المقالات
السياسة
مشاركة الشعبي في حكومة الحوار الوطني بين واجب الاخلاق وهواجس الخوف
مشاركة الشعبي في حكومة الحوار الوطني بين واجب الاخلاق وهواجس الخوف
10-16-2016 02:24 PM




(1) الوصول الي توصيات للحوار الوطني تُقدم حلولاً موضوعية لازمات السودان المتطاولة كان حلماً بعيد المنال عند البعض فقد كانوا يعتقدون ان النظام الحاكم دائماً ما يظهر عجزه وسوء تقديره ويكشف عن عوراته في الامتار الاخيرة وعندهم من الشواهد ما يثبت هذه الادعاءات ، والبعض كذلك كان يعتقد ان الحوار الوطني ملهاة يريد بها النظام الحاكم كسب الزمن وان يصرف به الانظار عن شرعيته المنقوصة بانتخابات شابها القصور والفساد في كثير من فصولها ، والبعض يظن ان سوءاته الاقتصادية قد بانت وظهرت ولا يمكن تغطيتها بحلول تقليدية والحوار الوطني يمثل مخرجاً ذكياً لسترها ، كل هذه الاشياء والدعاوي والظنون التي كان يتحدث عنها البعض اصبحت اليوم بلا رصيد في بنوك المتشكيين ، فالنظام الحاكم هذه المرة صدم حلفائه قبل خصومه فهو ما يزال في كامل اناقته كفارس اسبارطي ، ولعل اضراب الاطباء كان نعمة عليه ليثبت انه في كامل الجدية لمرحلة سياسية جديدة ، لذلك طبيعي جداً في عالم السياسة السودانية ان ينتقل الحديث والتشكيك والبشريات والتبريرات بلا مقدمات وبلا مراجعات الي مرحلة اخري كعادة تقلبات السياسة السودانية ، وان يكون محور الحديث عن التزام النظام الحاكم بتنفيذ مخرجات الحوار الوطني ، وهذه مرحلة ومعركة تحتاج الي اسلحة ومهارات ليست تقليدية .

(2) تنفيذ مخرجات الحوار الوطني يمثل قمة الصعود الي جبل جليد الحوار الوطني ، فالانتقال من صفحات الاوراق الي عالم الواقع يشبه السير علي طريق من الالغام الاخطاء فيه قاتلة ومميتة ، لذلك هذه المرحلة تحتاج الي ادوات جديدة والي ارادة جديدة فالأحلام وحدها ليست كافية والنوايا الطيبة غير مطلوبة ، فالعبور الي مرحلة النهضة والتعافي الكامل لجسد الوطن من امراض ظلت تنهش في جسده الذي يتناقص يوماً بعد يوم يجب ان يمر عبر نجاح الفترة الانتقالية او سمها كما شئت من التسميات .

(3) يدور الحديث هذه الايام عن المشاركة في مؤسسات الحوار الوطني التنفيذية والتشريعية ، ولعل المؤتمر الشعبي كان سباقاً وهو يعلن عدم مشاركته في مؤسسات حكومة الحوار الوطني ولكن ما يجعلنا ندير النقاش والحوار ان الحزب عبر تصريحاته فتح باباً صغيراً لمؤسسات الحزب ان تراجع هذا القرار وفقاً لتطورات الواقع السياسي ، وكذلك ما يجعلنا ندير الحوار والنقاش حول هذا القرار ان مبرراته ودواعيه احتفظ بها الحزب ولم يفصح عنها او لعله تركها لفطنة القارئ ، لكن يجب ان نقول ان هذه الخطوة من المؤتمر الشعبي بغض النظر عن جدواها السياسية دلقت ماءاً بارداً علي الاطماع والتكالب علي المناصب من الاحزاب الاخري ، فاذا نظرت الي تصريحات القيادي بالمؤتمر الوطني نافع علي نافع وهو يقول ان المناصب القيادية من نصيب حزبه وقارنتها بموقف الشعبي تكون كما تقارن بين رجل صالح وذئب مفترس ، ولكن من غير المأمول ان تقود هذه الخطوة الاحزاب السياسية الاخري وتبدي زهدها في المشاركة في المرحلة الانتقالية فالمشاركة الواسعة للطيف السياسي السوداني في مؤسسات الحوار الوطني التنفيذية والتشريعية تمثل صمام امان للعبور بالحوار الوطني من حالة الجليد الي حالة الدفئ .

(4) ما زالت حمي المفاصلة التاريخية التي حدثت في صفوف الحركة الاسلامية تسري في اجساد البعض من عضوية الشعبي فالحوار الوطني الذي يجمعهم مع اخوان الامس لم يُهضم ولم تستوعبه عقولهم وترفضه قلوبهم ولذلك تبدو المشاركة في حكومة تجمعهم مع اخوان الامس جريمة اخلاقية لا يغفر ذنبها علي الاطلاق ، ولكن فات علي هؤلاء ان الحركة الاسلامية لا تتعامل بالعواطف والأشجان فالحركة التي قاتلت الرئيس الاسبق نميري وقدمت الشهداء عادت وسالمت ودخلت في تنظيم الاتحاد الاشتراكي وكان امينها العام وزيراً للعدل ومستشاراً للرئيس النميري ، فإذا شاركت الحركة الاسلامية في نظام قمعي ومتسلط ولم يغير جلده فمن باب اولي ان تكون المشاركة في ظل نظام انتقل من دائرة التسلط الي دائرة الحوار المفضي الي وضع جديد له مبرراته الاخلاقية ، ويمكن ان يقول البعض ان المشاركة بعد تجربة الحكم والسلطان في نظام كانت الحركة لها اليد الطولي في وجوده ثم من بعد ذلك فجر في خصومته وخان عهوده مع الحركة ومارس تسلطاً يختلف عن نظام مايو ، وهذه حجة يمكن الرد عليها ان الدواعي الاخلاقية والسياسية في هذه المرحلة اكثر واجبية من نظام مايو .

(5) كذلك حجة البعض هواجس الخوف من ان المشاركة تعطي شيكاً علي بياض للقوي الممانعة والمعارضة في وصم هذه المشاركة بأنها عودة الاسلاميين الي سنوات الانقاذ الاولي ومقدمة لوحدتهم ونتائجها تمكيناً لهم في السلطة ، وهذه الهواجس والتخوفات ظلت تطارد الاسلاميين ليس في السودان فحسب بل في كل تجاربهم في العالم العربي ، بعد الثورة المصرية طالب البعض لدواعي الخوف المشروع بان يمتنع الاسلاميون في مصر عن تقديم مرشح لرئاسة الجمهورية وان يقتصر وجودهم في البرلمان علي نسبة صغيرة حتي يطمئن خصومهم ولم يفعلوا ذلك ، وفي تونس قدرت حركة النهضة هذا الخوف المفروض عليها وامتنعت عن تقديم مرشح لرئاسة الجمهورية ، ولكن نتيجة تنامي هذا الخوف كانت في مصر انقلاب من العسكر ، وفي تونس كانت ابعاداً ثم جاءت النخبة العلمانية بحزب حاز علي غالب مقاعد البرلمان وقدم مرشحاً للرئاسة وحاز علي كامل السلطة واختفي الخوف ولم يتحدث الناس عن الحزب الذي جمع كل مقاليد السلطة بيد واحدة .

(6) حجج البعض كذلك ان الفترة الانتقالية ستكون مرهقة جداً وان امراض حكم الانقاذ ستظهر في هذه الفترة الانتقالية وان النقابات الفئوية سترفع مطالبها وان ازمات الاقتصاد ستتضخم ، ولذلك من الحكمة ان لا يتحمل المؤتمر الشعبي هذه الكوارث ويجب ان يكون في وضع الناصح الامين وان يكون دور الحزب المراقبة فقط بعيداً من السلطة المباشرة وان لا يتحمل أي مسؤوليات اخلاقية ، وهذه حجة موضوعية لكنها ليست اخلاقية فالحوار الوطني ابن شرعي للمؤتمر الشعبي وهو يتحمل كل تصرفاته نجاحاً او فشلاً ، ولذلك الهروب من المشاركة بهذه الدواعي يمثل قمة السقوط الاخلاقي .

(7) كذلك يجب علي الشعبي ان يراعي وينظر في الاخطاء وان يتعظ من تجارب غيره ، حركة الاخوان في مصر في بداية الثورة استجابت لنداء الخوف المشروع وصرحوا بأنهم لن يقدموا مرشحاً لرئاسة الجمهورية وسيقتصر وجودهم في البرلمان علي نسبة معينة لكن خان الاخوان تصريحهم وقدموا مرشحاً لرئاسة الجمهورية وسيطروا علي غالب مقاعد البرلمان المنتخب وظلت تصريحاتهم شماعة للفشل رغم انها تقديرات سياسية ، واليوم علي المؤتمر الشعبي ان يلائم بين خيانة التصريح وواجب الاخلاق وهواجس الخوف .

[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 703

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




علي عثمان علي سليمان
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة