المقالات
السياسة
ما الإنسان دون حرية؟
ما الإنسان دون حرية؟
10-08-2016 11:07 PM


ما الإنسان دون حرية!؟
بطاقة تضامن مع اطباء بلادي!
=====
منذ فترة وأشجار الأسئلة الكبرى -كما يقول الشاعر الإنسان عالم عباس – تنهمر مثل مطر استوائي، لا يتوقف إلا ليبدأ من جديد! أسئلة تحمل أجوبتها في حشاها. وأجمعها في سؤال كبير: هل نستحق هذا الوطن نحن أبناء هذه الحصة من تاريخه؟ تخيفني الإجابة فتبرق في ذاكرتي كلمات شاعر الثورة في اسبانيا فيدريكو غارثيا لوركا:
ما الإنسانُ دونَ حريةٍ يا ماريانا؟
قولي لي.. كيْفَ أستطيعُ أن أحبَكِ..
إذا لم أكُنْ حُرّاً؟
كيف أهبُكِ قلبي إذا لم يكُنْ مِلْكي؟

والأسئلة التي تنهمر مثل مطر استوائي لا تتوقف، حتى أبحث لها عن إجابة. بل هي تفترع ما يشبه الحيرة إجابة لها. أي بلدٍ هذا الذي تضع أكبر مؤسسة دولية في العالم إنسانه على رأس قائمة أفضل الآدميين سلوكاً بينما تجلس على صدره – ولسبع وعشرين عاماً – عصبة من الشواذ واللصوص وعديمي الضمير؟
بل أي شعب نحن ؟ وماذا دهانا؟ تسلخ سياط النازيين الجدد جلد المرأة على مرأى من الناس في عاصمة بلادنا وتغتصب وتهان كما لم تشهد إهانتها عصور الإماء والحريم ، بينما شوارب الرجال تنبت كناية عن فحولة كاذبة!

أي أمةٍ نحن تلك التي اجتث ثوارها قبل قرن رأس ممثل اكبر امبراطورية في التاريخ الحديث حتى إذا دارت عليها دائرة انتقام أعدائها وغزوها وصف فرسانها شاهد منهم -ونستون تشيرشل بقوله: (كانوا أشجع من مشى على وجه الغبراء They were the bravest ever who walked on earth). بينما تنحني هامات احفادهم اليوم لثلة من نفرٍ سرقوا كرسي السلطة ذات ليلة وباعوا الوهم لشعبنا على مدى سبعة وعشرين عاما!

بل ماذا دهانا ونحن من علم شعوب آسيا وأفريقيا وأميريكا اللاتينية قبل إثنين وخمسين عاماً ماذا يعني العصيان المدني؟ وكيف أننا في لحظة غضب من الطغيان والدكتاتورية توقفنا عن كل شيء وأمرنا عجلة الحياة أن تتوقف عن الدوران إذا لم يحنِ الطاغية رأسه لنا ؟ فعلنا ذلك مرتين: في 21 اكتوبر 1964 وفي مارس –ابريل 1985م.. وها ثلة من تجار الدين والمخدرات يجثمون على صدر أمتنا لسبع وعشرين سنة!!

أسئلة المطر الاستوائي تنهمر وليس ثمة من جواب ؟ وتحضرني هنا أبيات الشاعر العظيم صلاح عبد الصبور:
هذا زمَنُ الحقِّ الضائعْ
لا يعرفُ إنسانٌ من قاتلُهُ ومتَى قتَلَهْ
ورؤوسُ الناسِ على جُثَثِ الحيواناتْ
ورؤوسُ الحيواناتِ على جثثِ الناسْ!
فتحسّسْ رأسَكْ !
تحسّسْ رأسَكْ!!

عندما قلنا إن أنظمة الاستبداد لا تعرف الطريق (الدغري) وحرمة المؤسسية والقانون وحق الشعوب في أن تعيش حياتها حرة وأن تصنع قدرها كما تشاء- عندما قلنا ذلك ورددناه في كتاباتنا المتواضعة وعبر المؤتمرات أينما حملتنا اقدارنا – عندما قلنا ذلك ونردده اليوم – كنا نعرف تماما أن صفحات التاريخ البشري تكتظ بمثل هذا النمط من الاستبداد. بل يشهد التاريخ أنّ أجيالاً من البشر رزحت تحت نير العبودية والمهانة لأن الشعوب مثل الأفراد- تجزع ويتم تشتيت افكارها وتذبل مقاومتها- لكنها مثل الإعصار، متى قوي ساعده وهجم على جلاده كان الخلاص في ساعة زمن.

واليوم يخرج أطباء بلادنا من صمتهم الذي طال ليقولوا (لا) في وجه المهزلة! لا يقولن لي أحد أن ما يقوم به اطباء بلادنا الشجعان كان القصد من ورائه تحقيق مطالب فئوية تنتهي بالاستجابة لها! المسألة اكبر مما يظن نظام اللصوص وسدنته ومنتسبوه. وأردد ما قاله صديقي الصحافي الشجاع فيصل محمد صالح وهو يجيب في حوار تلفزيوني على ما قاله وزير الغفلة الذي حاول اختصار عصيان الأطباء بأنه شأن سياسي – حيث قال الاستاذ فيصل ما معناه: وليكن.. فالطرح السياسي وكل ما حاق بالبلاد سببه سياسات حزب الوزير؟ المسألة في عمقها إذن سياسية وعلى نظام الإسلامويين أن يتحمل تبعات سياساته الهباب.

ينبغي أن يجد ما قام ويقوم به أطباء السودان التشجيع والمؤازرة من كل ذي همة وحرص على هذا الوطن. وما لهذا كان قصدي..بل أذهب أبعد من ذلك وأقولها بمنتهى الوضوح ودون مواربة: لا تتركوا الأطباء لغدر نظام لم تقم أركانه مذ جثم على صدر شعبنا إلا على المؤامرات والغدر والطعن في القفا. وقفة أطباء بلادنا الشجاعة والمشروعة يجب أن تكون الشرارة التي يحرق لهيبها دولة الباطل لتشرق شمس الحرية وفجرها الساطع. وما هذه بالأماني الكذاب ، بل إن مطالب الصيادلة والمهن الطبية الأخرى ومطالب المهندسين والمعلمين وآخرين من المهنيين وأرباب الصناعة قد حاق الظلم بأهلها ربما بمثل ما حاق بالأطباء واكثر. وهل من كارثة حاقت بقطاع مثلما حدث لقطاع التربية والتعليم في هذا الزمن البئيس؟

لكل هؤلاء نقول: خذوا حقكم في الحياة عنوة واقتداراً ما دامت (العصابة) الجاثمة على صدر بلادنا تأبى إلا أن تأخذ حقوق الناس (عينك يا تاجر) وتحول أشرف المهن مثل الطب والتعليم وغيرها إلى حوانيت وإلى ملكية خاصة دون وازع من ضمير. إن كاتب هذه السطور لا يذيع سرا من الأسرار وهو يمارس حقه كواحد ممن سرق النظام سنوات أعمارهم في المنافي حين يقولها بالصوت المسموع لأبناء وينات شعبه الشرفاء: دقت ساعة الانتفاضة وحانت ساعة دفن جثة هذا النظام الكارثة. إنّ من حق الأجيال القادمة علينا أن نعطيها ما تبقى من وطن قبل أن يختفي من خارطة العالم.

وأعود فأردد كلمات لوركا لتطمئن روحي بأني جدير بهذا الوطن العظيم بما اسعى إليه من جهد ونضال ونكران ذات:
ما الإنسانُ دونَ حريةٍ يا ماريانا؟
قولي لي.. كيْفَ أستطيعُ أن أحبَكِ..
إذا لم أكُنْ حُرّاً؟
كيف أهبُكِ قلبي إذا لم يكُنْ مِلْكي؟
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1250

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




فضيلي جمّاع
فضيلي جمّاع

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة