والشجر .. يتجه شرقاً !ا
04-13-2011 09:21 PM

في السياسة:

والشجر .. يتجه شرقاً !!

د. هاشم حسين بابكر
[email protected]

ما حدث بشرق السودان أمر أكثر من خطير، ولعل أقل الأمور خطورة تلك الاعتداءات المتكررة التي بلغت الثلاثة، والتي تعتبر بكل المقاييس إعلان حرب من دولة عدو.. وبرر أحدهم العدوان الذي تم بتبرير سخيف.. حيث قال إن العدوان الذي تم كان بسبب تطبيق الشريعة.. ويا للعجب.. هل يا ترى يعاقب المولي عز وجل من يُقيم كلمته؟!! والشريعة حين تطبق يجب على من يطبقها ان يكون يقظا وفطنا وكيسا فيوفر لها الحماية بكل أنواعها، وأهم خط دفاع استراتيجي لحماية الشريعة هو ارساء قيمها في المجتمع والقيم هي مكارم الأخلاق.
قال تعالى في الحديث القدسي «من يعرفني ولا يخافني سلطت عليه من لا يعرفني» ويقول المثل البلدي «الما بخاف الله خاف منو»..!!
الاحلال والابدال الذي يتم في الخفاء اصبح علنا في شرق السودان وفي غربه، وهذا منطقي، فتلك مناطق تداخل قبلي، وخير وسيلة للاحلال والابدال هي إحداث خلل في التوازن الاثني في تلك المناطق..! وهذا ما يحدث الآن في الشرق، فالوافدون اليه من دول الجوار الشرقي طلبا للغذاء باعتبارهم لاجئين، وطلبا للعمل بصفتهم عمالاً ما عادوا كذلك، فهم اليوم يوجدون في الشرق بصفتهم ملاكاً لرأس المال وحاملي جوازات سفر سودانية، يتملكون الارض والعقارات ويدفعون اضعاف قيمتها إغراءً لبيعها.. ومدن كالقضارف وكسلا، وهي مدن مفصلية ولها دور اساسي في اقتصاد الشرق والسودان عموما، بدأ اقتصاد جديد وغريب يسيطر عليهما، الأمر الذي يقود ذلك الاقتصاد الى نزعة من أهم توجهاتها الاستقلال. أن يدفع مشترٍ قيمة دكان بسيط ما يعادل عشرين او ثلاثين ضعفا لقيمته قطعا لا يستند على أسس اقتصادية، إنما يرمى لأمر آخر.. وهو التملك، والسيطرة، والذي يبيع يأخذ ماله ويبحث له عن مكان آخر يمارس فيه نشاطه الاقتصادي، بعد أن أصبح المناخ الاقتصادي بالنسبة له طاردا.. وكثير من المزارعين البسطاء يزرعون في المناطق الحدودية، وحين يأتي زمن الحصاد تأتي قوات دولة مجاورة تستولى على ما يحصدون.. ماذا يتبقى لهذا المزارع سوى بيع ارضه بسعر لا يصدق يُعرض عليه..
أهم مدن الشرق وأسواقها اليوم أصبحت تتفلت من اصحابها تحت إغراء المال، ومن يبقى على أرضه وممتلكاته يواجه حصارا اقتصاديا من القوى الجديدة، يجعله يضيق بالمكان ويضطره للهجرة، فرأس المال يطلب الحرية لينمو.. ان الذي تم تطبيقه على فلسطين في بداية القرن الماضي يطبق بحذافيره على الشرق، تملك الارض من أصحابها، وإغراء المسؤولين بالوسائل الاخرى وأهمها المال والجنس، وبالتدريج تظهر أحياء في تلك المدن كتلك التي كان يبنيها اليهود «الجيتو» في تلك المدن تتحدث بلغة غير اللغة، وتحكمها ثقافة غير الثقافة، وتنمو بسرعة مذهلة اقتصاديا واجتماعيا لتطغي على اصحاب الارض الذين تضعف قوتهم الاقتصادية والاجتماعية للحد الادنى، مما يجبرهم على القبول بالامر الواقع.
وقد تطرق الدكتور التيجاني عبد القادر لهذه الظاهرة من ناحية اخرى، وهي أيضا تقود الى تلك النتيجة، فقد كتب في صحيفة «الأحداث» لا اقول مقالة، إنما أقول دراسة علمية وعملية عميقة وقيمة.
فقد ذكر إن للاسلاميين ثلاث نقاط تحكم رؤيتهم، وهي الامتعاض من التكوينات الاجتماعية التقليدية، وثانيها التخوف من اليسار ذي النزعة الانقلابية، والثالثة التطلع إلى جهاز الدولة الذي بامتلاكه ظن الاسلاميون أنه بداية الفتح الأكبر..
وهنا وقع الإسلاميون في التناقض القاتل، إذ أن السيطرة على جهاز الدولة يقابلها الامتعاض من التكوينات الاجتماعية التقليدية التي تجلس على مفاصل الاقتصاد والسياسة والمجتمع.
السيطرة على الدولة والامتعاض من مكوناتها هذه هي الصورة المقلوبة.. وهذا حول الصراع الى صراع بين الدولة من جهة ومكوناتها من جهة اخرى.. ويقول الدكتور التيجاني شارحاً الصورة الواقعية، ان سعي الاسلاميين لبناء تنظيمات اسلامية حديثة بديلة للتشكيلات التقليدية بسحب العناصر الخيرة من النظام الاجتماعي القديم وادخالها في التنظيم لاسلامي الحديث، بغرض انتاج قيادات اسلامية جديدة تحل مكان النخب القيادية القويمة التي كانت تتحكم في المجتمع التقليدي. أما ما سيحدث لذلك المجتمع التقليدي فلم يكن محور اهتمام.
ونسي الإسلاميون تجربة الرسول صلى الله عليه وسلم التي بدأت بخلخلة المجتمع التقليدي الموجود وبث الروح فيه، بذات الدرجة التي بثها في قياداته.. ولم يضع الرسول صلى الله عليه وسلم عثمان ابن عفان رضي الله عنه قائدا لبني امية بقانون، إنما بذل ذات الجهد مع بني أمية وأكثر مما بذله مع عثمان.. وحتى بعد الفتح ظل أبو سفيان كبير بني أمية وقريش كما كان.. وهكذا لم يلب من وضعوا بقانون على رأس المجتمعات التقليدية مطالب تلك المجتمعات كما كان الزعماء التقليديون يفعلون، بل أنهم كانوا ينفذون ما يملى عليهم ممن عينوهم، وبذا اتسعت الشقة بين من يمسكون بمفاصل الدولة وبين مكوناتها.. ونتج عن ذلك إهمال في الخدمات الضرورية، وما الى ذلك من فساد في الإدارة.. وهذا الخلاف بين الدولة ومكوناتها يضعف الانتماء ويقوى القابلية للاستعمار، ولا تتعجب إن سمعت من يثني على النظام الاستعماري وهو يقارنه بكل الأنظمة التي تعاقبت على حكم البلاد بعده وهي أنظمة وطنية.هذه الصورة وضحت معالمها في الغرب والشرق، وقد بنى مؤلفو نيفاشا الاتفاقية بناءً على المعلومات على أرض الواقع، ففصلت منذ اليوم الاول لتوقيعها جنوب البلاد، والدور الآن على الشرق ودارفور كما خططت نيفاشا..وإصلاح الشرق وغيره يبدأ بإصلاح النظام إصلاحاً جذرياً، إصلاح يجعل أهل الشرق يتمسكون بأرضهم ويشعرهم بالانتماء للدولة.فالشرق تكوَّن من هجرات من داخل السودان، وكونت مع المجتمع المحلي نظاماً اجتماعياً واقتصادياً، اعتمد في تكوينه على ثقافات المحليين والثقافات الوافدة، ولم يتم التمازج الثقافي بالدرجة المطلوبة، وضعف العامل الاقتصادي سيكون عاملاً في هجرة أخرى معاكسة، مما يفسح المجال لقوة اقتصادية أخرى مدعومة هذه المرة لتلعب دوراً عجزت الدولة عن لعبه.وبذا يطبق الهدف المنشود «الإحلال والإبدال» لا بيد قرنق الذي هلك، بل بيد من حاربوه ظاهراً..!!
والشجر يتجه شرقاً..!!


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1398

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#128733 [مراقب]
0.00/5 (0 صوت)

04-16-2011 12:32 PM
ادروب ماتحمل كل العجز على على حكومات الشمال ولانريد ان ننحدر لسمتنقع العصبيه البغيضة والتي تاكل الان ابناء السودان ، واذا سالنا ماذا قدمت حكومات الشمال لابناء الشمال؟
لعلمك ماقدم للجنوب والشرق والغرب لم يقدم للشمال هذه معلومه هامه والسوال من الذي قدم هذا العمل فستجد انها حكومات الشمال ، واذا سالنا ماذا قدم انسان الشرق لنفسه ؟؟؟الإجابه لا شئ واهل مكه ادري بشعابها وانتم ادري بالشرق واهل الشرق
مع تحياتي ، وقاتل الله البغضاء بين الناس وامات الله الفتن ماظهر مهنا وما بطن


#128092 [أبو علوة]
0.00/5 (0 صوت)

04-14-2011 06:52 PM
د / أوهاج .... سلام يا أخي
الجنوبيون قالوا نفصل الجنوب من الشمال وفصلوا الجنوب . والشمال المقصود لديهم ما تبقى من السودان بعد فصل الجنوب بشماله وغربه وشرقه .
غرب السودان واللي كان عند الجنوبيون جزء من الشمال أصدروا الكتاب الأسود متهمين الشمال ولا أدرى أن كان الشرق عندهم جزء من الشمال بأنه الحاكم للسودان وحملوا السلاح .
أهل الشرق قالوا نحن ابناء الشرق يئسنا من حكم ابناء الشمال.... ولاننتظر عدالة منهم ولا أدرى إن كان الغرب جزء من الشمال المقصود بعدم إنتظار العداله أم مستثنى .
واهل الشمال هجروا من ديارهم قبل الجميع لتغرق مدنهم وقراهم في وادى حلفا والكثيرين منهم هاجروا داخل وخارج السودان فلا توجد منطقة في السودان إلا وتجد بها قري تحمل أسماء مناطقهم التى هاجروا منها وبالخارج عمائمهم تدل عليهم في عواصم العالم .
دعنا نفكر سويا :
لماذا نستجيب لنزوات حكام الخرطوم لتفكيك بلدنا إلى دويلات بغض النظر عن مناطقهم التى ينتمون إليها وفي يدنا سلاح الإنتفاضة التى يمكن أن تنطلق في كل المدن للإطاحة بالنظام وبناء دولة المؤسسات ووضع دستور يكفل حق الجميع .
لماذا يصر القذافي ويصر الثوار في ليبيا على ضرورة وحدة ليبيا بينما ينادى مثقفينا مثلك بالنزعة الإنفصالية وبيأس ؟
ألم يكن للشرق والغرب والشمال دور كبير في إجهاض إنتفاضة أبريل وهم يختارون نوابهم من حزب الأمة والحزب الإتحادى والجبهة الإسلامية والشيوعيون والذين أهملوا للمرة الثانية في الحفاظ على الديمقراطية وتسليمها للعسكر ؟
إذن لماذا لا نحول مؤسسات المجتمع المدني إلى أحزاب قومية لكل السودان نتجاوز بها هذه الأحزاب التقليدية المهترئة .
دعنا نفكر سويا في إنقاذ السودان ولكن ليس بطريقة سيلفاكير .
وصدقنى يا أخى البلد فيها خير كتير يسع الجميع إذا خرجنا من دائرة الجهوية والقبلية والطائفية فجيل هذه المفردات على نفاد ..... فالنضع ثقتنا في شباب السودان .... شباب السودان ... شباب السودان .... وأرجو أن تكون منهم وشكرا


#127734 [أدروب]
0.00/5 (0 صوت)

04-14-2011 09:38 AM
تحليل علمى ، وهو مايحدث بالضبط فى طوكر بفضل الحصار المطبق على أهلها الأصليين من قبل والى البحر الأحمر مما دفعهم لبيع كثير من أراضيهم للإرتريين،ولمن لا يعرف فإن دلتا طوكر منطقة متاخمة للحدود الإرترية.


#127666 [د.اونور اوهاج]
0.00/5 (0 صوت)

04-14-2011 12:57 AM
نحن ابناء الشرق يئسنا من حكم ابناء الشمال.... ولاننتظر عدالة منهم..... نحن نموت جوعا وفقرا ومرضا.


د. هاشم حسين بابكر
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة