من اتفاقيتي أروشا لتوحيد الحركة الشعبية وأديس أبابا لتحقيق السلام في جنوب السودان".


والواضح صراحةً أن كل هذا الذي قاله باقان لا يريد أن يعني به سوى شيء واحد هو أن الأمور في جنوب السودان لن تسير إلى الأمام قيد أنملة طالما كان يقف سلفا كير على رأس السلطة، حيث يكاد باقان أن يكون قد حمّله مسئولية كل شيء يحدث هناك، ولا خلاف في أن رأيه هذا حول سلفا كير كان من ضمن ما ساعد الأمريكان على اتخاذ قرارهم بضرورة تنحي سلفا كير عن السلطة، فهو رأي أتى من رجل محط ثقتهم الكبيرة. وما كان لـ "باقان" أن يقول هذا الذي قاله عن سلفا كير وبطريقة "قفل الباب" في وجهه نهائياً هذه ما لم يكن واثقاً حدّ الاطمئنان من أن الرجل مغادر للسلطة لا محالة، وأنه على علمٍ، بطريقةٍ ما، بالقرار الذي اتخذته الولايات المتحّدة بذلك.


لكن يظل الأهم من ذلك كله هو تلك "الرؤية" التي قدّمها باقان، خلال ذات الحوار، لحل الأزمة في جنوب السودان، حيث يرى أن ذلك يتحقق من خلال "تدخل المجتمع الدولي (منظمة الأمم المتحدة) والاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيقاد لإنقاذ الدولة الوليدة ومنعها من السقوط في الفوضى والتشتت وإعادة الاستقرار فيها بوقف العنف"، وهو تدخل عسكري في المقام الأول، والذي تمثله قوات إقليمية قوامها في "صورتها" الأولى ستة عشر ألف جندي لحماية المدنيين وتأمين العاصمة جوبا. كما وأضاف في سياق رؤيته لحل الأزمة بأنه من الضروري تنحي جميع القوى السياسية عن السلطة وفي مقدمة ذلك تنحي الرئيس سلفا كير وحزبه ورياك مشار وحركته عن السلطة، وافساحهم المجال لحكومة تكنوقراط (العلماء أو الخبراء الأكاديميون أو المتخصصون والمهنيين عموماً) تُدير البلاد خلال فترة انتقالية، ويدعمها المجتمع الدولي (سياسياً وبقواتٍ عسكرية إقليمية) لإنقاذ الشعب من الموت والنزوح والمجاعة بتوصيل الإغاثة للمحتاجين وحمايتهم (حماية العاصمة جوبا). كما وأوضح باقان أن أهم أدوار هذه الحكومة هو قيامها بإدارة الأزمة الحالية وبالتحديد إنقاذ حياة المواطنين، وإعادة بناء أجهزة الدولة ومؤسسات الحكم الراشد، ووضع دستور دائم يُقنن العملية السياسية في البلاد، وتجريد المقاتلين من كل الأطراف من السلاح، والتحضير لتسليم السلطة إلى الشعب عبر الانتخابات الحرة والنزيهة في نهاية الفترة الانتقالية، وبذلك تعود البلاد إلى طريق النمو والتطور والتنمية بصورة سلمية وتكون بعدها العملية السياسية فيها مجردة من العنف والسلاح.


المُتأمّل بتمعُّن في "رؤية" باقان لحل الأزمة، وذلك مع قيامه بالربط بينها ومجريات الواقع في نفس الوقت، فإنه سيصل بسهولة إلى أن هذه ليست "رؤية"، بل أنه هو "الحل" الأمريكي الموضوع للأزمة ذات نفسه، والذي تتحرك الولايات المتحدة هذه الأيام في إطار الترتيبات لتنفيذه من خلال ممارستها للضغوط الكثيفة على سلفا كير ومشار للتنحي وضرورة تنفيذ جوبا لوعدها لمجلس الأمن بتنفيذ قراره القاضي بنشر ستة عشر ألف جندي إقليمي في إطار عملية حفظ السلام، والذي تأتي بعده مرحلة الفترة الانتقالية ورجالها ومهام حكومتهم، وتعقبها مرحلة الشروع في عمليتيّ بناء الدولة وبناء الأمة من جديد بساستها الذين ليس من بينهم بالقطع سلفا كير ومشار، وذلك في إطار عملية أمريكية يُمكن تسميتها "إعادة ولادة جنوب السودان"، وهو الاسم الذي لا يُمكن أن يكون قد اختاره باقان "اعتباطياً" لمنظمته المدنية التي أسسها حديثاً في الولايات المتحدة، إذ أنه أقرب لأن يكون هو الاسم الذي اختارته الولايات المتحدة لعملية إعادة ترتيبها للأوراق في جنوب السودان، والتي بالضرورة أن باقان على علم بمعظم تفاصيلها، حيث تتطابق وجهات نظره هذه، بقدرٍ كبير، مع أقوال عدد من المسئولين الأمريكيين ووجهات نظرهم سيما حول الموقف من سلفا كير ومشار، وحول دعوته لإدخال البلاد تحت الوصاية الدولية في حال تعثر (الخطة أ)، حيث لا يُمكن أن يكون من قُبيل المصادفة تطابقها مع موقف مجلس الشيوخ الذي خرج به في جلسة استماعه الخاصة حول الأزمة في جنوب السودان، والمنعقدة بعد إجراء باقان للحوار بفترة ليست بالقصيرة نوع ما، والذي حذر فيه المجلس من أن (الخطة ب) سيتم الاحتياج إليها لتغيير الوضع بما في ذلك العقوبات ضد القيادات وحظر الأسلحة بجانب وضع جنوب السودان تحت وصاية الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة.

وبآخره، فإن المراد قوله هو أن ما يُقدّمه باقان باعتباره رؤيته لحل الأزمة في جنوب السودان هو أقرب، في حقيقته، لأن يكون هو الحل الذي اعتمدته الولايات المتحدة للأزمة ذات نفسه وتسعى لتنفيذه، والذي يظهر أن باقان يحيط، بشكلٍ ما، بتفاصيله.



الجريدة



تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 2084

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1530634 [madengo]
0.00/5 (0 صوت)

10-10-2016 12:34 PM
المربي الجلايل الشكر علي المقال لكن ورا كل الماصب هى الولاية المتحدة الامركيا و هم الزين الدخلو البلاد في هزي المحنا

[madengo]

محمّد أحمد شقيلة
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة