المقالات
السياسة
العوامل المؤثرة في الحركة الوطنية السودانية 1900-1920 ..
العوامل المؤثرة في الحركة الوطنية السودانية 1900-1920 ..
10-13-2016 01:33 AM

أ.د. ظاهر جاسم محمد الدوري/العراق
أستاذ في الجامعة المستنصرية سابقا/ بغداد/ العراق

تكمن أهمية دراسة العوامل المؤثرة في الحركة الوطنية، في أن السودان أدى دوراً هاما في تاريخ أفريقيا الحديث، كونه اكبر أقطار القارة، حيث تبلغ مساحته مليون ميل مربع، وهو ثاني الأقطار الأفريقية بعد مصر حرر إرادته من قبضة السيطرة الاستعمارية، إذ سبقت حركته الوطنية العديد من الحركات الوطنية في القارة الأفريقية.
إن دراستنا للعوامل المؤثرة في الحركـة الوطنية السودانية خلال المدة من عام 1900 حتى عام 1920، لا يعني أننا تجاوزنا الفترة التاريخية الحاسمة والمهمة السابقة من تاريخ السودان، لأنها حددت فيما بعد الاتجاهات السياسية في البلاد، ونعني بها فترة تواجد الإدارة المصرية في السودان، وكذلك فترة جهاد الثورة السودانية، بقيادة محمد أحمد المهدي وخليفته الخليفة عبد الله التعايشي.
تمهيد:
سنقدم إيجازاً شديداً لمدة زمنية امتدت من عام 1821 وحتى عام 1899: من المعروف لدى المهتمين بتاريخ المنطقة انه لم تكن لبريطانيا علاقات مع السودان قبل احتلالها لمصر في 29 أيلول/ سبتمبر عام 1882 ، ذلك الاحتلال الذي أعطى لبريطانيا مسؤوليـة غير مباشرة في السودان، لأن المنطقـة كانت جزءا من الأراضي الخاضعـة لمصر منذ ان دخلهـا جيش محمد علي عام 1821.
لقد أعطت ثورة محمد أحمد المهدي في السودان عام 1881 وانتصاراتها المتتالية على قوات الإدارة المصرية، أهمية كبيرة، الا انها لم تشجع بريطانيا للتدخل بل حيث اعتبرتها أحداثا داخلية تتحمل مسؤولياتها حكومة القاهرة، وفي الوقت ذاته استمرت في جمع المعلومات عن حركة المهدي وقواته، تحسبا لأي طارئ قد يصل تأثيره إلى مصر، الا ان سرعة تطور الأحداث في السودان، دفع بريطانيا لكي تنصح القاهرة بوجوب سحب قواتها على الأقل إلى وادي حلفا، وبالفعل تم تنفيذ خطة الانسحاب هذه بعد تعيين الجنرال غوردون قائدا للحملـة. ولم تمهل قوات المهدي مدينـة الخرطوم، حيث هاجمتها وقتلت غوردون باشا في 26 كانون الثاني/يناير عام 1885، معلنة بذلك قيام حكم الدولة المهدية .
بعد أن اتضح لبريطانيا اهتمام الدول الأوروبية بأفريقيا عموما، لاسيما في حوض وادي النيل، مما أرغمها على العمل، وبسرعة فائقة لحماية مصالحها في السودان، ومن أجل إخفاء دوافعها الحقيقية، أوضحت بريطانيا للخديوي أنهّا مضطرة للتدخل في السودان تماشيا مع مصالح حليفتها إيطاليا، التي منيت بخسارة فادحة في واقعة عدوة مع الأحباش عام 1896 .
ومهما نذكر من مبررات لتدخل بريطانيا في السودان، نجد أسبابا عدة، داخلية وخارجية ،دفعتها لهذا التدخل، ولهذا جهزت حملة مشتركة، لغزو السودان، تكونت من الجيش المصري، الذي لا حول ولا قوة له ولا لخديويه في إبداء الرأي.
حرصت بريطانيا منذ البداية على أن تكون لها الهيمنة الفعلية في إدارة السودان لتحقيق مآربها، فاتفاقية الحكم الثنائي التي أبرمتها مع حكومـة الخديوي في يناير 1899 حققت وضمنت لهـا هذه السيطرة، ويعتقد أن هذا كان تحصيل حاصل بسبب كون مصر نفسها مستعمرة بريطانية ولا رأي لها فيما يصدر من توجيهات، وما تهدف بريطانيا إلى تحقيقه.
لقد ركّز البحث على العوامل المؤثرة على الحركة الوطنية في السودان، والتي كان لانعكاساتها أثر واضح ومهم على الوضع السياسي في الفترة المبكرة من القرن العشرين، وهي الطرق الصوفية والأثر الفكري المصري في السودان، وبعدها متابعة التطورات أثناء الحرب العالمية الأولى مع بيان أسلوب بريطانيا في توجيه الزعماء الدينيين وشيوخ القبائل، الوجهة التي تخدم مصالحها لتسهيل مهمة الحفاظ على الأمن والنظام داخل السودان، وكذلك متابعة ذهاب وفد التهنئة إلى لندن، وانعكاسات ثورة 1919 المصرية في السودان وردة فعل زعماء الدين البارزين. وستتم متابعة هذه العوامل حسب أهميتها:
الطرق الصوفية:
إن العامل الذي كان له الأثر الواضح والمهم في الحركة الوطنية هو الطرق الصوفية، التي تضرب جذورها إلى قيام دولـة الفونج (1504-1820)، عندما وفدت إلى السودان من الأقطار المجاورة، حيث وجدت الترحاب وإغداق الأموال والسماح لها بالتجوال في أنحاء البلاد، وخلال القرن التاسع عشر نشرت الطرق الصوفية تعاليمها وكثر مريدوها، ومن أبرز هذه الطرق: القادرية والشاذلية والجنيدية والسمانية والختمية والإسماعيلية.
وحين دخل السودان تحت نفوذ الدولـة العثمانية عام 1821، لم تقف الإدارة الجديدة في وجه نشاط الطرق الصوفية، لان هدفها الرئيسي، هو جمع الضرائب وفرض الأمن والاستقرار، لذلك تم استغلال بعض الطرق الصوفية لتسهيل مهمتها هذه، ومثلنا على ذلك ما حدث مع الطريقة الختمية، إذ أعطيت أهمية ورعاية أكثر من غيرها، واستخدم أفراد قبيلة الشايقية، وهم من أتباع الطريقة الختمية، في وظائف الحكومة سواء فيما يخص الأمن أم جمع الضرائب، في الوقت الذي ناصبت العداء القبائل الأخرى مثل قبائل الجعليين والدناقلة .
وما من شك في أنّ التمايز الذي أوجدته الإدارة الجديدة بين الطرق الصوفية من جهة والقبائل من جهة أخرى ترك أثره البليغ على المجتمع السوداني، وكان هو الأخر أحد الأسباب التي أدت إلى قيام ثورة محمد أحمد المهدي عام 1881، إذ أنكر على المسلمين العمل بغير القرآن والسنة النبوية، مما أدى إلى اضمحلال نفوذ الطرق الصوفية في خلال حكم الدولة المهدية.
إن دعوة محمد أحمد المهدي هذه قادت إلى وقوف زعيم أقوى الطرق الصوفية مركزية آنذاك، وهو السيد محمد عثمان الميرغني، زعيم الطريقة الختمية، بوجه الثورة بل اضطر إلى القتال بجانب الإدارة المصرية ضد هذه الثورة، مما أجبر الميرغني على الهرب إلى مصر عام 1894، لئلا يقع في أيدي قوات الثورة ، الأمر الذي جعل التنافس يستمر بين المهدية والختمية حتى بعد سقوط الدولة المهدية في عام 1898 .
وبعد قيام الإدارة البريطانية في السودان أطلت الصوفية ثانية في المجتمع السوداني وبشكل يختلف عن السابق، إذ لم يعد الاهتمام الأول لبعض الطرق الصوفية بالقضايا الروحية فقط، بل عملت الإدارة البريطانية على توجيه زعماء الدين للعمل في المجال السياسي، وهذه هي التجربة الأولى بالنسبة للطرق الصوفية في السودان.
وعلى الرغم من عدم رغبة البريطانيين الاعتراف الرسمي بالطرق الصوفية إلا أنهم فضّلوا عدم التدخل بشؤونهم الخاصة ما داموا لم يهددوا أمن الدولة، وسمح لهم بمزاولة نشاطاتهم لغرض تحقيق التوازن في التأثير بين الطرق الصوفية والحكومة، وأصبح من البديهيات أن المستعمر الأجنبي لا بد وأن يعتمد على قوى مؤثرة لها وزنها في تطبيق سياسته على رعاياها، فاعتمدت الإدارة على شيوخ الطرق الصوفية للسيطرة على قطاع واسع من الناس . وهذا ما حصل مع السيد علي الميرغني والسيد عبد الرحمن المهدي والشريف يوسف الهندي، وهم من أبرز الزعماء الدينيين في السودان، حتى أصبح معلوما أن معظم ما كان يدور في البلاد لابد وأن يكون وراءه السادة الثلاثـة وبالتحديد أثناء الحرب العالمية الأولى وما بعدها، ومع هذا فقد أبقت الحكومـة بعض القيود على نمو نفوذ الطرق الصوفية لاسيما الطرق الأكثر تطرفـا، فأسست مجلس للعلمـاء في أم درمـان في حزيران/ يونيو عام 1901، للحد من نفوذ الطرق الصوفية.
السيد عبد الرحمن المهدي(1885-1959 )،
هو ابن السيد محمد أحمد المهدي، زعيم الأنصار، أبعد عن السياسة منذ سقوط دولة والده، وخصصت له الحكومة راتباً شهرياً قدره خمسة جنيهات مصرية، لإبقائه يعيش على الكفاف، الا انه في أثناء الحرب العالمية الأولى، بدأ نجمه يتألق لأول مرة، إذ استغل البريطانيون مكانته بين أنصار أبيه لمواجهة دعوة الجهاد التي أعلنتها الدولة العثمانية ضد بريطانيا، فأغدقوا عليه الأموال، وسمحوا له بالسفر إلى جزيرة آبا في كانون الثاني / يناير عام 1915، معقل الأنصار، فانتهز هو هذه الفرصة، وقدم ما يتمكن للحكومة ووضع نفسه في خدمتها، وحينما انتهت الحرب أدركت الحكومة مدى فائدته لهم وقتها ومستقبلا، بينما كان السيد قد جمع أموالا كافية وخبرة جعلته يفكر في إعادة المهدية من جديد.
أما السيد علي بن السيد محمد عثمان الميرغني (1879-1968 )،
زعيم الطريقة الختمية، الذي تلقى تعليما خاصا من شيوخ الأزهر بعد انتقاله إلى مصر عام 1894، هروبا من قوات المهديـة، حيث عاد إلى السودان في مطلع القرن العشرين، فهرعت إليه القبائل من الشمال والشرق لتأييده، ومنذ عودته سانـد الحكومة في برامجها لتطوير البلاد، وتوفـير الأمن والاستقرار فيها . كان السيد علي الميرغني قد أيد سياسة الإصلاح والتحديث التي أعلنتها الحكومة في السودان، باعتبارها خطوة على طريق تقدّم البلاد، لذلك فقد شارك في أول معرض زراعي في كسلا عام 1905 .
إن الحظوة التي تمتع بها السيد علي الميرغني لدى الحكومة قد أثار ضغينة الطرق الصوفية الأخرى، ولكن مكانته هذه مكنته من القضاء على أية منافسة قد تظهر من خصومه ومنافسيه، فظل السيد علي يعامل من الإدارة، كونه الزعيم الديني الأوحد في البلاد في خلال الحرب العالمية الأولى على الأقل.
أما الشريف يوسف الهندي، زعيم الطريقة الهندية، الذي كان على الرغم من قلة نفوذه يستمد قوته من قوة شخصيته، فقد فرض نفسه على الحكومة التي كانت تطلب منه المشورة في كثير من الأمور الهامة.
الأثر الفكري المصري في السودان:
إن الفكر المصري بالسودان ضارب بجذوره إلى قبل ميلاد سيدنا المسيح منذ عهد الفراعنة، وعند دخول المسيحية إلى الأراضي السودانية عن طريق مصر، كانت الكنيسة في الإسكندرية هي المسؤولة عن تعيين رجال الدين بالسودان. وعند دخول الإسلام إلى مصر انتقل الإسلام منها إلى بلاد النوبة، على الرغم من أنه لم يكن الطريق الوحيد، الا ان عقد معاهدة السلام بين والي مصر عبد الله بن سعد بن ابي السرح وقيلدروث ملك بلاد النوبـة المسيحيـة (31هجرية/652 ميلادي)، قاد إلى دخول عدد كبير من أهل النوبة الإسلام دون إكراه. وعند قيام دولة الفونج (1504-1821)، رحبت الدولة الجديدة بعلماء الدين الإسلامي القادمين إليها من كل مكان، وبالذات علماء مصر، وتمكن بعض السودانيين من الهجرة إلى مصر طلبا للعلم من علماء الأزهر والعودة إلى بلادهم.
وإلى نهايـة القرن السابع عشر الميـلادي كان اثر مصر في السودان قد وضح بأجلى صوره، لاسيما في النظام التعليمي السائد في مصر، كمدرسة سوار الذهب بدنقلا ومدرسة المجاذيب في الدامر، فضلا عن استمرار حجاج دارفور وسنار يسلكون طريق مصر بدلا من طريق ميناء سواكن للقاء علماء الدين المصريين .
وحين ضم محمد علي السودان عام 1821 أصبحت البلاد جزءاً من مصر، وبرز التأثير المصري الواضح بظهور الأروقة في الأزهر، ومنها رواق السنارية، وأدخل المصريون المطبعة الحجرية التي أسهمت في نشر العلم والثقافة، وبعدها تعرف السودانيون على الصحافة فبدأت جريدة الوقائع المصرية تنشر أخبار السودان ونتاج الأدباء السودانيين .
وعلى الرغم من محاولات البريطانيين المستمرة لإيقاف تسرب الأثر الفكري، بعد الغزو البريطاني للسودان عام 1899، وذلك بتدريب السودانيين على الوظائف الإدارية ليحلّو محل الإداريين المصريين، ولمنع الاحتكاك المباشر بين الجانبين، قررت الادارة زيادة المفتشين البريطانيين، ومع هذا لم ينقطع الأثر الفكري المصري، فقد ظهر قبل الحرب العالمية الأولى، ومنذ بداية هذا القرن تأثير المعلمين المصريين الذين مارسوا التدريس في كلية غوردون، وإليهم يرجع الفضل في تنشيط الحركة الفكرية والسياسية في السودان .
وعند انفجار ثورة 1919 المصرية بان بوضوح انعكاس الأثر المصري على الأوضاع الداخلية في السودان، حيث اقتصر دور المثقفين السودانيين في البداية على نشر أخبار الثورة المصرية وتعظيم رجالها، ولكن لم يمض وقت طويل حتى ارتفعت أصوات الشباب السوداني لدعم تلك الثورة.
ومن أبرز نتائج الثورة المصرية، هو أن المدة من عام 1920 وحتى عام 1923 قد شهدت نمواً متزايداً للوعي السياسي بالسودان، وأصبحت وحدة وادي النيل (مصر والسودان) جزء لا يتجزأ من برامج عدد كبير من الأحزاب السياسية المصرية، واستمرارها على مطالبة مصر بالحصول على الاستقلال التام، وجلاء القوات الأجنبية من كلا البلدين مرة واحدة، فضلا عن ظهور التجمعات الوطنية في السودان، التي نادت بوحدة وادي النيل، مثل: نادي الخريجين، جمعية الاتحاد السوداني، وجمعية اللواء الأبيض، وقد لقي هذا الاتجاه تأييدا من غالبية السودانيين، وغدا الأدب القادم من مصر محرّكا بارزاً لهذا الاتجاه، وهكذا أصبحت الحركة السياسية السودانية بعد الحرب العالمية الأولى حركة تدعو إلى الوحدة والاندماج بين البلدين.

تطور الأحداث أثناء الحرب العالمية الأولى:
إن إعلان بريطانيا الحرب على الدولة العثمانية في 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 1914، قد وضعها في موقف حرج في مصر والسودان، مما اضطرها إلى إصدار بيان في 8 كانون الأول/ ديسمبر عام 1914 تعلن فيه حمايتها على مصر، وانسحب إثر هذه الحماية بشكل طبيعي على السودان.
أثارت هذه الإجراءات قلق الحكومة في السودان لوجود صعوبات اقتصادية بسبب الموسم الزراعي الرديء، الذي نتج عن سنتين متعاقبتين من الجفاف(1913-1914 )، فضلا عن وجود معظم الجيش المصري في السودان منذ الغزو البريطاني للبلاد. فعمد الجنرال ونجيت (Wangate) - حاكم عام السودان - إلى اتخاذ بعض الإجراءات السريعة ومنها العمل على ضمان ولاء كبار الضباط من السودانيين والمصريين، والاستمرار في أداء واجباتهم، وفي 8 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1914 استدعى ونجيت علماء الدين البارزين والشيوخ الدينيين والوجهاء المتنفذين، وحاول إقناعهم في خطابه بأن الحرب ليست بين المسلمين والمسيحيين، مشدّداً على تمتع السودان بالسلم في ظل الحكومة الحالية، وأكد أن بريطانيا ليست في نزاع مع الإسلام، أو زعيمه الروحي، وعلى الفور أعلن الزعماء السودانيون ولاؤهم للحكومة بقولهم " نحن مع الحكومة الحالية قلباً وقالباً ولا شأن لنا بتركيا التي تبعت مشورة ألمانيا وأعلنت الحرب بالارتباط معها" . وقد ظهر اسم السيد عبد الرحمن المهدي لأول مرة في قائمة الموقعين على إعلان الولاء.
كان اندلاع الحرب نقطة تحول بالنسبة لزعماء الطرق، وبالذات السيد عبد الرحمن المهدي وأتباعه، لأن الحكومة لا تزال تتعامل معه بحذر. في حين وضعت ثقتها بالسيد علي الميرغني، لكنها في الوقت نفسه كانت تخشى منه لأنه قد يتعاطف مع العثمانيين باعتبارهم اخوة في الإسلام، ولكن عداء المهديين التقليدي للدولة العثمانية قد دفع الحكومة البريطانية في السودان إلى توثيق علاقتها مع السيد عبد الرحمن المهدي، خشية انضمام السيد الميرغني للدولة العثمانية، على الرغم من اظهار ولاءه للحكومة من خلال برقية أرسلها إلى الحاكم العام في السودان، أعلن فيها مساندته لبريطانيا وولاءه لها، وأدان سياسة الدولة العثمانية، وبذلك ضمنت بريطانيا تأييد زعيمي الطائفتين المهدية والختمية لسياستها، وانعكس ذلك على اتباعهما، بواسطة إرسال برقيات الولاء والتأييد من مناطق البلاد المختلفة .
بهذه الأساليب استطاع الحاكم العام كسب ولاء الزعماء الدينيين الرئيسيين، إلا أنه لم يتجاهل شيوخ القبائل، فقد بعث برسائل شخصية إلى كل شيخ من شيوخ القبائل في الأقاليم يحثهم على دعم الحكومة، ونتيجة لما كانت تقدمه الحكومة لهم من مساعدات كالحبوب مثلا، فقد بقي هؤلاء الشيوخ على ولائهم طوال فترة الحرب .
كانت البلاد تعاني من ضائقة اقتصادية مستحكمة، إذ حصل تدهور في الزراعة وكساد في التجارة وارتفاع في الأسعار ونقص في المواد الغذائية الأساسية كالقمح والذرة والسكر. وعلى الرغم من معالجات الحكومة في السيطرة على بعض السلع واستيراد بعضها الآخر، إلا أن تلك المعالجات لم تجد نفعا، إذ وقع ثقل الأزمة على فئة الموظفين، والخريجين من الشباب المتعلم حديثا، والحرفيين والزراع والرعاة، علما أن الموظفين كانوا أوفر حظا من غيرهم، لأنهم خاضعون لسيطرة الحكومة، وهم طبقة الخريجين، التي يمكنها ان تتحسس الأوضاع السياسية أكثر من غيرها، فمنحهم علاوات حرب في محاولة منها لتحسين أحوالهم المعيشية من شدة الغلاء الذي عم البلاد .
بهذه الوسائل تمكنت الحكومة من كسب المساندة لسياستها تجاه الدولة العثمانية، واعتمدت على الكره الشديد الذي يحمله الناس ضد العثمانيين الأتراك، بسبب الظلم الذي عانوه من جراء حكمهم السيئ، وبهذا الأسلوب حافظت الحكومة على ولاء الشعب السوداني لها، ليس برعاية مصالحهم المادية فحسب، بل بدأت تخفف من سياستها القاسية تجاه الزعماء الدينيين لكسب تأييدهم و مساندتهم لسياستها، وهكذا فإن المهدي والميرغني قد "رموا بثقل نفوذهم إلى جانب الحكومة والقانون والنظام" ، وفضلا عنهما فهناك زعماء سياسيون ودينيون لهم تأثيرهم على الأحداث في السودان، منهم:-
السلطان علي دينار:
بدأت علاقات السلطان علي دينار، سلطان إقليم دارفور، تتدهور مع الحكومة المركزية بعد عام 1900، لأنه بدأ يشك في مواقفها تجاه استقلال إقليمه، وحين بدأت الحرب العالمية الأولى، ازدادت عزلة علي دينار عن الخرطوم بسبب تعصبه الديني وعواطفه الموالية للدولة العثمانية .
لكن السلطان علي دينار بدأ مراسلاته مع السيد علي الميرغني منذ 20 آذار/مارس عام 1915، محاولا استغلال نفوذه لدى الحكومة لغرض التفاهم معها. واستمرت المراسلات بينهما فقد أرسل رسالة ثانية إلى السيد الميرغني في 9 آب/أغسطس من العام نفسه، طالبا منه التدخل لتسوية خلافاته مع الحكومة، وأجابه السيد علي الميرغني في 20 أيلول/ سبتمبر، مؤكدا له، حسن نوايا الحكومة تجاهه، وبين له عدم تدخلها في الشؤون الدينية. لكن السؤال المهم الذي يطرح نفسه هنا، هل كان السيد الميرغني أثناء مراسلاته مع السلطان دينار على علم بقرار الحكومة باحتلال دار فور وعزله عن إدارة الإقليم؟ هذا ما يحتاج إلى المزيد من البحث والتدقيق، فالمصادر التي بين أيدينا تحجم عن تأييد هذه الحقيقة أو نفيها، لكن السلطان علي دينار بدأ يقلق من موقف السيد علي الميرغني تجاهه مما اضطره إلى مراسلة الشريف يوسف الهندي، زعيم الطريقة الهندية، للاستعانة بخدماته ولكن مع الاسف لم نعثر على المزيد من المراسلات لاكتشاف طبيعة الدور الذي قام به الشريف الهندي مع دينار. ومهما تكن وساطة السيد علي الميرغني فإنها لم تغير شيئا من قرار الحكومة، باحتلال إقليم دار فور الذي تم في 10 كانون الثاني/يناير عام 1916 وقتل السلطان علي دينار، وضم الإقليم في السنة نفسها إلى إدارة الحكومة المركزية في السودان مباشرة.

وفد التهنئة:
بعد انتصار بريطانيا وحلفائها في الحرب العالمية الأولى، ولدت فكرة تأليف وفود من مختلف المستعمرات واستخدامها للمثول أمام الملك جورج الخامس لتأكيد الولاء للتاج البريطاني، فجاءت فكرة تأليف وفد سوداني ملائمة للزعماء الدينيين الثلاثة من أجل تدعيم نفوذهم في السودان.
تم تأليف الوفد بزعامة السيد علي الميرغني، وعضوية السيد عبد الرحمن المهدي والشريف يوسف الهندي ومفتي السودان وقاضي دار فور الشرعي وأربعة من الزعماء القبليين، لكن الملاحظة المهمة هي أن الوفد لم يضم ممثلين عن الأقاليم الجنوبية، ولا عن فئة المتعلمين حديثا .
كان هدف الحكومة، ان يكون التعريف بزيارة الوفد إلى لندن على نطاق واسع في السودان لغرض مواجهة أثر الموقف المصري المضاد له، فقامت صحيفة حضارة السودان بتغطية واسعة لرحلة الوفد ذهاباً وإياباً .
من الأهمية بمكان التأمل في مسألـة ضم السيد عبد الرحمن المهدي إلى الوفـد، وردود فعل السيد علي الميرغني، فيما إذا كان قد اثر ذلك لاحقا في موقف السيد علي الميرغني تجاه الحكومة، ولكن من دون شك ان السيد علي الميرغني لم يكن مرتاحا لهذا الإجراء لكنه لم يكن في موقف يمكنه من طرح رأيه أو التأثير على قرار الحكومة الإنكليزية في السودان.
إن قرار انضمام السيد عبد الرحمن المهدي إلى الوفد يعد تغييراً في سياسة الحكومة، التي أقرت أن "المهدي يمثّل قطاعا مهما من السودانيين في الشمال والغرب لا يمكن تجاهلهم في وفد تمثيلي" ، وهذا قرار واضح، يحمل أهدافاً سياسية، وهو مكافأة للسيد عبد الرحمن المهدي للخدمات الكبيرة التي قدمها أثناء الحرب، واعترافاً من الحكومة بالمركز الرفيع الذي يحتله هذا الزعيم الديني.
وحدثت مفاجأة مهمة أثناء تواجد الوفد في لندن، كانت هي الأخرى ذات اثر كبير على موقف الزعماء الدينيين، فقد فوجئ السيد علي الميرغني، رئيس الوفد، برغبة السيد عبد الرحمن المهدي تقديم سيف والده، محمد أحمد المهدي الذي قتل جيشه غوردون باشا، كرمز للولاء، هدية للملك، وبسبب هذا هدد السيد علي الميرغني بعدم حضور المقابلة، لكنه في اللحظة الأخيرة، أقنع بأن الأمر ليس قضية مهمة. وعلى الرغم من قناعته الخاصة، الا انه لم يشر إلى هدية الوفد في خطابه للملك، ولكن السيد عبد الرحمن المهدي، وبطريقة ذكية، قدم السيف قبل خروج الوفد. ان المهم في هذا الأمر هو انه أفسد إلى مدى أبعد العلاقات بين السيدين. ومهما يكن من أمر، فقد أعرب رئيس الوفد في كلمته عن اعتقاده بأن "تقدم ورقي السودان يعتمد الآن وفي المستقبل على ارتباطها مع بريطانيا العظمى" .
رأت الصحافة المصرية الوطنية في ذهاب الوفد إلى لندن تعبيراً عن محاولة بريطانيا استمالة السودان ضد مصر، كما نعت الوطنيون المصريون أعضاء الوفد السوداني "بالخيانة وبيع بلدهم إلى بريطانيا"، وكانت الخشية من احتمال هجمات الوطنيين المصريين (حسب وجهة نظر البريطانيين) على الوفد حقيقة بما فيه الكفاية لاتخاذ إجراءات خاصة لتأمين رحلة الوفد عبر مصر .
كانت زيارة الوفد على جانب من الأهمية، لأنها عكست العلاقات الجيدة التي كانت قائمة بين البريطانيين وزعماء الطرق الصوفية والعلماء التقليديين، اذ تم التأكيد على ذلك عندما استقبل جاكسو (Jackson)، نائب الحاكم العام، في السودان، أعضاء الوفد في مباني القصر للترحيب بهم على سلامة العودة إلى البلاد .
كما أعربت فئة (الانتلجنسيا) هي الأخرى عن استحسانها لزيارة الوفد إلى لندن بحضور السيدين، وقدمت لهما التهاني، وألفت القصائد في مدحهما قصد كسب ودهما إلى جانبها في محاولة منها للبروز على الساحة السياسية في السودان، وفي 21 آب/أغسطس عام 1919، كرّم نادي الخريجين في أم درمان أعضاء الوفد في حفل استقبال خاص أقيم على شرفهم .
انعكاسات ثورة 1919 المصرية في السودان وردة فعل السادة الثلاثة:
قادت الثورة التي قامت في مصر، في بدايـة عام 1919 ومطالبتها باستقلال مصر، السودانيين إلى التفكير في نتائجها المحتملة على بلدهم، حيث تفجرت في مصر حملة من العنف السياسي، وعبأ حزب الوفد، الذي أنشأه سعد زغلول، الرأي العام ضد بريطانيا .
كان إحدى نتائج هذه الثورة، التحالف بين السيد عبد الرحمن والسيد علي والشريف يوسف الهندي، في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى مباشرة، للوقوف موحدين ضد التيارات الوطنية في مصر، فعبروا عن خشيتهم من انسحاب بريطانيا من البلاد تاركة السودان تحت السيطرة المصرية، وهذا بالمقابل أقلق أقطاب الحركة الوطنية في مصر.
لهذا أعرب الزعماء الدينيون الثلاثة في محادثات مع سير لي ستا (Sir Lee Stack)، حاكم عام السودان وسردار الجيش المصري، في شهر شباط/ فبراير من عام 1919، عن رغبتهم في ان يكون مستقبل البلاد مرتبطا بالإمبراطورية البريطانية فقط، وعبروا عن اعتقادهم في أن الفكرة الوطنية ترقد في سبات ويمكن أن تتطّور، وطلبوا السماح لهم بالقيام بحملة دعائية مع أتباعهم بشأن تشجيع الولاء والدعم للبريطانيين، وأهمية الوحدة الوطنية بين السودانيين .
وعلى الرغم من تحفظات (ستاك) حول هذه الآراء، لكنها عكست بدقة وجهة نظر السادة الثلاثة؛ الذين اعترفوا أن هناك رغبة حقيقية في المساعدة البريطانية لتطوير البلاد، وعلى أية حال، فإن (ستاك) لم يدعم الفكرة القائلة أن الإحساس الوطني يجب أن يشجع بالدعاية، ولكنه اعتقد أنه يتطوّر بصورة طبيعية، وأن أي عمل من هذا القبيل قد يفسره المصريون على أنه تهديد لنفوذهم ورغبة في تقويض مركزهم، وتبعا لذلك، ورغم الاعتراف بأن منع السادة الثلاثة من القيام بدعاية سياسية، قد يدفع بهم نحو حركة القومية العربية أو الجامعة الإسلامية، فقد رفض (ستاك) طلبهم، لأنه اقتنع ، على الأقل في ذلك الوقت، ان هؤلاء السادة لم يعودوا يمثلون جميع فئات الشعب، وبالذات فئة المثقفين الجديدة .
ومهما يكن من أمر، فقد ظل السادة الثلاثة مهتمين بمستقبل السودان، ففي آذار/ مارس عام 1919 طالب سعد زغلول بإنهاء الاحتلال البريطاني ليس فقط في مصر بل في السودان أيضاً، وأكد مطلب مصر التاريخي بأن مصر والسودان واحدة ، ولإيضاح الأمر زار اثنان من أعضاء الحزب الوطني المصري، محمود باشا الديب وعيساوي بك، الخرطوم ليؤكدوا للسودانيين أن مصر تضع مصالحهم في القلب، وكانوا مزوّدين بتوجيهات لعدم الالتقاء مع السادة الثلاثة والتحدث إلى ممثلي الجيل المتعلم الجديد فقط .
وكرد فعل للمطالب المصرية، قدم السادة الثلاثة وعلماء الدين البارزين في 23 نيسان/ أبريل عام 1919 التماساً إلى الحاكم العام، لإرساله إلى الحكومة البريطانية، مفاده أنهم بمعزل تام عن المطالب الوطنية المصرية، بوجوب إنهاء الاحتلال البريطاني لوادي النيل، ويعبرون عن ثقتهم في أن بريطانيا قادرة على معالجة الموقف وإعادة التأكيد على ولائهم " نحن ليس لنا يد ولا علاقة لنا بالحركة التي تجري في مصر، ولا تتطابق الحركة مع رغباتها" ، وعلى الرغم من هذا الإصرار الواضح من السادة فإن اللورد اللنبي نصح بعدم نشر هذا الالتماس لأنه يؤكد عدم وجود" التعاطف بين الشعبين" وسيخلق متاعب للحكومة في السودان ولمكانة الزعماء الدينيين أنفسهم.
مرة أخرى، انتهز السادة الثلاثة فرصة زيارتهم إلى لندن في آب/أغسطس عام 1919 لإعادة تأكيد معارضتهم للمطالب المصرية، ومن خلال أعمدة صحيفة حضارة السودان، كتب حسين شريف، محرر الحضارة، مقالات عدة تناقش مسألة بقاء السودان تحت السيطرة البريطانية كأفضل الشريكين بدلا من تسليمه إلى مصر .
وحين وصلت لجنة (ملنر) البريطانية إلى مصر لغرض تقصي الحقائق عن أسباب الاضطرابات في مصر في بداية عام 1920، زار السودان اثنان من اللجنة عبرا عن رأيهما في تقرير جاء فيه " يجب ألا يسمح لأي تغير في الوضع السياسي في مصر بأن يعرقل التطور في السودان إلى مدى ابعد على النظام الذي انبثقت منه هذه النتائج الجيدة " .
وخلال المحادثات البريطانية - المصرية حول الشروط الجديدة المحتملة لرفع الحماية عن مصر، كان لحملة الدعاية المضادة لبريطانيا آثارها في السودان، فقد صدر عن شيوخ القبائل ومن مناطق مختلفة التماسات عدة يؤكدون فيها مطالبتهم بحماية المصالح السودانية، وكان رد الحاكم العام عليهم، أن السودان سيبقى خارج إطار المناقشات بين بريطانيا ومصر وسوف لن يتأثر السودان بأية شروط للاستقلال تمنح لمصر، وان بريطانيا سوف تستمر في حماية المصالح السودانية كما فعلت في الماضي .
وعلى الرغم من تكرار تأكيدات الحكومة، فإن السادة الثلاثة وعلماء الدين البارزين كانوا قلقين من قرب استقلال مصر، ففي شهر شباط/فبراير عام 1922 أصدروا سلسلة من البيانات أظهرت قلقهم البالغ من التطورات الأخيرة، باحثين عن مشورة الحاكم العام وتأكيدات مجددة من ان سياسة بريطانيا تجاه السودان لم تتغير .
كان قلق السودانيين من إعلان استقلال مصر في 28 شباط/فبراير عام 1922، والتحفظ على السودان احدى النقاط الأربع التي ستناقش في المستقبل، في ازدياد، لكن هذا القلق خفتت حدته إلى حد ما عندما وافقت حكومة بريطانيا على الاستمرار في سد سنار وضمانها للاعتمادات المالية الضرورية، وعد هذا الموقف إشارة لتعهد بريطانيا المستمر للسودان، ولتأكيد هذا الموقف قام المندوب السامي بزيارة إلى السودان في 26 أبريل عام 1922، وهي بحد ذاتها تعبير آخر عن الأهمية التي تعلقها حكومة بريطانيا على مساندة الزعماء التقليديين لها، وأوضح المندوب السامي في خطابه إلى أعيان السودان في الخرطوم، أن حكومته ليست لديها أية نية بأن تكون اقل وثوقا من قبل ، ولطمأنة السودانيين اكثر اقتبس المندوب السامي تصريحا لرئيس الوزراء في 28 شباط/فبراير عام 1922 بمناسبة منح مصر الاستقلال، قائلا " أن بريطانيا لن تغير وضع السودان بأية طريقة يمكن ان تلحق الضرر بمصالح السودان" . ويمكن اعتبار هذا التأكيد جواباً على الالتماسات السابقة المقدمة من الزعماء التقليديين.
أعلنت الصحافة في نهاية العام نفسه عن تشكيل جمعية الدفاع عن السودان، فتلقت الدعم من آلاف كثيرة من رجال القبائل السودانيين. وعلى الرغم من ذلك، حسب وجهة النظر البريطانية، فان الشعب السوداني كان يتطلع إلى إعلان جلي عن النوايا البريطانية، وكذلك فقد بقي الزعماء التقليديون السودانيون واثقين من أن بريطانيا ستستمر في دعمها لهم .
عمل البريطانيون بكل ما أوتوا من قوة للقضاء على التيار القادم من مصر، لكنهم لم يتمكنوا من ذلك، فقد افتتحت زيارة اللنبي إلى السودان، والتي احتفلت بها العناصر المؤيدة لبريطانيا، إلى حملة دعائية في الصحافة المصرية موجهة ضد الزعماء الدينيين الثلاثة ، فنشرت الصحف المصرية قصائد لشعراء سودانيين انتقدوا فيها هذه الزيارة، فكتب توفيق صالح جبريل يقول:
ويح قلبي ماذا يروم (اللنبي) يوم وافى يجر سيفا صقيلا
جمع الجمع أرهب القوم حتى أصبح السيد النبيل ذليلا
أتراه يريد يفصم حبلا بين مصر وبيننا موصـولا

وعموما فقد بدأت منذ عام 1920 آثار ثورة عام 1919 المصرية تظهر آثارها في السودان، فقاد الى ازدياد الوعي السياسي في البلاد، وفي هذا الوقت انقسم السودانيون إلى جماعتين، هما التقليديون والنخبة المتعلمة. كان التقليديون يقودهم القادة الثلاثة يدعون إلى بقاء الحكومة في السودان تحت وصاية بريطانيا لغرض إعداد السودانيين للاستقلال، ولدعم هذا الرأي بشكل واضح أمام المتعلمين في السودان كتب حسين شريف(محرر جريدة الحضارة) سلسلة من أربع مقالات خلال شهر آب وأيلول عام 1920 تحت عنوان القضية السودانية ، دعا فيها إلى الانفصال عن مصر لتكون السودان للسودانيين، وهو الشعار الذي تبناه السيد عبد الرحمن المهدي واتباعه لاحقا.
استدعت هذه المقالات رد فعل سريع من النخبة المتعلمة التي كانت تساند دعوة مصر إلى وحدة مصر والسودان، وعبر هؤلاء عن آرائهم بمنشورات سرية ظهرت إحداها وهى الأكثر أهمية في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1920 موقعا من قبل كاتب مجهول دعا نفسه " ناصح أمين" أرسله إلى القادة الدينيين ووزعه على الشخصيات السياسية والثقافية البارزة في الخرطوم وأم درمان وبقية الأقاليم ، وتشكّلت، في هذا الوقت، جمعيّات سرّية لغرض توعية الناس بأهمية مساندة المطالب المصرية، فظهرت جمعية الاتحاد السوداني وهي الأكثر أهمية، عام 1920 في أم درمان من قبل مجموعة من طلبة كلية غوردون وخريجيها، وهي جمعية اجتماعية أدبية، شجعت بصورة سرية عقد روابط قوية مع مصر. ونتيجة لقوة تأثير التيار المصري، تم تأسيس جمعية أخري عام 1923 باسم اللواء الأبيض، التي صعّدت نشاطها ضد الحكومة ودعت إلى وحدة وادي النيل تحت التاج المصري، لاسيما وانها حازت على مساندة الصحافة المصرية .
وفي عام 1924 أخذنا نتحسس بوضوح ظهور ثلاثة تيارات على الساحة السياسية هي: الجماعة التقليدية الموالية لبريطانيا، والمعتدلون الذين يساندون بريطانيا لكنهم يريدون تطوراً تدريجياً نحو حكومة ذاتية واستقلال نهائي، والجماعة المعادية لبريطانيا والموالية لمصر.
ونتيجة لردة فعل الشارع السوداني المؤيدة لوجهة النظر المصرية والمعارضة للحكومة استخدمت الحكومة وسائلها، فقد استخدمت الزعماء الدينيين لكسب رضا الناس في المشاريع الاقتصادية، فمثلا زار السيد الميرغني في عام 1924 مشروع الجزيرة لتطمين المواطنين على الجدوى الاقتصادية لهذا المشروع، لاعتقاد الحكومة أن زيارته هذه سيكون لها أثرها الكبير في إزالة سوء الفهم الموجود حول طبيعة المشروع ، وعلى الرغم من الأهداف السياسية لزيارة السيد الميرغني للجزيرة، إلا أن إحدى نتائجها المهمة كان إعادة التنافس بين قطبي الحركة الوطنية السيد علي الميرغني والسيد عبد الرحمن المهدي لأن الأول بذل جهودا للظفر بدعم المهديين هناك لطريقته .
وعلى الرغم من توحيد جهود السيدين في معارضتهما لمصر، فليس من الممكن ترك المطامح الشخصية جانبا مثلما حصل أثناء الحرب العالمية الأولى، بل بدأت فترة جديدة من التنافس بينهما في المواقف السياسية في الفترة اللاحقة، وبالذات في أحداث عام 1924 وما بعدهـا، لاسيما إذا عرفنـا أن الصراع الذي بدأ منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر بدأ ينمـو عند السيديـن المهدي و الميرغني لان الأخير كان يرى نفسه الزعيم السياسي والديني الوحيد في السودان.

الخاتـــــمة:
إن غياب دولة المهدية عام 1898 أوجب على بريطانيا اتباع سياسة جديدة، هي الاعتماد على زعماء الطرق الصوفية وخاصة الأكثر مركزية، وظهر ذلك من خلال الدعم المتبادل بين الحكومة والسيد علي الميرغني، فحينما بدأت الحرب العالمية الأولى فكر البريطانيون، الذين قاتلوا محمد أحمد المهدي، باحتضان ابنه السيد عبد الرحمن، لتنفيذ أهدافهم، والذي استطاع هو أيضا جني ثمار هذه السياسة لإحياء ما أطلق عليه فيما بعد بالمهدية الجديدة.
إن ظهور السيد عبد الرحمن المهدي على مسرح السياسة انعكس على موقف السيد علي الميرغني من الحركة الوطنية في فترة الثلاثينيات والأربعينيات، وعلى مساندة شيوخ القبائل عن طريق منحهم الصلاحيات من أجل فرض نفوذهم على أتباعهم، وعملت هاتان الفئتان بكل إخلاص لإثبات ولائها لبريطانيا والابتعاد عن مصر حليفة السودان الطبيعية.
وعلى الرغم من سياسة حاكم عام السودان وأعوانه بتنمية شعور الكراهية نحو مصر إلا أنّ التعليم الحديث، وزيادة عدد المتعلمين، ووجود التأثير المصري الضارب الجذور منذ القدم في السودان، أدى إلى ظهور بوادر التأثير على السطح، فالملاحظ أنه تم تأسيس نادي الخريجين وتشكيل الجمعيات الوطنية لكي تقود الحركة الوطنية والمطالبة علناً بوحدة وادي النيـــــل.
[email protected]

هوامش البحث
- في كانون الثاني/يناير عام 1899 تم إبرام اتفاقية وقع عليها اللورد كرومر( المندوب السامي البريطاني في مصر) وبطرس غالي باشا (وزير خارجية مصر)،سميت اتفاقية الحكم الثنائي بين بريطانيا مصر لإدارة ما عرف آنذاك بالسودان الإنكليزي- المصري، ونصت الاتفاقية على وضع السلطة المدنية والعسكرية بيد حاكم عام بريطاني تقرره بريطانيا و يعينه الخديوي.
-نعوم شقير، جغرافية وتاريخ السودان، دار الثقافة، بيروت،1967، ص634.
- NRO,Intell,6/8/24,SIR,NO.258 January 1916,Appendix.
-دار الوثائق المركزية، الخرطوم، منوعات، د.محمد ابراهيم أبو سليم، الطائفية في السودان، ص38.
Trimingham,J.S,Islam In the Sudan,Frank Cass,London,1949,P.201 .

- أطلق المهدي على اتباعه لقب الأنصار تقليداً للرسول محمد(ص) عندما أطلق على من ناصروه من أهل المدينة بهذا اللقب.
7 – FO,633/25,Cromers,Speech to Sheikhs and Notables of the Sudan,Khartoum,24 December 1900.
FO,141/364 Item 101,Preposed Land Exchange,Colonel Jackson,26 February 1901.
SAD,201/2,of 5 July 1916.FO,141/379/2217,The Mirghani Family 1916_1927. -
- يوسف فضل حسن، دراسات في تاريخ السودان وأفريقيا وبلاد العرب، ج2، دار جامعة الخرطوم للنشر، الخرطوم، 1989، ص11-17.
- المرجع نفسه، ص21.
- ود ضيف الله، طبقات ود ضيف الله ،(تحقيق) يوسف فضل حسن، الخرطوم، 1970 ،مطبعة منديل، ص6؛ أحمد كاتب الشونة، مخطوط كاتب الشونة في تاريخ السلطنة السنارية والإدارة المصرية، القاهرة، 1960، ص5 .
- بشير محمد كوكو، لمحات من تاريخ المجاذيب، الخرطوم 1971، ص60.
- عبد العزيز عبد المجيد، التربية في السودان، (ج1-2)، وزارة المعارف المصرية، 1949، ص223.
- إبراهيم أبو سليم، الطباعة في المهدية، مجلة الخرطوم، عدد 12، 1967.
- ظاهر جاسم محمد الدوري، "التجمعات الوطنية في السودان 1918-1924"، دراسات، عدد 2-3، الفاتح(سبتمبر)،1999، ص138-141
FO,371/2349(17709/9692),SIR,No.245,December 1914 -
NRO,Intell,6/8/24,SIR,No.244,November 1914. -
- سفر الولاء: مجموعة العرائض والتلغرافات والرسائل التي رفعت إلى حاكم السودان و الحكومة البريطانية،جمع وطبع صحيفة السودان،1915، ص101.
Rebertson,J.W,Transition in Africa,C.Hurst,London,1974,P21. -
-المصدر نفسه، ص21.
- عبد الرحمن المهدي، جهاد في سبيل الاستقلال، (تحقيق)، الصادق المهدي، الخرطوم، (د.ت)، ص18.
-دار الوثائق المركزية، الخرطوم، قسم المخابرات، خطاب للشيخ زيدان،1 تموز 1915.
-حسـين عبد القادر، تاريخ الصحافة، دار النهضة العربية، القاهرة، (د.ت)، ج1، ص270 وكذلك ص297-298 .
-BLO,Milner Papers,462/17,Telegram from the High Commissioner to the Foreign Office,7 February 1920,P.48.
- يقع الإقليم على الحدود الغربيـة للسودان ،وتقارب مساحته 144.000ميل مربع. كان الإقليم سلطنة مستقلة إلى ان ضمته مصر اليها عام 1874، وخلال حقبة المهدية شك الخليفة عبد الله التعايشي في ولاء السلطان علي دينار فأخذه أسيرا إلى أم درمان عام 1897.وبعد سقوط الدولة المهدية، سمح له بأن يعود إلى دارفور ويمارس سلطاته القديمة كسلطان على الاقليم، ووكيلا لحكومة السودان في آن واحد على ان يدفع إتاوة سنوية للحكومة مقدارها 550 جنيا مصريا.
- Theobald,A.B,Ali Dinar,Longmans,London,1965,pp160-161, 167
-NRO,Intell,7/4_10,Ali Dinar to Sayed Ali,20 March 1915.
- NRO,Intell,2/5_18,Ali Diner to Sayed Ali,9 August 1951.
- ; FO,371/3724(46874/169586)SIR No.340 July 1919 سليمان كشه، وثبة السودان الأولى، ط2، (د.ت)، ص6.
- صدرت هذه الصحيفة لأول مرة في شباط عام 1919 من قبل السيد عبد الرحمن المهدي، لكنها سرعان ما توقفت لتظهر من جديد في نهاية العام صحيفة سياسية تصدر مرتين في الأسبوع من قبل السيد عبد الرحمن المهدي والسيد علي الميرغني والشريف يوسف الهندي.
- FO,371/96936(E1054/2)Secretariat in Kharteum to the African Department,Foreign Office,19 May 1952.
-المصدر نفسه.
-خطاب السيد علي الميرغني أمام الملك،/1 تموز/1919. .FO,141/582/9183
-FO,371/3724(46874/11913)SIR,NO.299 June 1919.
- FO,407/185 Allenby to curson,11 August 1919;Curzon to Allenby,28 July 1919
- Bakheit,G.M.A,British Admistration and Sudanese Nationalism 1919-1939,
Ph.D. thesis,Cambridge University,1965,P.30.
- FO,371/3724,SIR,NO.301,August 1919.
- حسن نجيلة، ملامح من المجتمع السوداني، الدار السودانية، الخرطوم، ط4، ج1، ص45-55.
- FO,407/216(J2681/14/16),Enclosure2 in NO.78,Memorandum respecting the attitude of the Sudanese towards Egypt,1905-1932,10 September1932.
- FO,407/184,Enclouser in NO.126,Stack,Note on the Growth of the of National Aspirations in the Sudan,23 February 1919.
-FO,371/3711,Stack to Wingate,23 February 1919 in Wingate to Curson,26 March 1919.
- FO,407/184,Enclosure in No.126,Stack,
Note on the Growth of National Aspirations in the Sudan,23 February 1919.
- عبد العظيم محمد رمضان، تطور الحركة الوطنية في مصر، ط2، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1983، ص107.
- FO,407/184,Allenby to Curson,13 April 1919.
- Milner Papers,462/17,Appendix 11 Marked B.
-صحيفة الحضارة،7،21 آب 1920.
- FO,407/216(J2681/14/16),Enclosue 2 in No.78,Memorandum respecting the Attitude of the Sudanese towards Eygpt,1905-1932,10 September 1931.
- Milner Papers,462/17,Appendix 11 Paper Marked D,P,p.48;52-53.
-المصدر نفسه.
-Milner Papers,462/17,Part 11,Paper marked J pp.49,56.
- FO,371/7746(E6951/264/16),SIMIR, No.333, April 1922.
- FO,141/790(No.14502/2) Report of a movement for the Independence of the Sudan,1923;FO,371/1003,(E5828/296/16), Intelligence Annual Report,1923.
-Milner Papers, 462/17 Part11, P.49.
- E6952/264/16),SMIR,No.334, May 1922. )FO,371/7746
- حسن نجيلة، ملامح من المجتمع السوداني، الدار السودانية، الخرطوم، ج1، 1972،ص85.
- WO 33/997, SMHR NO.313,August 1920.
- Papers, 426/17,pp.45-46 . Milner
Bakheit,”British Administration”pp.67-68 . . -
- الأيام، 31مارس1956 . 1924; FO371/10039(E8189/296/16),SMIR NO.358,May
- FO,371/10039(E5828/296/16), Annual Report 1923.
-FO,371/8977(E8613/667116), SMIR No.364,May 1923.

[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 805

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




أ.د. ظاهر جاسم محمد الدوري/العراق
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة